الأمازيغية والأرض

انخرط المغاربة، منذ المقدمات الأولى لتشكل المغرب المعاصر 1، في صراعات ضارية وكثيفة من أجل الأرض، كرد فعل مباشر، على عمليات النهب التي تعرضوا لها من طرف الاستعمارين الإسباني والفرنسي وعملائهما الداخليين إبان فترة الاستعمار، ومن تم مواصلة النهب من طرف الكتلة الطبقية السائدة عقب الاستقلال الشكلي 2.

فرغم أن دفاع المغاربة عن الأرض، لم ينطلق مع دخول الاحتلالين الفرنسي والإسباني رسميا سنة 1912، بل سبق ذلك بقرون 3، إلا أن هذه المواجهة التي خيضت في إبان تشكل المغرب المعاصر، هي التي احتكمت لها البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية في تحولاتها التي أفضت بشكل مباشر إلى حالتها الراهنة.

فنتيجة لهذا النهب المعاصر للأرض، تولدت التشكيلة الاجتماعية للمغرب المعاصر بنقيضيه؛ الكتلة الطبقية السائدة المكونة من ملاكي الأراضي الكبار والبرجوازية الوكيلة 4؛ مقابل الملايين من الفلاحين الصغار والمعدمين ذوي الملكيات الصغيرة جدا والبورية في الغالب الساحق من الحالات، والعمال الزراعيين، والعمال الصناعيين والمياومين في مجال البناء وغيره والباعة المتجولين والكادحين عموما، من سكان الهوامش _دور الصفيح والأحياء العشوائية- في المدن الكبرى، والمدن الصغرى ذات الطابع القروي، والبوادي والقرى 5.

وبالقدر الذي عملت به الكتلة الطبقية السائدة على نهب الأراضي من ذويها، عملت كذلك وبنفس الحدة أو أكثر، على تجريد ذوي الأرض الحقيقيين من ثقافتهم الأصلية/الأمازيغية 6، لكونها هي عنصر التعريف الهوياتي الأساسي، الذي من شأنه الانتصاب كحجة في وجه مغتصبي الأرض.

فنظام الكتلة الطبقية السائدة (المخزن)، وعى، من خلال منظريه وبدعم من الإمبريالية، بمركزية الثقافة الأصلية/الأمازيغية 7 في تحريك نضال الطبقات الشعبية 8 من أجل استرجاع الأرض، لذلك استبق في مرحلة أولى إلى طمس الثقافة الأمازيغية، وفي مرحلة ثانية نحو تجريدها من ارتباطها بالأرض بعدما اعترف بها قسرا 9.

إذ أن الخلاصة التي اهتدى إليها (المخزن) والتخوف الأكبر الذي يتملكه تجاه الأمازيغية، يتركز في أن: تنامي وعي الطبقات الشعبية بثقافتهم الأصلية/الأمازيغية، المتصلة في مجمل عناصرها بالأرض الأمازيغية، سيؤدي بالضرورة إلى تنامي ارتباطهم بهذه الأرض، وأن تنامي هذا الارتباط بالأرض يؤدي حتما إلى تقوية وتكثيف النضال من أجلها 10.

فإذا كانت العلاقة بين الأرض والبنية الثقافية المتصلة بها عموما، هي أن الثانية متغير تابع للأولى 11، فإن البنية الثقافية المغربية لا يمكن أن تكون في مجملها –وليس في كليتها 12- إلا تابعة للأرض التي نبتت فيها ولطبيعة العلاقة التي ربطت السكان الأمازيغ، باعتبارهم حوامل ثقافة، بهذه الأرض التي عمروها منذ أزيد من أربعة آلاف سنة 13.

لذلك فإن وعي المغاربة بثقافتهم الأصلية/الأمازيغية، هو مدخل قوي وأرضية مهمة، تمكنهم حتما من استيعاب واستبطان كونهم ذوي حقوق على هذه الأرض، ومن تم النضال من أجل استرجاعها والاستفادة من ثرواتها المنهوبة والمغتصبة.

