تحليل: الإسلاميون والحكم بين مراجعات التنظير وتراجعات الوعود

جمال الديابي

14089440_852679541528595_2013657252_n

بعد الحراك الشعبي الذي عرفته المنطقة العربية  ابتداء من سنة 2011 والذي أسفر عن فوز الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، والتي كانت تحمل في شعاراتها التعبوية لحشد الجماهير، مطالب التغيير وتحقيق التقدم والنماء والعدالة الاجتماعية لمجتمعات كانت تعتبر القيام بمثل هذه الخطوة من صميم الحلم والطوباوية في ظل أنظمة تميزت بالاستبداد وانتشار الفساد.

وبعد أن كانت هذه الحركات -التي خرجت بشكل مباشر أو غير مباشر من رحم جماعة الإخوان المسلمين بمصر، أو ما يطلق عليه المختصون والباحثون الأكاديميون  ب”التنظيم العالمي للإخوان المسلمين”- ترفض الانخراط في تدبير الشأن العمومي والسياسي لمجتمعاتها من خلال رفض “الدولة والدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان..”، وتستبدل ذلك بمفاهيم تنتمي تاريخيا للقرن واحد هجري ك”الأمة والقرآن، والشورى …” وتنعت كل مناد بتلك المفاهيم “الوضعية” بالكافر والخارج عن الأمة والمستغرب…

وبعد الانعطافة الكبرى التي عرفتها تنظيرات الإخوان المسلمين في خمسينيات القرن الماضي، مع سيد قطب الذي انتهج التشدد والأرثودوكسية  كمنهج صارم في التعامل مع الدولة الناصرية حينها، ورفع شعار “الحاكمية لله” امتدادا لأدبيات أبو الأعلى المودودي، وسد الطريق أمام كل إمكانية للحوار والقبول بالآخر عرفت الجماعة حينها انحصارا وتضييقا أمام المد القومي والعلماني الناصري، ونظرا لاكتساح التيار اليساري الفضاءات الجامعية والمجال الثقافي  في سبعينيات القرن الماضي، عرفت الجماعة توسعا إقليميا مرحبا به من طرف العناصر التي لم تجد إجابات كافية في حضن اليسار، ووقعت شيكا على بياض لكل من يتبنى فكرة الخلافة وإقامة شرع الله في الأرض دون التوفر على قانون أساسي ينظم عملية الاستنساخ لتلك التجربة التي انبثقت من مصر لتعم عموم القطر العربي الإسلامي تقريبا، وهو ما يؤشر على صعوبة تسميتها بالتنظيم العالمي، ويرجح مقولة “شبكة” أو “حركة”  تحتضن كل مبادرة تستجيب للمنطلقات الأساسية لبروز الحركة الأم، بعد اندحار الخلافة العثمانية وسقوط الرجل المريض سنة 1924…

بعد كل هذا وذاك تصدر الإسلاميون بداية العشرية الثانية من القرن الحالي، المشهد السياسي العربي، وهو ما يدفع للتساؤل عن كيف تم هذا التحول من الرفض إلى القبول بالمشاركة السياسية أولا؟  وما هي المراجعات الأساسية التي قدمها “منظرو” حركات الإسلام السياسي، في تعاملهم مع المفاهيم التي كانت محل نزاع، أدى في لحظات حرجة إلى التصفية الجسدية وترهيب كل متبني لها، حتى تمكنوا من الانخراط في العمل السياسي مع بداية التسعينيات من القرن الماضي ومن تم تصدر المشهد السياسي بعد الربيع العربي؟ وهل القبول بالديمقراطية والدولة والمواطنة، قبول عن قناعة أم انه ليس إلا تكتيكا مرحليا، يطمئن خصوم الداخل والخارج، حتى يتحقق التمكين الموعود؟

نطرح هذه الأسئلة بعد مرور ما يناهز خمس سنوات عن حكم الإسلاميين، وبعد بروز سلوكات وممارسات تنذر بدق ناقوس الخطر أمام كل هذه المراجعات، خاصة سلوك التحكم والانفراد باتخاذ القرارات المصيرية في تدبير الشأن العمومي والسياسي، وعدم المبالاة بالاقتراحات التي تقدمها الحساسيات الفكرية والسياسية الأخرى المشكلة للحكومات خاصة..

