الاستاذ جمال المحدالي يكتب: حل الازمة أم ازمة الحل.. قراءة في ورقة الحبيب الحنوذي

الحبيب الحنوذي أحد معتقلي حراك الريف، مجموعة عكاشة المتواجد حاليا بسجن طنجة2، كتب مقالا مطولا تحت عنوان: حراك الريف والدولة: الأزمة والحل.الحبيب هو واحد من نشطاء الحراك وأحد عقوله النيّرة، والمقال شاهد على ذلك، كما أن تدويناته وإطلالاته الإعلامية إبان الحراك ومرافعاته أمام القضاء ومواقفه ومسار حياته وكتاباته من داخل السجن، كل ذلك يشهد على أن الحبيب ليس مجرد مناضل فضولي قاده تهوره إلى الإنخراط في حراك شبابي فوجد نفسه خلف القضبان، بل هو إنسان مناضل محنك وناضج سنا وعقلا وتجربة، وجد في الحراك ذاته فانخرط فيه، منذ انطلاقه وبلا هوادة. دافع عن استقلاليته وانخرط في تقويته وتمديده وتحصينه.

مهنته جعلته يختبر المنعرجات والعقبات والمسالك المفضية والمتقطعة، عاش هنا وهناك وهو يحمل معه جراح الريف والوطن وخيبات مشاريع مجتمعية حنطتها الإيديولوجيات، ولم يتردد يوما عن فعل المستطاع لإبقاء جذوة النضال متقدة. وحين زفت ساعة دفع الثمن، أقبل عليها ببسمة الحكماء المرتسمة دوما على وجهه الذي لم تبارحه ملامح الطفول، مع أنه واثق من أن لا شيء يبرر اعتقاله هو ورفاقه. وواثق من أن اعتقالهم ومحاكمتهم خطأ فادح ينضاف أخطاء الدولة التاريخية بالريف.

المقال يتحدث عن حراك الريف والدولة، عن الأزمة والحل، وفِي سياق ذلك يحكي الحنوذي تجربته ويعيد التذكير بمسار الحراك عبر الغوص في أسبابه وحيثياته.

كأن الحنوذي أراد لمقاله أن يكون شهادة عن حراك الريف وقراءة في تعقيدات صيرورته ومساهمة في حل أزمة الريف التي فجرت الحراك ثم عمقتها المقاربة القمعية التي واجهته بها الدولة.

لم يقصّر الحنوذي في تشخيص الأزمة وفِي توضيح بعض الحقائق الحراكية التي لا يعرفها إلا الذين كانوا في قلب الما كان يحدث. كفرص الحلول الضائعة التي كانت بدون محتوى وبلا إرادة صادقة من الدولة، وكيفية تفاعل نشطاء الحراك مع تلك الفرص وغيرها من المبادرات.

تحدث الحبيب بلسان الذي عايش الأحداث عن قرب وبوعي حتى وهو وراء الجدران.

ولعل ما يضفي الفرادة على مقال الحنوذي هي قدرته على أن يكتب عن حراك الريف من الداخل والخارج، ومن خارج الداخل وداخل الخارج، وهو الذي يعشق الإقامة على الحوافي المفصلية وجوديا ومعرفيا.
تحدث عن الحراك وما قبل الحراك، فأكد بان الحراك ليس مؤامرة، وأن مطالبه فرصت نفسها على شعب الحراك بحكم سياسات التهميش والتهجير وبحكم ارث تاريخي لا يمكن محوه أو القفز عليه، ولم يختلقها النشطاء كغطاء لأهداف انفصالية كما روج لذلك بعض المسؤولين والقادة الحزبيين والإعلام الممسوخ ومحاضر الضابطة القضائية.

ينطلق المقال من سؤال مركزي طرح على الحنوذي ويطرح على أي معني بالموضوع: كيف تنظر إلى مسألة تسوية الأزمة بين الريف والمركز على خلفية حراك الريف؟

قادت الإجابة عن ذلك السؤال الحنوذي إلى تشخيص الأزمة التي نبحث عن حل لها، وقد خصص الباب الأول من المقال لهدا الغرض. فأسهب في سرد أهم الأسباب التي كانت وراء اندلاع حراك الريف وامتداده في المكان والزمان. وحددها في عشرة أسباب أساسية: الفساد والحكرة – الملفات العالقة لمقتل عدد من الشباب ما بين 20 فبراير2011 ومقتل الشهيد محسن فكري- التهميش الإقتصادي والثقافي والهوياتي – الجروح التاريخية القديمة (حملة بوشتى البغدادي، الغازات السامة، قمع انتفاضة 1958/59 و انتفاضة 1984…- زلزال 2004 – الغموض الذي رافق المشاريع التنموية وخاصة منها مشاريع “الحسيمة منارة المتوسط” – فتور العلاقة بين الأحزاب السياسية والساكنة وعجزها – أزمة الصحة – أزمة التعليم – نظرة الدولة للحراك وإصرارها على تشكيل صورة نمطية عنه وتقديمه كحراك انفصالي وضد الملكية.