إن قضية الثقافة الأمازيغية وفق ما تقدم، رغم أهميتها القصوى كوحدة أساسية ومركزية ضمن البنية الثقافية المغربية، وكحق مقدس لذويها ومن مقومات تقرير المصير، مما يقتضي النضال المستمر من أجل إبرازها وتسييدها وتنمية نزوع التحرر الغالب عليها؛ فإنها تبقى رغم كل ذلك ذات وظيفة عبورية -أي معبر- للحق الثابت والأصلي والأساسي المتمثل في الأرض، والذي بدونه لما كان هناك أصلا وجود للثقافة الأصلية/الأمازيغية للمغاربة.

لذلك فإن الأرض الأمازيغية هي القضية المحورية للأمازيغية، والثقافة الأصلية/الأمازيغية هي حجة انتماء المغاربة لهذه الأرض وتملكهم إياها، وهي معبرهم وإطارهم الحسي والمعرفي الذي من شأنه تقوية إرادة النضال من أجل أرضهم وثرواتها.

وفي هذا الإطار يبرز أن الثنائية النظرية والنضالية التي تخترق الحركة الأمازيغية 14، بين: الأمازيغية/الأرض كجوهر للنضال والأمازيغية/الثقافة كمظهر للنضال، هو تعبير عن تضاد طبقي بين اتجاهين، هما اتجاه الطبقة العاملة وعموم الكادحين واتجاه الفئات الوسطى من البرجوازية الصغيرة.

فالطبقة العاملة وعموم الكادحين 15، هم ذوي المصلحة المباشرة في النضال من أجل الأرض واسترجاعها والاستفادة من ثرواتها، لكونهم هم المتضررين والضحايا المباشرين، وبعمق، من نهب الأراضي 16.

أما الفئات الوسطى من البرجوازية الصغيرة 17، فهي ليست لها استعدادات مباشرة للنضال على أساس الأمازيغية الأرض، لكونها لا تحس ولا تعاني بشدة من الضرر المادي المباشر (الفقر) الذي خلفه نهب الأرض، وتحصر مجمل نضالاتها حول البعد الثقافي لا غير؛ وهو ما يفسره كذلك الانجذاب نحو العالم العربي الحاصل لجزء مهم جدا من اليسار المعبر عن أجزاء أخرى من الفئات الوسطى، إذ هو يتماهى بشدة مع التعريف الثقافي للأمازيغية رغم عدم انجذابه إلى النضال على قضاياها من حيث هي قضيا ذات أولوية 18.

أما موقع اتجاه الكتلة الطبقية السائدة في هذا التناقض، فهي تتدخل من أجل حفظ التوازن لفائدة اتجاه التعريف الثقافي للفئات الموسطى، مع العمل على حصرها في حدود ذلك؛ والحيلولة دون حدوث أي تمدد لاتجاه الأمازيغية الأرض أو تماه بين الفئات الوسطى والطبقة العاملة وعموم الكادحين بخصوص النضال من أجل الأمازيغية بثنائية تعريفها 19.

لاسيما وأن إمكانية الوحدة بين الطبقات الشعبية –الفئات الوسطى والعمال والكادحين- على أرضية الأمازيغية تمثل ضرورة للنضال في المستقبل المنظور، ما دامت الأمازيغية/الأرض أطروحة الطبقة العاملة وعموم الكادحين، شاملة للأمازيغية/الثقافة أطروحة البرجوازية الصغيرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- المغرب المعاصر، هو تعبير عن مغرب ما بعد 1912، تاريخ توقيع معاهدة الحماية، التي دشنت مرحلة جديدة من التشكل التاريخي للمغرب، ببنى اجتماعية ومؤسسية وثقافية واقتصادية جديدة، غير تلك التي أطرت مرحلة السيبة والمخزن، لما قبل الحماية.

2- محمد الموسوي؛ “دور الدولة في تشكل البرجوازية الفلاحية بالمغرب”؛ مجلة التحرر؛ العدد2؛ صيف-خريف 2014.

3- دافع المغاربة بشراسة عن الأرض وما عليها، منذ آلاف السنين، ضد الفنيقيين والقرطاجيين والاغريق والرومان وقبائل الجرمان والعرب والبرتغال: [مجلة زمان، “الملف: هوية المغرب القديم”، العدد 31، ماي 2016]؛ [عثمان الكعاك، البربر، دار النشر الملتقى، مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء، الطبعة الثانية، أبريل 2003].

4- عبد الله الحريف؛ “مقاربة حول تهيكل الكتلة الطبقية السائدة بالمغرب”؛ مجلة التحرر؛ العدد2؛ صيف-خريف 2014.

