الأنظمة السياسية وأنظمة تشغيل الحواسيب

يشبه النظام السياسي إلى حد كبير نظام تشغيل الحواسيب، بصراحة لا أعرف من يشبه من، ربما الثاني هو الذي يشبه الأول لأن الأنظمة السياسية قديمة قدم التاريخ عكس الأنظمة الإلكترونية الحديثة. ما علينا، لنجرد أوجه التشابه بينهما.

أنظمة تشغيل الحواسيب كثيرة فنجد مثلا كأنظمة رائدة، الويندوز ولينيكس، بينما نجد الملكية والجمهورية كأنظمة سياسية والصنفان يتطوران ويتم تحديثهما Mise à jour من حين لآخر استجابة لمتطلبات وإكراهات الحياة الإنسانية.

لتشغيل الحاسوب، تلزمنا العديد من الدرايڤرات والتطبيقات والبرامج، ولتسير الدولة نحتاج إلى قيادات ومؤسسات من جمعيات وأحزاب ووزارات وبرامج تلفزية وبرامج التنمية… هناك تطبيقات وبرامج لا توافق بيئة نظام تشغيل ما، لذا لا يمكن تنصيبها في هذا النظام، أما في النظام السياسي فلا يمكن تنصيب برامج التنمية مثلا في نظام دكتاتوري أوتوقراطي مستحوذ لأن التنمية تستوجب التوزيع العادل للثروات ومحاسبة المتصرفين في ثروة الشعوب.

بالإضافة إلى التطبيقات والبرامج، هناك ملفات في نظام التشغيل، هذه الملفات يقابلها الشعب كتكثل بشري في النظام السياسي، هذا الأخير يخضع للتطبيقات والبرامج ويتأثر بها.

في أنظمة التشغيل، عندما نريد تغيير نظام معين لتجاوز الأعطاب أو من أجل تطوير النظام، نلجأ إلى طريقتين، الديپاناج أو الفورماتاج، الطريقة الأولى تقوم بإصلاح النظام فقط والطريقة الثانية تقوم بتغيير النظام بأكمله. نفس الشيء ينطبق على الأنظمة السياسية، فإما تتطور وتتحول مثلا الملكية التنفيذية إلى برلمانية فيما يشبه تحديثا سريعا أو تتحول الملكية إلى جمهورية فيما يشبه فرمطة جذرية ومن تم الإنتقال من نظام إلى نظام مغاير. هذا التغيير لا يتم بسرعة ولا بسهولة، فالتحديث أو الفرمطة يحتاجان إلى درايرڤرات جديدة قادرة على ضمان تشغيل النظام الجديد وإلى تطبيقات جديدة تساير حداثته. وقبل أن يتم تنصيب النظام الجديد، لا بد أن نتأكد من توافق النظام مع بيئة الحاسوب، فلا يمكن مثلا تنصيب نظام تشغيل كبير وفعال جدا في حاسوب ذي خاصيات صغيرة ومتواضعة، كما أنه لا يمكن تنصيب نظام سياسي معين في شعب ما بمجرد أنه نجح في مجتمع مغاير، ومن هنا يجب الإنتباه إلى خصوصية كل مجتمع وقابليته لتقبل النظام السياسي المراد تنصيبه.

في ربيع الشعوب، حاولت الشعوب أن تغير أنظمتها البالية أو على الأقل تحديثها لمواكبة العصر واللحاق بالدول الأخرى، فمنها من حاولت فرمطة النظام ومنها من حاولت تحديثه وتحسينه فقط، ففي تونس مثلا، حاول سكان قرطاج تغيير النظام الذي تعششت فيه كل ڤيروسات الفساد بعد تزاوج السلطة والمال إلى نظام أكثر نقاء وقد تمكنوا من تحقيق جزء من طموحاتهم ولكن بعض التطبيقات القديمة مازالت تشتغل نظرا ربما لغياب درايرڤرات جديدة او لنقل نظام جديد بديل بقيادات رغم أن بيئة التوانسة تعد الأكثر استيعابا للتغيير. كذلك كان الأمر في مصر، حيث تم استبدال نظام بنظام آخر، لكن التشغيل بعد محاولة التنصيب شابته عدة مشاكل ربما لقدم الحاسوب المصري الذي ألف النظام القديم والذي رجع في صيغة أكثر قتامة بعد ان دمر تطبيقات مهمة كانت في طور التنصيب. أظن أن الحاسوب المصري قد ضاع منه القرص الصلب وفقد الذاكرة الحية. أما الحاسوب الليبي، فكان يشتغل بنظام قديم جدا، حيث القائد العظيم والأعظم، فحاول الليبيون فرمطته رغم أنهم لا يتوفرون على نظام بديل ولا على تطبيقات بديلة للسير العادي للحاسوب ولتشغيل وتسيير الملفات. تمت فرمطة النظام بنجاح، وبقي الحاسوب بلا نظام تشغيل فتعاركت الفصائل ليتم تنصيب نظامين مختلفين في نفس الحاسوب عن طريق تقسيم القرص الصلب إلى قسمين أو أكثر. وفيما يخص الحاسوب السوري، فقد حاول السوريون أيضا فرمطة النظام البعثي الذي كان يشتغل به السوريون قصرا منذ عقود، ولما حاولوا التخلص منه لتنصيب نظام بديل، ظهرت مجموعة من الأنظمة الجديدة الدخيلة كل منها يحاول تنصيب نفسه خليفة للنظام الأول ففشلت الفرمطة وأصبح الحاسوب مشللا وضاعت ملفات كثيرة وتم إتلاف تطبيقات كثيرة وفقد الحاسوب مساحات في قرصة الصلب وفي ذاكرته الحية.

وأخيرا، في المغرب حاول الشباب تحديث النظام وتحويله إلى نظام برلماني، كانت الدرايرڤرات قليلة لهذا التحديث، لكن النظام القديم استنجد ببعض التطبيقات لتنصيب “التيمة” ليظن المواطن المغربي بأن النظام تغير بينما تغيرت الواجهة فقط وسطح المكتب لكن جوهر النظام ظل على حاله إلى إشعار آخر.

أخبرني صديق بأن المغرب مجرد آلة حاسبة ولا يمكن أن نطبق عليها ما ذكرناه فيما يخص الحواسيب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.