الاستاذ عبد الرحمان الغندور يكتب: بين الدولة السلطانية و الملكية البرلمانية

عبد الرحمان الغندور

غريب أمر النظام السياسي في المغرب، حيث يبدو أننا نعيش خارج قوانين التاريخ.

كلما تحرك الشارع المغربي بقوة  وازنة، و نزلت الجماهير منددة و محتجة و مطالبة، تغيب كل مؤسسات النظام السياسي، تشريعية، و تنفيذية و قضائية. و كأن الدولة بمفهومها القانوني و الدستوري غير موجودة. وتبقى مؤسسة واحدة و وحيدة هي التي تتدخل لتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي، و تخلو الشوارع من موجة الغضب، هذه المؤسسة هي بالطبع المؤسسة الملكية.

على سبيل المثال لا الحصر، حين تحرك الشارع المغربي، في 20 فبراير 2011، تدخلت السلطات العمومية بآلتها القمعية، و بعد 17 يوم تدخلت المؤسسة الملكية بخطاب 9 مارس، الذي عبر بوضوح عن متطلبات الشارع و الشعارات التي رفعها، رغم أن الدستور الذي سينتج عن ذلك كان أقل من الخطاب. و بدأ المتظاهرون يعودون الى قواعدهم بنصف انتصار رغم أن اسقاط الفساد كشعار مركزي ظل معلقا.
في صيف 2013 على إثر العفو باسم الملك على المجرم دانييل، تحركت الجماهير مرة أخرى، و نالت حظها من التنكيل قبل أن تتدخل المؤسسة الملكية مرة أخرى، و أنصف المتظاهرين و كون لجنة تحقيق أسقطت بعض الرؤوس في مندوبية السجون.

الآن، يتحرك الشارع من جديد عبر كل المدن المغربية، بوعي متحضر بسبب قصة ” الطاحن و المطحون ” . هذا الحدث لم يكن سوى النقطة التي أفاضت الكأس. فقد سبقتها حالات مشابهة مات فيها مواطنون بسبب الإذلال و الإهانة التي  تعرضوا  لها من طرف خدام الدولة و أعوانها. أما جوهر العودة للشارع فهو أكبر من استشهاد محسن فكري أو امي فاطمة…الخ.

لقد تأكد بالملموس، أن مضامين دستور 2011 على علاتها، لم تعرف طريقها للتطبيق، و كأنها در للرماد في العيون، و تأكد أن مطالب الشارع المغربي من خلال حركة 20 فبراير قد تبخرت، و أن الفساد طال و استطال، و أن الحرية مخنوقة بألف عقال، و أن الكرامة مهدورة في  الأوحال، حتى رمت بشهيدها في مطحنة الأزبال.
مرة أخرى ستصمت كل المؤسسات، و ستتدخل المؤسسة الملكية عن طريق بعث وزير داخليتها ليطفئ الغضب باسم الملك.
أين هي إذن مؤسسات النظام السياسي؟
أين هي مؤسسات النظام الاجتماعي كوسيط بين المواطنين و المواطنات و مؤسسات الدولة، من أحزاب و نقابات و جمعيات…؟؟؟
يبدو أن النظام في هذه البلاد قائم على مؤسستين فقط، هما المؤسسة الملكية و مؤسسة الشارع، و هما المؤسستان الدائمتان  المتواجدتان.  و يبنهما علاقة حراك و تحريك، يتحرك الشارع، فيتحرك الملك، يتحرك الملك فيطمئن الشارع.
هذا ما يجعلنا نقول إننا بعيدون عن ما يسمى دولة المؤسسات، و بالتالي دولة الحق و القانون.
لهذا ينبغي دسترة مؤسسة الشارع كمؤسسة دستورية، بتعبيراتها و أساليبها الحضارية، و إلغاء دستورية   المؤسسات الصورية  تشريعية كانت أو تنفيذية. و يبقى   في نظامنا السياسي كما هو الأمر اليوم مؤسستان فقط، مؤسسة الملك و مؤسسة الشارع…كما عهدنا ذلك تاريخيا حين كان يصيح الناس ” واك واك أعباد الله، اللهم إن هذا لمنكر، واش ما كاين مخزن ”  فيتدخل  السلطان بالأدوات التي يتوفر عليها.

إن هذا الوضع لا يمت بصلة لمفهوم الملكية البرلمانية، إنه التعبير الحقيقي عن استمرار الدولة السلطانية، حيث تختفي علاقات المواطنة  و التفويض الشعبي عن طريق الانتخابات و تهيمن علاقات الحاكم و المحكوم.
إن استشهاد المحكوم محسن فكري، يدفعنا جميعا، إلى رفع الضبابية و اللبس عن نظامنا السياسي، و الاعتراف بأننا لازلنا محكومين بمنطق الدولة السلطانية، الشيء  الذي يدفع إلى ضرورة استمرار مؤسسة الشارع  و إعادة الروح لجوهر حركة 20 فبراير  للدفاع على الانتقال الحقيقي من دولة المشخصات إلى دولة المؤسسات، من خلال تأويل حقيقي للدستور الحالي أو مراجعته بما يخدم قضايا المواطنة و الحرية و المساواة و العدالة و الكرامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.