5- محمد العودي؛ “شرائح الفقر بالقطاع غير المهيكل والارهاصات الاجتماعية”؛ مجلة التحرر؛ العدد1؛ شتاء 2014.

6- التجريد من الثقافة الأمازيغية الأصلية للمغاربة، تم عن طريق استدعاء النظام السياسي لعناصر ثقافية أخرى كثيرة، وفي الغالب خارجية، لإحلالها محل العناصر الثقافية الأمازيغية الأصلية، وأبرزها التنكر للثقافة واللغة الأمازيغيتين لعقود ما بعد الاستقلال الشكلي، وتكثيف وإلزامية تدريس اللغة العربية بالإضافة إلى الفرنسية في كافة أسلاك التعليم على حساب الأمازيغية، واقتصار الإعلام الرسمي والمستقل والإدارة والقضاء وكافة مناحي الحياة الرسيمة على العربية، وتكثيف كامل ما تقدم بما أطلق عليه اسم المغربة الذي كرس لا أمازيغية الحياة الرسمية؛ كما عمل النظام السياسي على تشويه النضال على قضايا الأمازيغية باعتباره عملا تقسيميا يسعى إلى تقويض وحدة المغاربة، بدأ بتوظيفه الملتبس للظهير البربري وانتهاء بتشويهه لشرعية أهداف الحركة الأمازيغية؛ كما أن مسالة القضاء على البادية الأمازيغية المغربية، عبر إجبار السكان على الهجرة من على أراضيهم المسلوبة الواسعة (الهجرالقروية)، وحرمانهم من الاتصال اليومي بها وتجديد وتنمية ثقافتهم المتصلة ذاتها بالأرض، هو خطوة عميقة في مسار إجهاز المخزن على الأمازيغية، وتحويل المهجرين الى عمال وكادحي هوامش المدن بدون هوية.

7- الثقافة الأصلية الأمازيغية أو اختصارا الثقافة الأمازيغية أو الثقافة الأصلية، وفقا لتعريف البنية الثقافية المعتمد في هذه الدراسة والمومأ إليه بعده، ووفقا كذلك للخلاصات التي يقدمها مقال “الارض والبنية الثقافية: الثابت والمتحول” الذي سينشر لاحقا، نقصد بها وحدة الثقافة الأمازيغية ضمن مجموع الوحدات الثقافية الأخرى المشكلة للبنية الثقافية المغربية، لاعتبار هذه الوحدة الأمازيغية هي الأصلية والبارزة مقارنة مع الوحدات الأخرى.

8- الطبقات الشعبية، تسمية يطلقها حزب النهج الديمقراطي على الطبقات المعنية وذات المصلحة في التحرر الوطني والبناء الديمقراطي عبر فك التناقض الرئيسي.

9- ترسيم اللغة الامازيغية في إطار دستور 2011، بعدما تم التعبير عن تبني القضية شعبيا في إطار حركة 20 فبراير، وسماح الدولة قبل ذلك خلال التسعينيات بانفتاح النقاش العمومي حول الأمازيغية ضمن فضاءات عامة وفي الإعلام العمومي، أفضى إلى عدد من المخرجات خلال العقد الموالي، منها تضمين اللهجات الأمازيغية كمساعد لتدريس العربية ضمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتوسيع هامش السماح بتأسيس الجمعيات التي تعنى بالثقافة الأمازيغية، وتدريس الأمازيغية في جزأ من المدارس المغربية…

10- حالة النضال التحرري للطبقات الشعبية في بلدان منطقة أمريكا اللاتينية، تشكل نموذجا مهما لقياس هذه الفكرة.

11- البنية الثقافية لأي مجتمع كيف ما كان، هي نتاج لطبيعة العلاقة بينه وبين الأرض، إلى درجة أن مصطلح الثقافة اللاتيني الأصل (culture) وجد في الأصل للتعبير عن معنى الزراعة، باعتبارها عملية فكرية وسلوكية مندمجة ومتصلة مباشرة بالأرض، توليدا واستصلاحا وإنتاجا؛ وهو التعريف الذي تضمنته القواميس اللغوية  المنجزة من طرف الرومان إلى حدود القرن 17؛ أما معنى الثقافة كمحمول لذات الكلمة (culture) فلم يظهر إلا خلال القرن 17 لأول مرة، وإلى حدود اليوم لا تزال القواميس تعرف ذات الكلمة بأنها تعني أولا الزراعة وفي درجة ثانية الثقافة: [آدم كوبر، “الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي”، ترجمة تراجي فتحي، عالم المعرفة، مارس 2008].