فإذا كانت الديمقراطية تعني المشاركة في الحكم، وتعني أيضا تدبير الاختلاف بشكل عقلاني ومتراض بين باقي الفرقاء، من خلال الاقتراع الانتخابي ومنح الفرص بشكل متساو، لكل المواطنين للانخراط في تدبير شؤونهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في تقابل “ملتبس” مع مفهوم “الشورى” كتقنية نخبوية يدبرها أشخاص يصنفون في خانة “خاصة الخاصة”، عبر التعيين والمباركة وليس عن طريق الاقتراع والاختيار العمومي، وإذا كانت الدولة تقوم على مفهوم السيادة القطرية ذات العلم الموحد لجميع المواطنين داخل الحدود الجغرافية، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والسياسية واختلاف ألسنتهم اللغوية.. وهو ما يتعارض أيضا مع مفهوم الأمة، ذات الامتداد التاريخي والمتجاوز للجغرافي والراهني..

وبالرغم من غياب او قصور التنظير الفكري لحركات الإسلام السياسي اليوم، التي تستند في غالبيتها الى ما كتبه حسن البنا لحظة التأسيس، وأدبيات سيد قطب المتطرفة فيما بعد، وهو ما يوقعها في حرج كبير أمام المجتمعات العربية- الإسلامية في العصر الراهن، بالنظر إلى التحول التكنولوجي والانفتاح المعلوماتي التي تعرفه المجتمعات، فإن هناك اجتهادات تظل خجولة ومحدودة هنا أو هناك، تتسم بطابع تبريري، من خلال الإجابة على سؤال المشاركة في العمل السياسي، هل هو ردة وتحوير لما أسس له الأولون داخل حركات الإسلام السياسي عموما، أم تطوير وتجاوز له؟

 الاستباق للمراجعة والمشاركة السياسية نموذج حركة الإصلاح والتوحيد

يتفق عموم الباحثون والمختصون في حركات الإسلام السياسي، على كون حركة الإصلاح والتوحيد، باعتبارها حركة دينية، تنطلق في أدبياتها من الكتاب والسنة، وهي مرجعية مشتركة بين جميع تيارات الإسلام السياسي، أنها (الحركة) لم تتوان منذ تأسيسها الأول في إطار”جمعية الجماعة الإسلامية” وحتى فيما بعد، لحظة عن مراجعة طروحاتها النظرية وتليين مواقفها، بل الإعلان بإلحاحية عن رغبتها في الانخراط في إطار سياسي يؤهلها للاندماج في العمل السياسي المباشر، عبر المشاركة والتفاعل، ومن ثم الانتقال من خانة الرفض والقطيعة التنظيمية مع أسلوب السرية والعزلة التي طبعت عملها في نشأتها الأولى، وقد تجسد ذلك جليا عبر اتفاق مؤسسيها على الانفصال عن جماعة الشبيبة الإسلامية التي يتزعمها عبد الكريم مطيع، وعملوا على تكثيف كتابات تتجه لتأسيس نظري لمفهوم الإصلاح والتدرج، من خلال القبول بالديمقراطية والتعددية السياسية، بل الاجتهاد في التأصيل لها من داخل النص الديني من منطلق “الشورى السياسية”، ونبذ خيار الانقلاب الثوري، الذي نظرت له الأدبيات الإيديولوجية لكل من المودودي وكتابات سيد قطب المكفرة للأنظمة الحاكمة وللشعوب أيضا، التي اعتبرتها ترزح تحت نير الجاهلية والضلال، ناهيك عن اعترافها بالملكية الدستورية الحاكمة وبأصالتها التاريخية، وبمقدسات البلاد، وبإمارة المؤمنين القائمة على  أساس البيعة، التي ترفضها جماعة العدل والإحسان إلى اليوم، وكتاكتيك براغماتي (واقعي) لم توجه سهام نقدها للمؤسسات الرسمية للدولة، بل وجهتها للتيار اليساري والعلماني حينها، في رسالة مبطنة إلى طمأنة الجهات العليا، بأن لا تعارض لها مع الدولة وأن صراعها صراع فكري وحضاري، يتساوق والمرجعية الدينية التي تتسمد منها الملكية شرعية وجودها واستمرارها، وكذا انخراطها في الاهتمام بقضايا المسلمين في العالم من خلال مقولة “التغيير الحضاري” القائم على الإصلاح اللين والمرن للأزمات التي تعيشها الأمة، ولتبرهن أيضا على ضرورة انخراط الحركة الإسلامية في التعاطي الايجابي مع المشاركة السياسة، التي تتمثل في الانتخابات، وتعمل على التقريب بين مفهومي الشورى والديمقراطية، وتبين أن لا تعارض بينهما ماداما يخدمان الصالح العام، ويمكن استثمارهما في الإصلاح، والقول بأن الديمقراطية تنسجم مع طروحاتها العقدية كحركة دينية تنشد الانضمام إلى الفضاء المؤسساتي الحداثي.

