الأمن الأسري في المغرب

مارية الشرقاوي*

تعتبر الأسرة الخلية الأولى في المجتمع ، وركنه الأساسي، بل نواته والمنتج لكيانه الروحي و المادي، وهي المكان الطبيعي لتربية طفل سيقول كلمته غدا، فإما أن يكون مواجها للمشاكل التي تعترض المجتمع أو يكون أحد أسبابها.وهي تقوم بأدوار تنشئوية أساسية، تتمثل في نقل وترسيخ قيم المجتمع، فداخلها يتشبع الفرد بالقيم ، وتتبلور شخصيته، وترسم معالمها ، حيث نجد بعض الباحثين التربويين قد لخصواآثارالأسرة على الناشئة فقالوا :

الطفل الذي يعيش في أجواء الأمن يتعلم الثقة بالنفس.
الطفل الذي يعيش في أجواء العداء يتعلم المشاجرة و الخصومة.
الطفل الذي يعيش في أجواء التقبل يتعلم محبة الخلق.
الطفل الذي يعيش في أجواء الخوف يتعلم توقع الأذى و الضرر.
الطفل الذي يعيش في أجواء التفهم يتعلم تطوير الأهداف.

الطفل الذي يعيش في أجواء اللطف يتعلم رؤية خير الحياة و جمالها.
الطفل الذي يعيش في أجواء العصبية يتعلم التكبر على الناس.
.الطفل الذي يعيش في أجواء الفوضى يتعلم الارتجال.
اذن للأسرةأثر كبير على الفرد و بالتالي على المجتمع ، لذا ارتأيتأن يكون موضوع مقالي حول الأمنالأسري في المغرب ، باعتبارالأمنحق من حقوق الأسرة وضرورة للحصول على مناخ أسري يسوده الاستقرار و الاطمئنان وبالتالي صالح لتكوين النشءالطبيعي المساهم في البناء لا الهدم.

والأمن لغة مشتق من آمن يأمن أمنا فهو آمن ، وأمن بمعنى اطمأن ولم يخف فهو آمنٌ ويعني كذلك الاستقرار و الاطمئنان . فالأمن طمأنينة قلبية تسلم إلى السكون النفسي والرخاء القلبي .

وقد عرف علماء الاجتماع الأمن بأنه الحالة التي يكون فيها الإنسان محمياً ضدأي خطر يتهدده ، كما أنه إحساس يمتلك الإنسان من خلال التحرر من الخوف سواء بسبب غياب الأخطار التي تهدد وجوده ، أو نتيجة لامتلاكه الوسائل الكفيلة بمواجهة تلك الأخطار في حال ظهورها .وقد قال سبحانه وتعالى في سورة قريش  (( فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف )) صدق الله العظيم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : (( من أصبحآمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيدت له الدنيا بما فيها )) . و هكذا فنعمة الأمن هي من أعظم النعم التي يكتسبها الإنسان فيكون آمناً على نفسه وعلى ماله وولده وعرضه بل وعلى كل ما يحيط به من استقرار اقتصادي، سياسي و اجتماعي .

و الإحاطة بموضوع ” الأمنالأسري في المغرب” يقتضي طرح سؤال من قبيل:

*ماهي المجهوداتالمبذولة من طرف الدولة لتحقيق الأمن الأسري؟

للإجابة عن هدا السؤالسأحاول وضع مقاربة للأمنالأسري في المغرب من خلال  المجالاتالآتية :

1-المجال القانوني

2-المجال المؤسساتي

3- المجال الاجتماعي

المجال القانوني

لا يمكننا الحديث عن تحقيق أمن أسري سريأدونتشريع قوانين تحمي أفراد الأسرة سواء الزوجة أو الزوج

أو الأطفال مما قد يتعرضون له من عنف أو إساءة لمصالحهم و لكيانهم كأشخاص لهم حقوق يجب تمتعهم بها ، والمشرع المغربي استحضر هدا المعطى من خلال دستور 2011 و مدونة الأسرة .

*الدستور

دستور2011 استحضر من خلاله المشرع المغربي الدور المحوري والمهم الذي تلعبه الأسرة في بناء المجتمع  ، فنص في الفصل 32 على تأسيس مجلس استشاري للأسرة والطفولة الذي سيتولى حسب الفصل 169 من الدستور تأمين وتتبع وضعية الأسرة والطفولة ، بحيث ستكون من اهم أدواره إبداء الرأي حول المخططات الوطنية المتعلقة بالأسرة وادارة النقاش العمومي حول السياسة العمومية الخاصة بها، وضمان تتبع وإنجاز البرامج الوطنية المقدمة من قبل مختلف مكونات المجتمع المغربي.

