الأمازيغية والصهيونية

       على الرغم من التقدم الذي أحرزته بلادنا ” نظريا على الأقل” في ما يتعلق بملف الهوية المغربية بعد قرار ترسيم الأمازيغية في دستور2011، مازال عدد من أعداء الهوية التاريخية للمغاربة يحاولون إقناع الرأي العام بأن الحركة الأمازيغية تتقاطع في أدبياتها ومطالبها مع الصهيونية. ويستند هؤلاء إلى قراءة فيها كثير من المغالطة والخداع وقلب الحقائق، خصوصا في ما يتعلق بحضور الأرض والعرق في الخطابات الأمازيغية التي يتم تأويلها بشكل ” يصهين ” الحركة الأمازيغية.
    من المعروف أن الصهيونية حركة سياسية يهودية تشكلت خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وهدفها الرئيسي هو إقامة وطن قومي للشعب اليهودي. وذلك هو المبدأ الذي نصت عليه مقررات مؤتمر ” بازل ” الذي أشرف عليه ” تيودور هرتزل ” بسويسرا سنة 1897، لذلك طالب أقطاب الصهيونية من بعض الدول تقديم المساعدة لتحقيق هذا الحلم اليهودي، فكانت ” أوغندا ” الخيار الأول الذي طرح بمبادرة بريطانية… لكن الخلافات داخل الحركة الوليدة انتهت إلى تغيير الوجهة حينما تم اختيار ” فلسطين ” بوصفها ” أرض الميعاد ” لتشكل موطنا لليهود. ونجحت الصهيونية بعد ذلك في تحويل هذا الحلم إلى حقيقة، وذلك بعد ” وعد بلفور ” سنة 1917، وتأسيس دولة إسرائيل سنة 1948. وقبل هذا وذاك وبعدهما أيضا، عملت هذه الحركة على تشجيع اليهود في كل مناطق العالم للهجرة إلى الأرض الموعودة.
    الذين يربطون بين الصهيونية والأمازيغية يفعلون ذلك من منطلق أن الحركتين تتحدثان عن الولاء للأرض، لكن هذا الربط ينطوي على مغالطة حقيقية. فالأمازيغية في شمال إفريقيا تفرض نفسها كواقع يستند إلى حقائق التاريخ والجغرافيا. وهذا هو الأساس الذي يدعم الحديث عن بلاد ” تامزغا “. والحال أن الأرض تعتبر المحدد الرئيسي للهوية والإنتماء. ومن أجلها قامت كل الحروب عبر التاريخ. فما العيب في الدفاع عن الإنتماء للأرض؟. و لماذا يصر عرب الجزيرة  مثلا على رفض الإسم الإيراني للخليج ( الفارسي ) ويتحدثون عن خليج ( عربي)؟. أليس ذلك بداعي الدفاع عن الأرض؟… لذلك لا يمكن أن تكون الأمازيغية استثناء في هذا الإطار. غير أن أصالة الخطاب الذي يهيمن على الحركة الأمازيغية في مستواها النضالي يتجلى في الحديث عن الأرض الأمازيغية، وليس عن العرق الأمازيغي، وهذا الفصل بين الأمرين يثبت أن الأمازيغية ليست حركة صفاء عرقي. بل إنها لا تؤمن بإقصاء أو نفي “الآخر العرقي “. لذلك فكل سكان شمال إفريقيا هم أمازيغ استنادا إلى الأرض.

    واضح إذن أن الإنسان هو مركز اهتمام الحركة الأمازيغية بغض النظر عن لغته أو عرقه أو دينه… وعندما نتحدث عن الهوية الأمازيغية للمغاربة، فلا يدل ذلك على أية حمولة عنصرية أو موقف استئصالي بتصنيف عرقي. فالمغرب الأمازيغي استنادا إلى حقائق الجغرافيا والتاريخ كان دائما مجالا للتعدد والتنوع والتعايش، وسيبقى كذلك حتما. أما حضور الأرض في الأدبيات الصهيونية فقد كان بدافع ديني محض، تم استغلاله من أجل إقناع أكبر عدد ممكن من اليهود بالهجرة إلى ” أرض الميعاد “. والتوظيف الديني للأرض كان له دور فعال في تحقيق الحلم اليهودي في ” إسرائيل” بدل ” أوغندا ” أو غيرها… هكذا إذن كانت الأرض في المشروع الصهيوني مجرد وسيلة لتحقيق الهدف الحقيقي الذي يتجلى في تأسيس دولة يهودية خالصة. وهذا يعني أن الصهيونية تأسست على فكرة العرق، وهنا أيضا كان للدين حضور وازن أضفى على الفكرة مشروعيتها الروحية بإذكاء نعرة ” شعب الله المختار ” التي لا تخلو من حمولة عنصرية تضع العرق اليهودي في مقام لا ترقى إليه باقي الأعراق… و النقاش الذي بدأ يطفو على السطح في السنوات الأخيرة في الداخل الإسرائيلي يؤكد ذلك، خصوصا وأن دعوات كثيرة ترتفع لتطالب بترحيل جماعي للعرب المقيمين في أراضي 1948… و ذلك تماما هو ما تأسست عليه الصهيونية التي تتحدث عن نقاء العرق اليهودي. و هي بذلك حركة عنصرية بامتياز، عارضها عدد كبير من المفكرين اليهود (أنفسهم ) الذين رفضوا إقامة تجمع خاص باليهود، وقد كان ” ألبرت إنشتاين ” واحدا من هؤلاء…
إن المحاولات التي تهدف إلى ” صهينة ” الحركة الأمازيغية من طرف بعض الحالمين بالقومية العربية، تعبر عن إفلاس الخطاب العروبي الذي اعتاد أن يعزف سمفونية ” المؤامرة ” المشروخة في كل وقت وحين لمداراة هزائمه. وواضح أن الأصوات التي ارتفعت مؤخرا بخصوص تجريم التطبيع إنما تحاول استهداف الأمازيغية والإساءة إليها. ذلك أن هؤلاء يستغلون بعض المواقف التي يعبر عنها نشطاء أمازيغيون ( يمثلون وجهة نظر ما داخل الحركة الأمازيغية) بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليهاجموا الأمازيغية ويضعوها في قفص الإتهام، بالرغم من أن الجميع يعرف أن التطبيع مع إسرائيل بدأته دول عربية معنية أكثر من غيرها بالصراع في المنطقة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.