الاستاذ عبد الرحمان الغندور يكتب: على هامش قصة عمر و فاطمة

عبد الرحمان الغندور

على إثر حوار على الخاص مع مجموعة من الأصدقاء حول قضية عمر و فاطمة، و من إجلاء إجلاء كل غموض حول موقفي، أنشره انطلاقا من تمثلاتي و قناعاتي الفكرية.

على هامش قصة عمر و فاطمة

وقعت مجريات القصة في ظرفية سياسية مليئة بالكيد و الكيد المضاد، بعيدا عن أخلاق الممارسة السياسية النظيفة. و هذه الظرفية وحدها كافية لإلقاء ظلال الشك و منطق المؤامرة و التوظيف السياسي اللئيم.
الحدث في حد ذاته، حالة اجتماعية عادية و سائدة و متواترة في كل الأوساط، دون أن يطالها التضخيم و التشهير، إلا حين يـُراد لها توظيف ما، في سياقات ما، يريد تصفية حسابات معينة في أجندات محددة.
الموقف المبدئي الذي يمليه العقل لدى كل متنور يدافع عن القيم الكونية للإنسان، بعيدا عن إكراهات الخصوصية، يرى في قصة فاطمة و عمر أمرا عاديا و حقا شخصيا و حرية فردية بين بالغين راشدين.
فالحب كشعور إنساني و كممارسة بيولوجية، مسألة شخصية فردية تهم أطرافها. تماما مثلما هو التدين أيضا، قناعة شخصية و ممارسة فردية تهم المتدين وحده دون غيره. لا أحد له الحق أن يفرض على الآخرين زمن الحب و مكان و كيفية ممارسته. كما هو الأمر بالنسبة للتدين، فليس من حق أحد فرض طقوسه و مناسكه و كيفية ممارستها على الآخرين، لأنه شأن شخصي يضبط العلاقة بين الانسان و ما يعتقده بعيدا عن كل الإكراهات.
الحب مثل التدين، لا يمكن عقلنتهما و ترسيخهما كحق شخصي و حرية فردية، إلا داخل دولة مدنية تخضع لسمو الحقوق الكونية المترجمة إلى قوانين وضعية تنظم العلاقة بين الناس من جهة، و بينهم و بين مؤسسات الدولة و المجتمع من جهة أخرى.
حين تضبط الحرية الفردية بأحكام القانون، فهذا الأخير يمنعها من أن تتحول إلى حرية عدوانية على الآخرين، مثل التحرش و الاغتصاب و العنف، مثلما يمنع التهجم على نوع اللباس و الاعتداء على المصطافين، و تكفير الناس و تهديد حياتهم باسم شريعة الله، و ممارسة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باليد و اللسان خارج دائرة القلب كاقتناع شخصي و فردي.
الحرية على هذا الأساس، مبدء من مبادئ التشريع، و التشريع وحده ما يضمن ممارسة الحقوق الشخصية و حمايتها في حدود ما يجعل المجتمع آمنا مطمئنا و متوازنا.
يسري هذا الكلام على فاطمة و عمر، بما يعني أن من واجب كل عقلاني حداثي متنور، أن يدافع عن حقهما في ممارسة الفردية كراشدين بالغين، ما دام الرضى حاصل بينهما و الأمر يهمهما وحدهما و لا يسيئ للآخرين. رغم أن موقفهما من حيث مرجعيتهما معادي لهذا الطرح. هذا الموقف الذي يجعلهم الآن ضحية معاداتهم للدولة المدنية، و عنفهم ضد تعديل القوانين بما يجعلها تتلاءم مع المرجعية الكونية لحقوق الانسان.
لــــــــــكـــــــــن……نــعــم…..لـــــكــــــن بالخط العريض.
رغم الطبيعة العادية للحدث، و رغم أنه يحدث في كل لحظة آلاف المرات من طرف آلاف المواطنين و المواطنات….رغم كل هذا و ذاك فإن حدث عمر و فاطمة له خصوصية جد خاصة، ذلك أنه حدث عادي بين شخصين غير عاديين لثلاث أسباب:
