الإلتراس:  بين الفوضى والنظام

قد لانتعسف في حكمنا على أ هم ما يميز البطولة الوطنية الإحترافية  لهذا الموسم إذا قلنا الحضورالجمهوري المتفاعل والمؤثر سواء في مظهره السلبي أم الا يجابي.

وبعيدا عن المستوى الفني الرديء لبطولتنا الهاوية، وتجاوزا لسلوكات الشغب والعنف والتدمير والعبث داخل الملاعب الرياضية الوطنية، سنحاول أن نعرض للوجه المشرق للمجموعات الجماهيرية المناصرة لفرقها المحلية أو ما يسمى ”بالالتراس” التي أضحت منذ العقود الا خيرة قوة مؤثرة في ما حولها من أحداث ومجريات سواء اجتماعية كانت أم سياسية.

وإني ارتأيت أن أجعل من المباراة الودية التي شهدها  المركب الرياضي محمد الخامس بالبيضاء وجمعت الفريق المستقبل الرجاء الرياضي والنادي الصفاقسي التونسي قبل بداية مرحلة إياب البطولة الوطنية ، أجعل منها نقطة انطلاقي في عرض عناصر هذا الموضوع.

المتابع للطريقة الأنيقة التي أثتت بها مجموعات “green boys ” والمجموعات الأخرى والجماهير المناصرة للفريق فضاءات الملعب بشكل جعلها تبدو كأنها تنظيما عسكريا متدربا على ممارسة نفس الحركات ورفع نفس الشعارات في توقيت موحد ، مع تبادل للأدوار موزع بشكل احترافي بين فضاءات الملعب سينبهر بما رأى وخاصة مع الحضور الجماهيري الغفير،  ما يحمل رسائل قوية موجهة للكاف أولا والفيفا ثانيا ؛  مفادها نحن قوم عاشق لزناد المستديرة وعاشق لكرامتنا حتى الشهادة.

ويبدو أن الشعارات التي رفعت بالملعب سواء كتابة أوشفاهيا تجاوزت ماهو رياضي إلى ماهو سياسي، وإن كان هناك تلازم بين السياسي والرياضي، وهو موضوع يحتاج الى مساحة أخرى للنقاش.

فالشعارات التي صدحت بها الحناجر الرجاوية المغربية بشكل عام تحمل رسائل عميقة للمتأمل في تحليل الخطاب. فكان من أهم ما رفع شعار “إلا رسول الله “الذي ينطوي رفعه على حقائق ترد على منتقدي هذا النوع من الشباب.

يكشف الخطاب على المستوى المعرفي والثقافي لعناصر ومكونات الالتراس، فالكثير منهم حاصل على شواهد جامعية وتقنية، من البكالوريا حتى الماستر، وفي مختلف التخصصات العلمية والأدبية والتقنية.

وفي ظل التنافس الشرس بين هذه المجموعات التي تعطي لنفسها أسماء معبرة وعميقة، على سبيل المثال لا الحصر، “”فدائيو الوداد” بلاك أرمي، الكرين بويز..” “الوينرز”،وتختار أسماء لها خصوصيتها المحلية مثل hlala boys نسبة الى نبتة حلالة المعروفة والمنتشرة بالقنيطرة. وضمن مستوى الإجتهاد على مستوى الوسائل والشعارات والأقراص والصور واللوحات” التيفوات” أضحت الالتراس الوطنية مؤسسة صانعة للقرار ومكرسة للفعل الديمقراطي بين عناصرها، والمكاتب والأجهزة الخاصة بالمراقبة والمحاسبة والمشاريع والميزانيات.

وخاصة بالنسبة للمجموعات الكبرى المرتبطة بالفرق الكبرى ،الرجاء والوداد والجيش الملكي.

فهي تتوفر على برنامج سنوي ومشاريع خيرية وتطوعية، وألبسة تجارية تعزز ميزانية تسييرها (أقمصة صيفية وشتوية ووشاحات…). فالالترا س فضاء تفاعلي مع القضايا السياسية الدولية الجارية اليوم عبر العالم.

لقد ضربت الالتراس ، من خلال الأشكال التشجيعية المتطورة والناضجة والمتفاعلة والواعية بقضايا الأمة مختلف المقولات الرائجة من طرف المحسوبين على النخب السياسية المغربية، عرض الحائط ، مقدمة رسائل هامة مؤداها” إن هذا الشباب المناصر لفرقه ليس كما ترونه،عابث مستهتر،غير مبال بقضاياه. بل هو عمق الوعي والمواكبة ونبراس للتغيير وأهل للثقة والاصلاح.

لقد أثبتت “الإلترات “المناصرة في كثير من المحطات عبر رفع شعارا ت سياسية عدة” إلا رسول الله، الأعلام الفلسطينية،ارحل، أنا لست شارلي أنا محمد,….” مرجعيتها النضالية وغيرتها الحارقة على ثوابتها الدينية والوطنية ومقدساتها الثابتة. كما ابانت عن مواكبتها الفاعلة للمنتوج الاعلامي المحلي والعالمي للقضايا  السياسية والاستراتيجية للمغرب وللعروبة والاسلام.

فأضحت وسائل التشجيع وسائلا للفضح؛ فضح الإختلالات والخروقات والإنزلاقات السياسية، وفضاء للدفاع عن العروبة والإسلام من جهة ، ومجالا للمتعة والإمتاع وبث الفرحة والبهجة في القلوب، فضلا عن أنشطتها الخيرية والتطوعية(التضامن مع ايت العريف مثلا).

فالأمر ما عاد يتعلق بلعبة رياضية تنتهي في الزمان والمكان بل تتجاوز الأمر الى عملية التأصيل لقيم المواطنة والنضال والاحتجاج، وسلطة للتأثير والاستقطاب، ناهيك عن تحولها الى التعبير عن الحب القائم بين الملك والشعب.

فالمعلوم أن الإلتراس في بعض دول شمال إفريقيا خاصة ، مصر وتونس ساهمت بشكل كبير في إشعال انتفاضات الربيع العربي من خلال مجموعة من المباريات التي حملت شعارات تدعو الى التغيير والإصلاح وإسقاط النظام..

لذلك وانطلاقا من أهمية تقدير قدرتها على التأطير والتأثير وتوسيع العرض لدى قواعدها عبر الاستقطاب ،  خصصت الإدارة الأمنية الوطنية خلايا خاصة للمتابعة والتأطير والمراقبة ، مع العلم أن مقص الرقابة الأمنية يمر على كل الشعارات المخا لفة لما تريده أجهزة المراقبة.

لكن نحن لا نحتاج هنا الى التخريب والتهديم والعنف وزرع القتل مثلما يحدث في مجموعة من المناسبات كان أقواها ما حدث بخريبكة منسقوط ضحية بريئة.

بل نحتاج الى إلتراس منظمة تساهم في تأطير أبناء هذا الوطن معرفيا ونفسيا وتربويا ، مع توفير الدعم المادي والمعنوي من طرف الوزارة الوصية للمساهمة معا في تحقيق هذه المهمة الصعبة.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.