12- هذا الاستثناء الذي أوردناه، محكوم بفكرة أن الثقافة وإن كانت متصلة بالنسبة لساكنة ما، بطبيعة علاقتها بالأرض، فإنها تتأثر علاوة على ذلك -بحكم قابليتها للتفاعل- مع متغيرات خارجية.

13- يوظف أنطونيوا غرامشي، في مستهل القسم الأول من دفاتر السجن [Antonio Gramsci Selctions from Prison Notebooks،LAWRENCE AND WISHART-LONDON-1978 ، ترجمة عادل غنيم،  دار المستقبل العربي، الحوار المتمدن، عدد 4666، 1/11/2016، www.ahewar.org]، عددا من المقدمات المعرفية التي تشكل عناصر أساسية في تصوره وتمثله للمثقف والثقافة؛ ويندرج ضمن أبرز هذه المقدمات مايلي:

جميع الناس مثقفون: “يمكننا أن نقول أن كل الناس مثقفون، … وإذا كان بإمكاننا الحديث عن المثقفين، فإنه لا يمكننا الحديث عن غير المثقفين لأنه لا وجود لهم”.

الثقافة نتاج فكري للجهد العضلي والعصبي بغرض الإنتاج:

“لا يوجد نشاط بشري خال من مساهمة شكل من أشكال النشاط الفكري، فلا يمكننا أن نفصل الإنسان الصانع Homo faber عن الإنسان كنوع homo sapiens”،

“إن قضية خلق فئة جديدة من المثقفين هي قضية التطوير النقدي للنشاط الفكري الذي يتمتع به كل الناس بدرجة أو بأخرى، وذلك بتغيير نسبته إلى النشاط العضلي-العصبي، لتحقيق توازن جديد بينهما ولضمان أن يصبح الجهد العضلي-العصبي ذاته … أساسا لرؤية جديدة ومتكاملة للعالم”،

“من التكتيك كعمل technique-as-work ينطلق الإنسان إلى التكنيك كعلم technique-as-science”،

“لقد ولد النمط الجديد من الخلايا الفكرية intellectual cels مع ميلاد الخلايا الاقتصادية الأولى التي تناظرها”،

“في حالة الولايات المتحدة،… كان هناك تطورا لمختلف أنواع الأبنية الفوقية الحديثة يستند إلى قاعدة الصناعة”،

هناك منابع أخرى للثقافة، غير المصدر المباشر لها – فعل الانسان من أجل الإنتاج -، وتتمثل هذه المنابع وفق غرامشي في إبان الفترة التاريخية التي شملها بالدراسة في: أولا، المدرسة وكثرة التخصصات في المعرفة، وهو أمر أدى في نظره الى تعقيد مركب الثقافة؛ ثانيا، تنقل الانسان من مجموعة الى أخرى ناقلا معه عناصر ثقافية:

“لابد إذن، أن يشكل التعليم الفني ـ في العالم الحديث ـ المرتبط بالعمل الصناعي حتى في مستواه البدائي غير المؤهل، لابد أن يشكل أساس خلق مثقف من نوع جديد”،

“المدرسة هي الأداة التي تستخدم لخلق وتطوير المثقفين على اختلاف مستوياتهم. ويمكن ـ موضوعيا ـ قياس مدى تعقد الوظيفة الثقافية في الدول المختلفة بعدد ومستويات المدارس المتخصصة. فكلما اتسعت “مساحة التعليم” وزاد عدد مستوياته “الرأسية”، كلما زاد تعقد عالم الثقافة والحضارة في الدول المعنية”،

“إن تجربة فرنسا الثقافية تختلف اختلافا كبيرا عن تجربة ايطاليا التي قامت على هجرة أشخاص متفرقين، ولم يكن لها انعكاس على القاعدة الوطنية، بل العكس ساهمت في الحلول دون بناء قاعدة وطنية، صلبة”،

