“الأهرام ” المصرية.. المغرب بعد 4 سنوات من حراك 20 فبراير: هل تغير شيء ما بين القصر والحكومة والشارع ؟

هذا التقرير الذي نقدمه لقراء “أنوال بريس” نشر باللغة الانجليزية على موقع الاهرام او لاين، وهو تقرير كتبه الصحافي المصري كارم يحيى، اعتمد فيه على تصريحات لعدد من المهتمين والباحثين والقيادات السياسية سبق أن التقاهم في الرباط أواخر شهر يناير الماضي: 

 قبيل خمسة أيام فقط من الذكرى الرابعة لانطلاق حراك 20 فبراير الشعبي في المغرب داهمت الشرطة الأحد الماضي ( 15 فبراير 2015) المقر المركزي للجمعية المغربية لحقوق الانسان في وسط مدينة الرباط. اعتقلت السلطات اثنين من الصحفيين الفرنسيين من داخل المقر. وقامت بترحيهلما على الفور. وقالت انهما يمارسان عملهما ويقومان بالتصوير من دون ترخيص. لكن بيان الجمعية قال أنهما كانا قد قاما ومعدات التصوير باللجوء الى المقر بعدما استشعرا مضايقات أمنية. وفي كل الاحوال فإن روايات السلطات والجمعية تفيد بأن الإقتحام جرى  من دون إذن قضائي .

 الجمعية هي واحدة من أعرق منظمات حقوق الانسان في العالم العربي والقارة الأفريقية. فقد تأسست عام 1979 ، وتتوفر الآن على 96 فرعا داخل البلاد وأربعة خارجها. كما تكتسب رمزية خاصة لدى الشباب الطامح الى التغيير .وببساطة لأنها الفضاء الذي استضاف المؤتمر الصحفي لاعلان البيان التأسيسي للحراك في 17 فبراير 2011. وفي هذا المقر نفسه نهاية شهر يناير الماضي التقيت برئيس الجمعية “أحمد الهايج” .وقد أبلغني ، بعدما أمدني بتقارير وافرة عن تدهور حالة حقوق الإنسان في البلاد وتعرض فروع الجمعية ذاتها الى مضايقات غير مسبوقة ،  بأنه اعتبارا من عام 2013 عرف المغرب نكوصا عن هامش الحريات جراء حراك 20 فبراير واقرار تعديلات دستورية في الأول من يوليو عام 2011. قال :” إنتزع المغاربة حقوق التظاهروالتعبير مع الحراك .لكن وجدت سلطة الدولة فرصة سانحة في ارتدادات الربيع العربي في الإقليم كي تنقض على هذه الحقوق. وبحلول منتصف 2014 رصدنا اعتقالات ومحاكمات انتقامية ضد النشطاء الشباب و تضييقا على حرية الصحافة وحتى على انشطة الجمعية وعلى نحو غير مسبوق”. ولما سألت “الهايج” عن مسئولية حكومة الإسلامي (حزب العدالة والتنمية) عبد الإله بن كيران عن هذا التراجع في الحريات حدثني عن حالة ازدواج للسلطة والمسئولية في البلاد. قال :”ظل وضع السياسات العامة والاستراتيجية وأمور وزارات السيادة كالداخلية والدفاع والعدل والخارجية بيد القصر الملكي .وبقيت تعديلات الدستور رغم محدوديتها وشكليتها حبرا على ورق. ولم تصدر قوانين لتفعيل البنود الجديدة فيه. ومعظم مشروعات القوانين التي جرى تقديمها للبرلمان سرعان ما تم سحبها. وببساطة بقي التعديل الدستوري فارغا من المضمون”.

ماقاله رئيس الجمعية المغربية لحقوق الانسان استمعت اليه بلغة اكثر حدة في الشارع من مواطنين عاديين. وكذا من رموز طيف واسع من النخبة السياسية. و كان بامكاني ان الحظ كيف اصبح شائعا نهاية شهر يناير الماضي ومع حلول الذكرى السنوية الثالثة لتشكيل أول حكومة في تاريخ البلاد يرأس إئتلافها حزب اسلامي هذا التعبير : “إبحث عن حكومة الظل في القصر وليس عند بن كيران”.وعلما بأن الحكومة التي يرأسها “العدالة والتنمية” ـ والتي توصف أيضا بـ “نصف الملتحية”ـ  تضم الآن ثلاثة أحزاب اخرى، من بينها الحزب الشيوعي الكلاسيكي “التقدم والاشتراكية”، والذي يوصفه بأنه “الشيوعي الملكي”. وله خمس وزراء في هذه الحكومة .