*مدونةالأسرة

مدونة الأسرة قانون تدارك من خلاله المشرع المغربي الثغرات والعيوب التي كانت تشوب قانون الأحوال الشخصية ، معتمدا إصلاحات جوهرية ترمي إلى صيانة كرامة الرجل،الدفاع عن المرأة،حماية حقوق الطفل وجعل المسؤولية عن الأسرة مسؤولية مشتركة بين الزوج و الزوجة على قدم المساواة وليست حكرا على الرجل فقط.كما نص بصريح النص على الاجتهاد من أجل تحقيق المساواة والعدل والمعاشرة بالمعروف بين مكونات الأسرة، خاصة بين الزوجين، انطلاقا من المبادئ السمحة للدين الإسلامي، مستندا على المذهب المالكي. حيث نصت المادة 400 من المدونة ما يلي: ” كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف “.

وحفاظاعلى كيان الاسرة من التشتت والضياع ودرءا لتداعيات هذين الاخيرين على المجتمع وما يجران عليه من ويلات عمل المشرع المغربي على احياء المؤسسات التحكيمية من خلال المادة 82 من مدونة الاسرة التي نصت على ما يلي ” للمحكمة ان تقوم بكل الاجراءات بما فيها انتداب حكمين او مجلس العائلة أو من تراه مؤهلا لإصلاحذات البين ، وفي حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوما ” .

وكدلك بغية تحقيق العدل و الإنصاف داخل الأسرة نصتالمدونة في بعض موادها على عقوبات زجرية في العديد من الحالات نذكر منها:

* تدليس الزوج للحصول على بعض الوثائق من اجل الحصول على الادن بالزواج فنصت المدونة في المادة 65 على الحالات التي يجب فيها الحصول على الاذن بالزواج من قاضي الاسرة وهي :

-تعدد الزوجات

-الزواج دون سن الاهلية

-زواج معتنقي السلام و الاجانب

-زواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية

– استلام العسكريون و افراد الدرك الملكي و القوات المساعدةوموظفو الادارة العامة للأمن الوطني ترخيصا للزواج من لدن المصالح المختصة تفعيلا لقرار وزير العدل الصادر بتاريخ 3 فبراير 2006.

* التعدد المشوب بالتدليس

*التوقف عن أداء النفقة للأولاد

المجال المؤسساتي

فيما يهم المجال المؤسساتي نجد المغرب قد أسس مجموعة من المؤسسات الحكومية و المؤسسات الرسمية التابعة لها تعنى بالأسرة وهي كالتالي :

*وزارة التنمية الاجتماعية و الاسرة والتضامن : فهي تهتم بالمجال الاجتماعي بما فيها محاربة الفقر مع البحث عن الوسائل الكفيلة لتحقيق دلك ، ودلكبالتنسيق بين باقي الوزارات لحماية الاسرة و الاطفال .

*وزارة الصحة : من ضمن مهامها الاهتمام بصحة الاطفال ودلك عن طريق وضع برامج وقائية وعلاجية لصحة الامو الطفل والتلقيح الاجباري والتغطية الصحية الاجبارية .

*وزارة التربية الوطنية و التعليم العالي و تكوين الاطر و البحث العلمي : ويتجلى دورهم في تامين التعليم الاساسي للأطفالومجانيته .

*وزارة الشباب و الرياضة : من بين مهامها تشجيع الاطفال والشباب على ممارسة الانشطة الرياضية   وتنظيم المخيمات الصيفية وكدلك رعاية الاطفال في وضعية مخالفة للقانون عبر مراكز حماية الطفولة .

*وزارة الداخلية : تتعاون مع القضاء لتثبيت هوية الاطفال وذلك من خلال نظام الحالة المدنية ، كما تعمل من خلال الأمن الوطني على ضمان أمن الأطفال من خلال شرطة الأحداث .

*االمجلس الاستشاري لحقوق الانسان : وهو مؤسسة وطنية تأسست سنة 1990 تعمل على تتبع حقوق الانسان بالمغرب وفقا للاتفاقيات الدولية .

*مؤسسة محمد الخامس للتضامن: هدفها محاربة الفقر عن طريق دعم تمدرس الفتيات القرويات و تأهيل الأطفال المعاقين لإعادة ادماجهم في المجتمع .