الخطاب والممارسة: أخطاء بالجملة

في لحظة الزخم الشعبي الذي عرفته المنطقة، إثر اندلاع شرارة الانتفاضات الاولى من تونس بعد إحراق البوعزيزي لنفسه، احتجاجا على صفع شرطية له، وتعبيرا أيضا عن درجة الاحتقان والسخط الذي وصل إليه المواطن العربي، ارتفعت شعارات بالجملة، تتمحور حول الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، من مختلف التيارات والمرجعيات التي كانت تعاني الفساد والاستبداد، في فترة ما بعد الاستقلالات للشعوب العربية، وكتتويج لهذا المسار تبوأت الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية صدارة الانتخابات، في كل من تونس ومصر والمغرب، الأمر الذي جعلها لأول مرة، تصل إلى دواليب الحكم في تاريخ دولها السياسي،بعد أن تمرست على كرسي المعارضة والرفض في تسعينيات القرن الماضي، دون أن تعي جيدا شروط اللعب ومغامراته، ولا أن تستوعب المرحلة الدقيقة والحرجة التي بوأتها هذه المكانة، متناسية حجم الأوهام والشعارات التي رفعتها أثناء التعبئة في الحملات الانتخابات، وإقناعها لنسبة مهمة من الناخبين معقولية برامجها السياسية والاجتماعية حينها. ومتناسية أيضا حجم المراجعات التي قدمتها على الورق استيعابا لأسس الممارسة السياسية في الدولة الحديثة، الممثلة أساسا في الديمقراطية كتقنية أساسية لتدبير الاختلاف، والوضوح والشفافية في محاربة الفساد والاستبداد..

ومن جملة الأخطاء التي ارتكبتها هذه الأحزاب هنا وهناك، العودة بشكل لاواعي أو واعي إلى مفهوم الأمة، وضخ دماء الحياة في التنظيم العالمي الإخواني، من خلال:

يعتبر العديد من المتتبعين والملاحظين لشأن حركات الاسلام السياسي، أن الأخطاء الفكرية هي نفسها عند جميع حركات الإسلام السياسي والسبب في ذلك أن هذه التيارات كلها ترتكز في ممارستها على الأحكام الفقهية التي استنبطها فقهاء القرون الأولى، وهذه الأحكام لا تستقيم كلها مع الأمور المستحدثة والمشاكل الجديدة للمجتمعات الإسلامية والتي لا تجد لها حلاً فقهياً في الكتب القديمة، فبعض الحركات الإسلامية تغالي في تعظيم السلف الصالح ولا تقبل أي اجتهاد جديد ما لم يكن مؤسساً على أقوال السلف الصالح. أما الإخوان المسلمون في مصر وفي غيرها فهم يقولون بالتجديد في الفقه، إلا أنهم لم يطبقوا هذا الأمر في ممارساتهم وفى فكرهم، إذ كانوا في البداية يحرمون الاشتراك في الحكم ما لم يكن نظام الحكم إسلامياً. ثم بعد ذلك بعقود أجازوا لأنفسهم أن يشتركوا في حكم البلاد شرط العمل على تطبيق أحكام الإسلام،  وكانوا في بداية تأسيس حركتهم يكفرون الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله ومساعديه وعناصر قوات الأمن والجيش وكل من يقوم بمساندة الحاكم ومؤازرته في الحكم. أما اليوم وبعد أخذهم بقاعدة التجديد فلم يعودوا يذكروا علناً هذه الأمور. إلا أنهم لم يقوموا بتطبيق قاعدة التجديد على فكرهم ولم يعملوا على استنباط الأحكام العملية وفق هذه القاعدة[1]..