وكانت أنباء خلافات وصراعات على رئاسة تحرير جريدة حزب المعارضة في البرلمان “الإتحاد الاشتراكي” تملأ الصحافة اليومية المطبوعة عندما التقيت “حسن طارق” نائبه في البرلمان (42 من بين اجمالي 395 نائبا). وبدا أن هذه الأنباء المؤسفة هي اخر تداعيات الثمن الباهظ الذي دفعه هذا الحزب الذي ظل لعقود يناضل حكم الملك السابق “الحسن الثاني “حين دفع به الى تجربة قيادة “حكومة التناوب” منذ عام 1998 برئاسة أمينه العام حينها “عبد الرحمن اليوسفي”. فقد انخفض توزيع صحيفته متوسط مائة الف يوميا الى بضع آلالف معدودة. و حدثت ثلاثة انشقاقات كبرى في الحزب.  كما بادر “اليوسفي” قبل ان يتوارى عن الاضواء بنقد ذاتي قال فيه انه فشل .ولم يكن يحكم، وان الأمور ظلت بيد “المخزن”، وهو تعبير عن سلطة الدولة المرتبطة تاريخيا بالقصر الملكي . ويرى “طارق” أن حكومة بن كيران تعيد حكاية ماجرى مع اليوسفي والاتحاد الاشتراكي. لكنها تتحمل مسئولية أكبر لأن تكرار الأخطاء جاء في ظل ظروف مواتية أفضل مماكان عليه الحال من قبل. ويوضح : “جاءت هذه الحكومة بعد حركة جماهيرية عارمة تطلب التغيير واقرار اصلاحات دستورية. لكنها لم تكن في مستوى الصلاحيات الممنوحة في الدستور أو انتظارات الناس لمكافحة الفساد والاستبداد. وبن كيران ضحي بتطبيق الدستور مقابل نيل رضا القصر”. ويضيف :”الدستور الجديد قابل للتأويل ديموقراطيا وبالعكس. ومايحدث منذ ثلاث سنوات هو سيادة التأويل الرجعي”. كما يشير الى اتخاذ ماوصفه بـ ” الحكومة اليمنية”  لاجراءات غير شعبية وغير اجتماعية مثل رفع الدعم عن المواد الأساسية والطاقة العام الماضي استجابة لضغوط المؤسسات المالية الدولية. وفي بداية لقائنا كان “طارق” قد حدثني عن انهاك سمعة حزبه اليساري في الشارع بمشاركته في ثلاث حكومات إئتلافية متعاقبة. ولقد استمعت من مواطنين في الشارع الى ذكرى غير طيبة عن هذه الحكومات التي رفعت شعارات اليسار وضحت بتاريخ حزبها النضالي واستخدمها “المخزن” لتمرير خصخصة مرافق تمس حياة المواطنين كالكهرباء والمياة .

 المغرب لعله البلد العربي الوحيد الذي يعرف هذه “الخلطة الطريفة”. فهناك شيوعيون في حكومة يقودها حزب إسلامي. لكن هناك جماعة سياسية إسلامية “العدل والإحسان” هي الأوفر جماهيرية وتنظيما وتصطف في المعارضة خارج النظام الى جانب أحزاب ومجموعات يسارية ناشطة. شاركوا معا في حراك 20 فبراير حتى انسحاب الجماعة في مطلع ديسمبر 2011 ، فيما كانت قيادة حزب بن كيران قد اعلنت رفضها للمشاركة في حراك من البداية . و”العدل والاحسان” غير المعترف بها قانونا ترفض بدورها الاعتراف بالملك “أميرا للمؤمنين” و تقديم البيعة السنوية ولا تخوض الانتخابات البرلمانية. هذا رغم تغلغلها في قيادة النقابات والاتحادات العمالية والمهنية والطلابية. ووفق تقدير “حسن ناجح” عضو أمانتها العامة والمسئول عن الشباب بها فإن المغرب بعد أربع سنوات من حراك 20 فبراير “يعيش زمة أزمة خانقة لأنه لم يتغير شئ”. ويقول لي :”مكتسبات الحراك تتلخص في اسقاط حاجز الخوف عند المواطنين. وأيضا في العمل المشترك بين الاسلاميين والعلمانيين من يساريين وليبراليين ومستقلين. وتحقيق ثقة لم تكن متوافرة من قبل بين هذه الأطراف . لكن ظلت الحكومات لا تحكم”. ويضيف :”حكومة بن كيران تساهم في اطالة عمر الاستبداد .ولقد جئ بالاسلاميين الى الحكم في مصر وتونس وليببا وكذا المغرب لتهدئة الشارع ليس إلا ، وليس اقتناعا بالنظام الديموقراطي”.

