الإضراب العام كان جد متأخر

قرار الإضراب العام كان جد متأخر بكل المقاييس، على اعتبار أن سفينة الحالة الاجتماعية لعامة الشعب، بدأت في الغرق في وقت جد مبكر من عهد حكومة بنكيران الأولى، ولم تزدها حالة الشلل التي تسبب فيها زعيم الاستقلال حميد شباط بانسحابه من الحكومة إلا غرقا. وها هو بنكيران اليوم يقف أمام الباب المسدود، الذي تسبب هو نفسه في إغلاقه.

إنه  يجني ما زرعته سياسته التي روج لها بكامل حريته منذ وصوله للحكم، ومن أجلها توفرت له كل الظروف المساعدة، والتي قلما حضيت بها حكومة من حكومات الدول التي شملها إعصار الربيع العربي، فعوض أن يستغل الفرص التي حصل عليها، تسبب في انسداد الحالة الاجتماعية التي شكاها له الشعب عن انتخابه له ولفريقه النيابي الضخم.

فهو قد حضي بتأييد شعبي واسع صنعته له حركة 20 فبراير المسكينة، فهي من فرضت على الدولة أن تعدل الدستورّ، وهي من فرضت أن تسند إدارة الشأن العام لشخصية “إسلامية” تماشيا مع تحولات إقليمية معروفة. فبنكيران شئنا أم أبينا قطف الثمار ليس إلا، وهذه هدية سماوية قلما تجود بها الأقدار لزعيم سياسي.

كما حضي بنكيران وحكومته المحضوضة، بسلم اجتماعي غير مسبوق وفي ظرف جد حرج، فالنقابات وأحزاب المعارضة، كلهم لزموا أماكنهم مدة طويلة تماشيا مع رغبة الملك  في ترك السفينة تمر بدون عراقيل، لتجاوز الخطر الذي كان يتهدد النظام السياسي، والذي عصف باستقرار دول وحكومات عربية عدة. لكن بنكيران لم يستغل الفرصة أيضا.

وبالمقابل انطلق بنكيران ومبكرا، في إرسال صواريخ الزيادات المتتالية في وجه عامة الشعب وعموم الشغيلية، والزيادات لا نقصد في الكماليات، بل في ما يتنقل به المواطن من مكان إلى مكان سعيا في الكسب أي المحروقات، وفي ما يضعه هذا المواطن على مائدة أكله صباح مساء من مواد أساسية، طالما كانت السبب في قيام احتجاجات لا تزال موشومة في التاريخ السياسي المعاصر للمغرب.

قابله الشعب وعموم الشغيلة، بصبر ناذر رغم توالي القصف، لكن بنكيران لم يهدأ ولا قذائفه هدأت طيلة ما يقارب الثلاث سنوات، لنجده زعيما فريدا ينتقل بالشعب إلى مرحلة بدأ معها يفاخر بأن له شجاعة تامة وجرأة ناذرة في اتخاذ قرارات صعبة، أية شجاعة يقصد؟  يقصد أنه شجاع حينما استطاع تعميم نيران الزيادات على الصغير قبل الكبير، وأصبح يحسب ذلك مفخرة له، يقولها بجبهة مرفوعة في وجه عامة الشعب الذي رفعه للحكم ليرفع عنه الحيف الذي تراكم من تجارب السابقين.

إنه بغض النظر عن ظروف وملابسات قرار الإضراب العام، فهو قرار جد متأخر، لكنه يعبر عن إدانة تامة لسياسة بنكيران في التعاطي مع الحالة الاجتماعية لعامة الشعب، فقد أخذ من المواطنين تفهما وصبرا زائدين عن اللزوم، ولم يعطهم سوى أمطار الزيادات المتتالية.

ففي كل الأحوال ها هو رئيس الحكومة المحضوض بهدايا قلما تجود بها الأقدار على زعيم سياسي، يواجه الإفلاس الذي انتهت إليه سياسته، التي أقل ما يمكن القول عنها أنها عوراء، غضت عين اليمنى عن مطالب الشعب المشروعة التي من أجلها صوت عليه، وفتحت العين الآخرى فقط للبحث عن حاجيات الشعب الأساسية التي يمكن أن تشملها نيران الزيادات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.