“فالمهاجرون الانجلوسكسون أنفسهم، نخبة فكرية، بل وعلى الأخص، نخبة أخلاقية moral elite. إننا نتحدث بالطبع عن المهاجرين الأوائل، عن الرواد، أبطال المعارك السياسية والدينية في انجلترا الذين هزموا وإن لم يذلّوا أو يستسلموا في بلدهم الأصلي. لقد جلبوا معهم إلى أمريكا، بالإضافة إلى الطاقة المعنوية وقوة الإرادة، مستوى معينا من الحضارة، أي مرحلة معينة من التطور التاريخي الأوربي، ظلت تنمى القوى الكامنة في طبيعة أمريكا، في تربيتها البكر، عندما استزرعها هؤلاء الرجال”،

العناصر الثقافية الواردة من الخارج تساهم في تنمية القوى الكامنة في طبيعة الأرض التي ترد عليها، عندما يقوم هؤلاء الوافدون باستزراعها: “لقد جلبوا معهم إلى أمريكا، بالإضافة إلى الطاقة المعنوية وقوة الإرادة، مستوى معينا من الحضارة، أي مرحلة معينة من التطور التاريخي الأوربي، ظلت تنمى القوى الكامنة في طبيعة أمريكا، في تربيتها البكر، عندما استزرعها هؤلاء الرجال”.

الثقافات مرتبطة بجماعات بشرية بعينها: فأنطونيو غرامشي يفصح عن تمايزات قوية بين ثقافات ومثقفي البلدان التي شملها بالدراسة وأخضعها للمقرانة مقابل إيطاليا، وأورد بالأساس تمايزات فرنسا وأمريكا وروسيا وغيرها،

الثقافة هي بنية فوقية من الأفكار والأحاسيس: فغرامشي يشير الى ان الثقافة هي كل ما يلي الجهد العضلي من نشاط عصبي، الى الخلايا الفكرية لأولى، ومن ثم الفكر والمعرفة، فالرؤى الجديدة للعالم،

الثقافة سلوك ولغة: يربط غرامشي إنتاج وتجديد الثقافة والمثقف بثنائية الفكر والبراكسيس، اللذين يرتبط فيهما الأول باللغة، والثاني بالسلوك.

ووفقا لما تقدم من عناصر تعريفية للثقافة، يمكن حصر مفهوم هذه الأخيرة – أي الثقافة أو البنية الثقافية – بكونها: بنية من الأفكار والأحاسيس، المعبر عنها سلوكيا ولسانيا، والملازمة في المقام الأول والأساسي لفعل الانسان في الطبيعة (الزراعة) وملحقاتها (الصناعة) بغرض انتاج ضمانات العيش، وبفعل عوامل أخرى خارجية وغير طبيعية بما للكلمة من معنى؛ كما تتعرف الثقافات علاوة على كامل ما تقدم بكونها متصلة بتجمعات بشرية بعينها، لذلك فالثقافات تتعدد وتتنوع بتعدد وتنوع هذه التجمعات.

14- يقصد بالحركة الأمازيغية في هذه الدراسة، جميع الديناميات والتنظيمات والفعاليات غير الدولتية، التي تطرح تصورات للنضال حول الأمازيغية.

15- في هذا الإطار تجدر الإشارة، بغرض التصحيح، إلى أن النضال من اجل الأرض، لا يقتصر على الفلاحين الصغار والعمال الزراعيين في القرى والبوادي، بل هو نضال يعني العمال والكادحين أساسا وأكثر من الفلاحين الصغار، لكونهم هم الأكثر تضررا من نزع الأراضي الذي آل بهم إلى أن يصبحوا فقراء المدن.

16- اتجاه الطبقة العاملة وعموم الكادحين، هو الاتجاه الذي تعبر عنه مجموعات  النضال الدائر حول الارض والثروة والتوزيع العادل لها برموز الهوية الثقافية الأمازيغية في الكثير من مناطق المغرب ودينامياته النضالية المعاصرة، وبوتيرة أقل لامس هذا الاتجاه كذلك جزء من الحركة الماركسية خاصة حزب النهج الديمقراطي وجزء من الحركة التروتسكية _ وإلى الأمام سابقا_  من خلال نخبه وأدبياته، التي واكبت نشوء النضال حول الثقافة الأمازيغية، إبان السبعينيات من القرن المنصرم.