1- إن المعنيين بالفعل هما عضوان قياديان في حركت ملأت الدنيا و شغلت الناس بدعويتها و إصلاحيتها و توحيدها. فهما يدعوان بالمكتوب و المسموع و المرئي إلى تطبيق شريعة الله في المعتقد و المسلك و تنظيم حياة الناس في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة.
2- إنهما بهذه الحركة التي يقودانها، يعتبران الذرع الموجه و المساند للحزب الذي يقود حكومة البلاد و يدبر شؤونها، و يرفض علنا كل تعديل للقوانين بما يخدم بناء الدولة المدنية.
3- و هذا هو الأهم، إن عمر و فاطمة المتابعان في حالة سراح بتهمة ممارسة الحب خارج مؤسسة الزواج، هما معا، و حركتهما التوحيدية الاصلاحية، و الحزب الذي يدعمونه في السر و العلن، من أكبر مروجي مفهوم الـــطـــهـــرانـــيـــة. و التي باسمها يستغلون جهل البسطاء، و يشحنون شباب البلاد بتصنيفهم للمواطنين و المواطنات في هذا البلد إلى صنفين:
1- صنف الطاهرين المطهرين، المؤمنين القانتين، الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر. وهم أهل هذا الصنف و حماته و الراعين له بعون الله و قوته و بقوة إيمانهم و طهرانية أخلاقهم و دفاعهم المستميت عن الله و الاسلام في سبيل الله و من أجل تحقيق شرع الله ببناء دولة الله على هذه الأرض.
2- صنف الأنجاس المناكيد، الفاسدين و المفسدين، الناكرين و الجاحدين، و أهل هذا الصنف و العياذ بالله، العقلانيون و العلمانيون و الحداثيون و التنويريون و من سار في ركبهم من الزنادقة و المرتدين. و دعوتهم هي إشاعة الفاحشة و التفسخ و الانحلال الخلقي. و من الواجب على الصنف الأول محاربتهم و اقتلاعهم من الأرض.
إن هذه الدعوة إلى هذا التصنيف و هذه الطهرانية البلهاء، لم تمنع عمر و فاطمة من ممارسة حقهما في ممارسة الحب خارج مؤسسة الزواج التي يقدسونها، كما كشفت الطابع المنافق لهذه الطهرانية المفترى عليها و على زيف تصنيف الآخرين في خانة النجاسة و الفساد و هم فيها غارقون.
إن الطهرانية المفترى عليها ليست أكثر من نفاق مقيت، و هذا النفاق الدعوي الاصلاحي التوحيدي يمتد من الحركة إلى الحزب إلى مواقع تدبير الشأن العام. و هو ما يؤكد عمليا طهرانية الخطاب و فساد الممارسة.
أؤكد مرة أخرى أن قصدي من هذا الرأي ليس الشماتة و التشفي، و لكن الجهر بضرورة ممارسة الحد الأدنى من الوضوح و التوضيح، و فضح التناقض الصارخ بين الممارسة و الخطاب.
إن عمر و فاطمة، مواطنان مغربيان لهما الحق الكامل في ممارسة حريتهما الفردية كما أتصورها كحداثي علماني، لكن من الواجب العقلي و الأخلاقي على فاطمة و عمر و حركتهما و حزبهما التوقف عن مغالطة المواطنين و المواطنات بطهرانية كاذبة زائفة. و التوقف عن تصنيف أنفسهم ملائكة و ما عداهم أبالسة و شياطين.
كلنا بشر على هذه الأرض، بفجورنا و تقوانا….إن أكرمنا هو أكثرنا تقوى، والتقوى عندي هي فضيلة مطابقة القول للفعل……. أن أقول ما أفعل و أفعل ما أقول

تعليق 1
  1. chahdi ouazzani يقول

    لكن هناك طرف ثالث متضرر زوجة او زوجات الداعية فما قول الاستاذ الغندور؟؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.