*مؤسسات حماية الطفولة: وهي مؤسسات تتكلف بالإشراف على رعاية الأحداث الموجودين فيوضعية مخالفة للقانونتقدم لهم مجموعة من الخدمات الاجتماعية و التربوية و الصحية الكفيلة بتأمين إصلاح الطفل و تقويم سلوكه و اندماجه في المجتمع، عن طريق ضمان تكوين دراسي و مهني للطفل كما تعمل على ترسيخ الروابط بين الحدث ووسطه العائلي

المجال الاجتماعي

من أجل توفير أمن أسري للأسر المغربية التي تعاني من الفقر والهشاشة عملت الدولة على خلق العديد من الصناديق و الوكالات والبرامج بغية تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال تمكين الاسر المحتاجة والقاطنة في المناطق النائية من حياة كريمة ،ودلك بتقديم مساعدات في العديد من المجالات كالمجال الصحي والغذائي و التعليمي ونذكر منها :

*برنامج تيسير وهو برنامج يعمل على الدعم المشروط بتمدرس أطفال الأسر القاطنة بالمناطق التي تسجل معدلا مرتفعا في نسبة الهدر المدرسي

*صندوق دعم الأرامل خصص للأرملة 1000 درهم كتعويض شهري

*صندوق التكافل العائلي  خصص مبلغ 350 درهم للطفل الواحد على أن لا يتجاوز المبلغ الإجمالي للأسرة الواحدة 1050 درهم

*نظام المساعدة الطبية”الرميد” وهو برنامج يهدف الى تحسين الولوج للعلاج تفعيلا لمقتضيات دستور 2011 موجه للفئة الاجتماعية المحدودة الدخل .

*المبادرة الوطنية للتنمية البشريةورش ملكي اعطى انطلاقته صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي بتاريخ 18 مايو 2005 هدفه التقليص من الفوارق الاجتماعية والجغرافية و القضاء على الفقر والهشاشة للقضاء على كل اقصاء اجتماعي و اقتصادي .

*وكالة تنمية أقاليم الشمال والشرق والجنوب تبقى من أهم مهامهاتصحيح الاختلال في مجال التنمية وفي معدلات النمو .

*الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية مهمتها توفير التعليم لكل المواطنين و المواطنات الدين لم تسعفهم الظروف على التعليم ودلك عن طريق عقد شراكات مع فعاليات المجتمع المدني كالجمعيات و غيرها .

*المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئيوسيشتغل في شقه الاجتماعي على السياسات الاجتماعية  المتعلقة بالعناية بالأشخاص المسنين والمساواة بين الرجل والمرأة في المجال الاقتصادي، ومهام المدرسة الثقافية وتحدياتها التكنولوجية.

من خلال هدا السرد لأهم  المجهودات المبذولة من طرف الدولة لتحقيق أمن أسري للجميع يبقى سؤال كبير يطرح نفسه بحدة وهو :

*هل استطاع المغرب باعتباره دولة ترنو إلى تكريس الحقوق و الحريات أن يحقق أمنا أسريا لجميع الأسر المغربية ؟

للجواب على هدا السؤال حري بنا أن نسلط الضوء على مؤشرين مهمين باعتبارهما المعيار الكاشف لحقيقة الوضع الاجتماعي و الأسريداخل أي بلد وهما الفقر و التعليم ، فحسب الأرقام التي أوردها التقرير الأخير للبنك الدولي حول أسباب الفقر وكيفية محاربته ، الذي يعتبر خلاصة لدراسة دولية دامت 10 سنوات وشملت 16 دولة من ضمنها المغرب ، وغطت 10 سنوات من التغير الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي في هده الدول ، أن 13 مليون مغربي يعيشون على عتبة الفقر ، ويصارعون من اجل البقاء ، وأن خمسة ملايين نسمة بالمغرب يعانون الفقر بشتى أنواعه ، ويشكلون 15 في المائة من الساكنة ، فيما يعيش 25 في المائة على عتبة الفقر أو تحت خط الفقر ، أي ما يقارب 8 ملايين مغربي ، أما فيما يهم مجال التعليم فقد صدرتقريرعن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونيسكو لسنة 2014 صنف المغرب ضمن 21 أسوأ دولة في مجال التعليم الى جانب موريتانيا وباكستان وعدد من الدول الافريقية الفقيرة، بالاضافة الى الخطاب الملكي الدي ألقاه صاحب الجلالة بتاريخ 20 غشت 2013وأشارمن خلاله الى الوضع المخجل لقطاع التعليم بالمغرب  حيث جاء فيه ” ……أن ما يحز في النفس أن الوضع الحالي للتعليم أصبح أكثر سوءا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أزيد من عشرين سنة…..”

 

*هل استطاع المغرب باعتباره دولة ترنو إلى تكريس الحقوق و الحريات أن يحقق أمنا أسريا لجميع الأسر المغربية ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.