17- الفئات الوسطى المعنية في هذا الإطار هي التي تعبر عنها أساسا فئات من الأساتذة والموظفين والطلبة والنخب الجامعية والتعليمية التي بادرت إلى تأسيس حلقات تنظيمية وفكرية تعنى بقضايا الأمازيغية منذ السبعينيات من القرن المنصرم، والتي كانت بمثابة النواة الأولى لجزء مهم من الحركة الأمازيغية المعاصرة بالمغرب، والممثلة من خلال الجمعيات التي تنشط على واجهة الثقافة الأمازيغية والحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعات، وغيرها من التشبيكات التنظيمية والفعاليات والنخب الثقافية الأمازيغية الأخرى ذات الطابع المدني، وهم الغالبية في الاتجاه المناضل ضمن الحركة الأمازيغية، على أرضية التعريف الثقافي؛ وتوجههم الفكري هذا توج بالعديد من المكتسبات، التي تكثفت حاضرا في تبني القضية شعبيا وذلك بجعل ترسيم اللغة والثقافة الأمازيغيتين إحدى أبرز مطالب الشعب المغربي ضمن حركة 20 فبراير، ونضال هذه الأخيرة هو الذي أفضى إلى دسترتها وترسيمها سنة 2011، بعدما كانت محصورة في حدود الحركة الأمازيغية.

واستعمال تسمية الفآت الوسطى في هذا الإطار يأتي بغرض استثناء الفلاحين الصغار، الكادحين، الذين يميلون إلى التعريف المادي –على أساس الأرض- للأمازيغية، وليس التعريف الثقافي.

18- العديد من اليسار ضمن الفئات الوسطى، استأنس بالوضع الحالي للأمازيغية في حدودها الثقافية، ولا يعمل على الانتقال بها، لتحتل موقعها المركزي ضمن النضال التحرري على أساس التعريف المادي للأمازيغية الذي تجسده الأمازيغية/الأرض؛ وهذا الاستئناس جاء بفعل تماهي هذا الجزأ من اليسار ضمن الفئات الوسطى مع:

– دعاية الكتلة الطبقية السائدة للتقليل من شأن الأمازيغية وتشويه شرعيات نضالها، وتصريفها كعنصر تقسيم، وتسويقها كوحدة ثقافية صرفة وأقل شأنا من الوحدات الثقافية الأخرى، خاصة العربية و(الإسلام).

– تأثرها بخطاب العروبة، التي تعني في هذه الدراسة، كل دلالات التبعية والانجذاب للعالم العربي، وهو تأثر يتكرس من شدة التعرض للإعلام والتلفزيون العربي، والخطاب العربي، ومتابعة أحداث العالم العربي؛ كما يتكرس هذا التأثر أيضا من خلال وجود فاعلين سياسيين إسلاميين –وهم الغالبية- تابعين للمشرق والعالم العربي، يظهر وكأن هذه التبعية للعالم العربي هي أمر طبيعي.

19- الكتلة الطبقية السائدة فطنت إبان التسعينيات من القرن المنصرم، لرحابة أفق القضية الأمازيغية، وعناصر التقدم والنمو التي استدمجتها، فحاولت تبنيها تدريجيا، وحصر أطروحاتها في قضايا اللغة والثقافة، وهو الاتجاه الذي تم تكثيف تعبيراته في سماح الدولة خلال التسعينيات بانفتاح النقاش العمومي حول الأمازيغية ضمن فضاءات عامة وفي الإعلام العمومي، وتضمين اللهجات الأمازيغية كمساعد لتدريس العربية ضمن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتوسيع هامش السماح بتأسيس الجمعيات التي تعنى بالثقافة الأمازيغية، وتدريس الأمازيغية في جزأ من المدارس المغربية.

كما يجب التذكير هنا بتوظيف الكتلة الطبقية السائدة للأمازيغية خلال فترة الاستقلال الشكلي، بتأسيس حزب الحركة الشعبية بزعامة المحجوبي أحرضان، الذي حاول ادعاء تمثيليته للمناطق الأمازيغية، في حين لم يكن ممثلا إلا لإقطاعيين وأعيان أمازيغ، بغرض حصر امتدادات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في البادية المغربية.

 

مختاري مراد – سناء مطعيش

التنسيق النقابي للصحة بطنجة يحذر من اوضاع القطاع ويتوعد باشكال احتجاجية تصعيدية

أمانديس تنظم أول “هاكاثون” تحت شعار “الابتكار في خدمة الحفاظ على الموارد” بطنجة