  ولقد استمعت الى عبارة “نجحنا في تهدئة الشارع ” أيضا على لسان “عبد العالي حامي الدين” عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية (105 نائب في البرلمان) عندما التقيته بمقر الحزب متعدد الطوابق في حي راقي بالرباط . قال :” نعيش الاستقرار الآن . وكان علينا اتخاذ قرارات صعبة ومؤلمة شعبيا مثل رفع الدعم .لكنها ضرورية من أجل توازن الميزانية .وعلى أي حال فان البطالة استقرت عند 22 في المائة”. ولما سألته عن الاتهامات الموجهة لبن كيران بالتفريط في صلاحياته بمقضى الدستور الجديد، أجابني :” قراءة الرجل للدستور تعتمد تطبيقه بالتوافق مع الملك .هو نجح في تجنب الصدام مع القصر. وهو بالأصل مؤمن بالتعاون معه. وهذا ساهم في استمرار الحكومة. والأمر على هذا النحو أفضل من سقوطها. ولأنه لابدائل في المعارضة”.

  لكن الدكتور الأكاديمي “محمد حفيظ” من قادة الحزب الاشتراكي الموحد والمنشق على “الاتحاد الاشتراكي” يرى ان الأحزاب كلها تقريبا مسئولة عن اهدار فرصة التغيير بعد 20 فبراير تماما كما جرى بشأن حكومة اليوسفي من قبل. وقال :”دستور 2011 متقدم عما سبقه لكنه متخلف عن زمن الحراك ومطالبه. ومن المفارقات أن من رفض النزول الى  الشارع هو من يقود الحكومة الآن. وبالقطع فان المناخ الإقليمي اسهم في إجهاض الربيع المغربي وعدم تحقيق أهدافه”.

 المؤرخ “مصطفى بوعزيز” درس لسنوات طويلة نمط الاحتجاجات الشعبية ضد “المخزن”. وهو يرى ان حراك 20 فبراير بمثابة “جملة اعتراضية” أخرى في التاريخ المغربي وأن “القوس” قد جرى إغلاقه. ومن ثم فهو لا يرى فرصه لتجدد الحراك على مدى خمس سنوات مقبلة. قال لي :”الشباب كرروا اخطاء موجات الاحتجاج السباقة وعجزوا عن الامساك باللحظة وتوسيع الثغرة داخل النظام .والبديل الاسلامي الذي يقبل شرعية النظام لم يتم استهلاكه بعد ومازالت له شعبيته .هذا رغم ان الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية من فقر وبطالة وتهميش تدفع نحو الانفجار”. وأبلغني أيضا الدكتور “معطي منجب” رئيس جمعية “الحرية الآن”، والتي ترفض السلطات منحها ترخيصا قانونيا، أنه لا يتوقع تجدد الحراك قريبا، وان كان لايستبعد اندلاعه في مدن متفرقة على المدى المتوسط. قال :”أسباب الاحتجاج قائمة .. والناس اخذت الكلمة ولاتريد التخلي عنها”. أما عدد من شباب الحراك الذين التقيت بهم فقد بدو أكثر تفاؤلا بقرب العودة الى الشارع، رغم ما يعانيه بعضهم من إحباط .

 وبالنسبة “للحرية الآن” فقد كانت قد عقدت مؤتمرا صحفيا في مقر الجمعية المغربية لحقوق الانسان قبيل ان تداهمها الشرطة بأيام معدودة. أطلقت تقريرها الأول عن الانتهاكات ضد حرية التعبير والصحافة في المملكة. ولقد ذهبت تفسيرات الى ان استضافة الجمعية لهذا المؤتمر من بين أهم الأسباب وراء هذه مداهمة مساء الأحد الماضي غير المسبوقة .

 كارم يحيى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.