غير أن هذه الصورة النمطية عجزت أن تحل محل الحراك، وفشلت في طمس حقيقته الساطعة والناصعة. حقيقة أنه حراك شعبي سلمي بمطالب حقوقية. وبالتالي فإن المعتقلين. ليسوا معنيين بأي مراجعة أو تراجع، فهم ليسوا جماعة إرهابية ولم يسعوا لقلب النظام، وإنما هم مارسوا حقهم في التعبير عن آرائهم، احتجوا بسلمية ضد طحن الشهيد محسن فكري، ثم صاغوا ملفا مطلبيا حدد أهداف حراكهم وطبيعته. والدولة لم تستسغ حراكهم ولا مطالبهم ولا سلميتهم. حاصرتهم بكل الطرق شوهتهم وشيطنتهم وحاكمتهم على تهم باطلة عبر محاكمات انتفت فيها أدنى شروط المحاكمة العادلة.

وفِي الوقت الذي كانت فيه الدولة تتوهم بأنها ستجتث الحراك وتعزل نشطائه، وجدت نفسها غارقة في أزمة الريف. وفي غمرة حصارها للريف واعتقال ابنائه ومنع أي احتجاج سلمي فيه، تفجرت حراكات بهوامش المغرب، تلاها حراك المقاطعة، فحراك الأساتذة، ثم حراك الطلبة الأطباء، وفِي الأفق حراكات أعمق، وبالجوار تفجّر حراك شعبي بالحزائر والسودان وهلم حراكات قادمة لامحالة.

تحدث الحنوذي عن أزمة الريف وعينه على الحل، ذلك الحل المرجأ، الحل الذي ينهي الأزمة ويؤسس لمصالحة تاريخية للدولة مع الريف، يبدأ بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف المتابعات، ويمر عبر تحقيق الملف المطلبي، ثم ينكب على معالجة ملفات الأزمة المتراكمة بالريف، هذا الحل الذي يفرض نفسه على الدولة متى احتكمت إلى العقل وغلّبت المصلحة العليا للوطن والشعب وتنبهت لتحديات تأتيها من كل حدب. هدا الحل يقول حبيب مفتاحه ليس بيده ولا بيد رفاقه وإنما هو بيد الدولة. لكن أياديه(م) ممدودة للمساهمة في حل الأزمة، واليد المدودة للحوار والمستعدة للمساهمة في بناء مستقبل متحرر من عقد الماضي هي يد لا يليق بها أن تكون أسيرة.
والحديث عن الحل يستدعي الحديث عن قنواته وآلياته. وبما أن المدخل الذي لا محيد عنه لحل أزمة الريف يتمثل في إطلاق سراح كل المعتقلين السياسين وتحقيق مطالبهم. فقد توقف الحنوذي عن الكتابة عند قنوات ذلك الحل، ولكن بعد أن رسم مسالك تلك القنوات ليضعنا أمام الآلية التي تفرض نفسها. فبما أن آلية العفو الشامل عبر البرلمان هي آخر ما يشغل برلمانيي الأمة بغرفتيه، ولأن هذه القناة لم تجرب أصلا في تاريخ المغرب، ومادام أن آلية محكمة النقض تبقى حلما تبدده أصداء المحاكمات السابقة، فإن الآلية الوحيدة المتاحة لحل أزمة الريف على المدى القريب هي آلية العفو الملكي.

وسبق للحنوذي أن تطرق في الباب الثالث من مقاله لبداهة أن العفو الملكي ليس مشروطا بأن يطلبه المعني به، خاصة حين يكون بريئا ومظلوما، وحين يتعلق الأمر بأزمة كأزمة الريف.وإنما هو مقرون بإرادة سياسية شجاعة لحل الأزمة من جذورها. وقد تزامن نشر الحنوذي لمقاله مع ظهور مؤشرات على رغبة الدولة في إيجاد تسوية لأزمتها مع الريف.

وفِي لحظة كهذه فإن الريف في أمس الحاجة إلى :

-إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ووقف المتابعات وانصاف ضحايا المقاربة الأمنية، وجعل معتقلي الحراك طرفا أساسيا في أي معادلة للتسوية.

-رفع الحصار وتحقيق الملف المطلبي للحراك.

فتح المجال أمام كل أبنائه سواء الذين هم بالداخل أم بالدياسبورا للإنخراط في بناء مستقبلهعدم تكرار خيبات وفشل التجارب السابقة، خاصة تجربتي اعادة الإعمار والإنصاف والمصالحة، وتفويت الفرصة على الذين تلاعبوا بتلك التجربتين كي لا يعودوا إلى الواجهة من جديد للمتاجرة بالحراح والمآسي الريفية مع قطع الطريق على أي متلاعبين جدد.

الريف لم يعد يحتمل المزيد من الحصار ولا أوهاما جديدة أو مشاريع كارتونية.
وبقدرما كان الحنوذي دقيقا في تشخيصه للوضع بالريف ولطبيعة الحراك، ولما واكب اعتقال النشطاء من مبادرات وضغوطات، فإنه أيضا كان دقيقا في طرح الإسئلة التي لم يتردد في الإجابة عنها، وهي أسئلة لا تعنيه هو ورفاقه المعتقلين فقط، وإنما تعني الجميع، وعلى الجميع الإجابة عنها بالجرأة ذاتها التي أجاب عنها الحنوذي أو أكثر.

وأتمنى أن يكون مقال الحبيب مجرد غيض من فيوض ما سيصدر عنه وعن رفاقه من شهادات وكتابات حول حراك الريف وآفاق تسوية قضيتهم..

قيادي في البام يتهم وهبي باقحام حراك الريف في الصراع الداخلي للحزب

لجنة الحسيمة للدفاع وللمطالبة باطلاق سراح معتقلي الريف تبدي تفاؤلا مشوبا بالتشاؤم بعد لقاءين بالرباط