 بالإضافة إلى نهجهم لممارسات لا تنتمي الى تدبير شأن الدولة المؤسساتي القائم على احترام القانون والتعامل مع جميع مكونات المجتمع بسواسية، بل تم تغليب منطق القبيلة والانتصار للأخ وابن القبيلة، في أحيان كثيرة، كحالة  “الرئيس المصري مرسي” الذي غض النظر عن الترهيب الذي مارسه السلفيون “المتشددون” بمصر على الشيعة المصريين، وفي المغرب ثم الصمت عن اللجن الشعبية التي تشكلت لمحاربة الدعارة، والتي برزت فيها “حركة الإصلاح والتوحيد” الجناح الدعوي والحاضن التربوي لحزب العدالة والتنمية، طرفا معاديا للمراكز الحقوقية التي نددت بمثل هذا السلوك وطالبت بوضع حل لمشكلة الدعارة وبمناقشة القضايا المتعلقة ببيع الفتيات المغربيات على حد تعبير خديجة الرويسي المكلفة بالتنظيم داخل “حركة اليقظة والمواطنة”.

التراجع عن شعار” المعقول” الذي كان رنانا  خلال الحملات الانتخابية التي قادها حزب العدالة والتنمية، ومغريا للعديد من الناخبين الذين استبشروا خيرا بهذا الشعار المختزل لحل العديد من قضايا الفساد المستشرية في قطاعات حساسة داخل جسم الدولة، واستبداله بشعار آخر “عفا الله عما سلف” يستمد مشروعيته مرة أخرى من نفس المعين الديني والايديولوجي المؤطر لعمل الإسلاميين عموما، إثقال كاهل المواطنين بضرائب أخرى من خلال رفع أسعار بعض المواد الغذائية، نهج سياسة الصوت الواحد وعدم الإنصات لاقتراحات باقي الفرقاء (حزب الاستقلال بالمغرب) وتخوين المعارضين كمحمد البرادعي وحمدين صباحي بمصر…

عدم الاهتمام بأصوات الشباب المستقلين الذين انخرطوا في البدايات الأولى للحراك الشعبي في البلدين المغرب ومصر، مما خلق معارضة غير مؤسساتية تتذمر من سياسة اللامبالاة بتلك الأصوات التي بحت حناجرها في الميادين والشوارع، والتي بفضلها وصل الإسلاميون هنا وهناك إلى سدة الحكم…

وبالرغم من المسافة التي حرص حزب “العدالة والتنمية”، على اتخاذها تجاه تنظيم “الإخوان المسلمين بمصر”، والمراجعات العديدة التي قام بها إزاء العديد من القضايا الشائكة والمحرجة لمرجعيته الدينية واعتماده التوجه البراغماتي الواقعي في الليونة والتعامل مع ما يمكن أن يجعله في مواجهة مباشرة مع النظام الملكي وإمارة المؤمنين، الذي ينافسه في نفس المرجعية، أو مع إخوانه في تنظيمات إسلامية أخرى كجماعة العدل والإحسان، حين تم تشميع بيت الأمين العام لمجلس الإرشاد ذ. محمد عبادي، في سنوات حكمه، وبقاء ملف السلفيين السجناء المتهمين في أحداث 16 ماي 2003، عالقا دون حل مؤسساتي، اللهم بعض الإعفاءات الملكية التي تصدر بشكل مناسباتي، يقوي من مكانة مؤسسة إمارة المؤمنين، ويحرج حزب العدالة والتنمية أمام الإخوة قبل الأعداء…

فهناك تخوف كبير من طرف الخصوم السياسيين الآخرين الذين يصطفون في الجناح اليساري والتقدمي، تجاه ما يسمونه بالتكتيك المرحلي، لتحقيق الخلافة “الإطار النظري والمرجعي” للإسلاميين في العالم العربي الإسلامي.

ويدفع بطرح السؤال حول الضمانات الأساسية والرسمية في تبني المفاهيم “الوضعية” كالحداثة والعقل وحقوق المرأة وحقوق الإنسان، التي يحاول الإسلاميون إقناع الخصوم بأن لا حرج لديهم في تداولها واستعمالها، مع وضع خط أحمر في قضايا يعتقد الاسلاميون أن لا مجال في التفاوض بشأن كمسألة الإرث التي طرحت مؤخرا في الساحة السياسية والثقافية وأبانت عن شراسة الموقف الاسلامي في التمترس للدفاع عن الطرح الذي يقول بمقتضى “للذكر مثل حظ الأنثيين”.

ويعيد النقاش أحيانا الى نقطة الصفر.

[1]  الكاتب العدل محمد يحيى، عضو سابق في بلدية طرابلس موقع البصرة

http://www.albasrah.net/ar_articles_2013/1013/yahya_281013.htm

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.