الاسفاف…

أينما ولّيت وجهك تجد الاسفاف بانتظارك، فقد أضحى خبزنا اليومي، نقرأه في جرائد الصباح، نراه يتمطى أمامنا في شوارع الوطن، يطلّ علينا برأسه على شاشات الفضائيات..

الاسفاف يقتل الحلم ويرغم صاحبه على التطبيع مع أمر الواقع فيسلم ارادته للشيطان.. أمامه تحسّ وكأنك مسلوب الارادة، لا حول ولا قوة لك، في زمن تسيّد فيه الوضيع، وتوارى فيه الشريف..

الاسفاف في السياسة هو أنت ترى أمثال ادريس لشكر وحميد شباط والياس العماري هم سادة الفعل السياسي، و أن ترى بنكيران (رئيس الحكومة) يحلف بأغلظ الأيمان، بمناسبة أو بدونها، أن علاقته بالملك هي على ما يرام رغم كيد الوشاة.. وأن ترى حكومة يقودها حزب اسلامي وتحت إمرة ” أمير المؤمنين” تُفيم الحدّ على الضعيف وتعفو على المجرم الكبير، ولا أحد فيهم يقول “والذي بنفسي لو أن فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها” بل كلهم يقولون “والذي بنفسي لو أن لي ابن لجعلته رئيس ديواني”..

الاسفاف في الثقافة هو أن ينبري بعض كتبة المليشيات الحزبية ليتسيدوا المشهد ويسطون على المؤسسات الثقافية، وما عليك لكي تكون مبدعا إلاّ أن تكون مريدا في احدى الزوايا، بغير ذلك فأنت تجدف ضدّ التيار، ستتكسّر أشرعتك على أمواج التفاهة..

الاسفاف في الصحافة أن ترى من لا رصيد لهم غير سنطيحة عريضة يتسيّدون المشهد، بينما الاقلام الحرّة والصحافين المشهود بكفاءتهم محكوم عليهم بالنفي خارج الوطن أو بالنفي داخله بين ردهات المحاكم، الاسفاف هو أن يكون كتّاب الرأي في وطنك من أمثال حميد زيد الذي يحدّث قراءه عن فرس النبي، والمختار العياشي الذي يُحدّث قراءه عن حداثة مشذّبة بعناية، تُعلي من شأن الجنس وتحذّر من التطاول على سلطات الملك الذي يحمينا من همجية “الخوانجية”، أو توفيق بوعشرين الذي يحدّث قراءه عن أن الدستور الجديد منح للحكومة صلاحيات واسعة لكنها لا تستغلّها لأنها لا تريد أن تعمل ولا تريد أن تساعد صاحب الجلالة على تحقيق الاصلاح المنشود…

الاسفاف في النضال هو أن ترى صبية سقطوا سهوا وراحوا يعلنون دون خجل أنهم الزعماء القادة، بينما القادة الحقيقيون أغلبهم يقبعون في السجون، وبعضهم يقبع في الصمت زاهداً في ادعاء البطولة الدونكيشوتية….

ثمة في الثقافة الشعبية مثلا مغربيا يقول “كن سبع اوكولني” كن أسدا وأكلني، لكن للأسف وبسبب الاسفاف، بعض القطط تريد أن تجعل من نفسها أسوداً تتربص بك وتنسى نفسها أنها مجرّد قطط وستبقى كذلك…

هو زمن الاسفاف اذن، لكنه ليس زمناً أبدياً، بل هي مرحلة فرضتها ظروف خاصة، فلم يسجلّ التاريخ يوما في دفاتره أن الاسفاف نجح يوما في أن يكون حتى شيئاً.. فلا تغتروا كثيراً بإسفافكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.