“الأمازيغوفوبيا”، أو عودة الخوف من الأمازيغية

يمكن أن تتحدث ويتحدثون ما شئتم عن الألسن والثقافات والهويات، وعن الدول والمجتمعات والأفراد والجماعات، والرموز والفنون والتنوع والاختلافات، وعن الأحداث والتاريخ والأمجاد والغزوات، والتخلف والتقدم والتنمية والهيمنة، وعن الهوامش والمعانات والحقوق والكرامة والنضالات…، ولكن بمجرد ذكر الأمازيغية نعتا أو وصفا أو تحديدا، ومهما حرصت على ذكر غيرها تعددا ونسبية وديمقراطية، تراهم يتبرمون ويمتعضون، وبعضهم يتشنجون ويتهمون ويستثنون ويقسون، وآخرين يسعرون ويقذفون و”يصهينون”… ومنهم من ترتفع حرارة جسمه ونبضات قلبه ويحس بالأرق وألام في رأسه وظهره، فتطفو عقده ويهلع سريعا لينظر إلى وجهه في المرآة، فيتذكر اسمه أو نسبه وطفولته وبحة جدته…ولا يهدأ باله حتى يفرغ بعضا من شحنه على الورق أو خلف شاشة الحاسوب في عناوين ومقالات أو عبارات مسكنة، وهو مبتهج يقدم صكوك الطاعة والتنكر للذات تزلفا وانمساخا واندحارا.

تلك أهم أعراض الأمازيغوفوبيا، أي ذالك الخوف المرضي الذي ينتاب بعض المحسوبين على الفئة المتعلمة من بين مريدي التنظيمات والحركات السياسية والقومية والإسلام السياسي بمجرد سماع كلمة الأمازيغية والحركة الأمازيغية.

فبعد نضال كبير ومعارك فكرية وثقافية واحتجاجية طويلة، وبعد أن كانوا يستهزؤون منها ومن حاملها والمنتسب إليها، ويرفضون ذكرها وتسميتها لغة وثقافة وبالأحرى فضح إقصائها والمطالبة بإنصافها وتقعيدها وتعليمها والكتابة والإبداع بها ، صاروا يقبلون بالأمازيغية عن مضض لكن ليس لإنصافها وتعويضها عن الأداء والتأخر الذي لحقها، بل للالتفاف حولها ومنع “أصحابها” والمدافعين عنها من الارتقاء بها. وقد اشتدت حساسية “الأمازيغوفوبيا” من جديد خلال الأيام الأخيرة كما يتجلى ذلك في عدة خرجات وممارسات ومحاولات يائسة للعودة بالنقاش إلى الوراء، ومنها:

– كل اللغات، كما يعرفون، تملك أبجدياتها وحروف كتابتها، وتملك دوائر اختصاص ومقومات وجود علمية وأكاديمية وتاريخية وثقافية وحتى سياسية، لكنهم عندما يتعلق الأمر بالأمازيغية، تراهم ينزعجون من الكتابة وحرف الكتابة وتعلم اللغة، فيمتعضون من اللغة المعيارية والمقعدة وحرف كتابتها تفيناغ، ويتضايقون من تعميم وإجبارية تعليمها، ويرفضون أراء وأعمال وإنتاجات المختصين من اللسانيين والمبدعين والكتاب والمناضلين، وهم يبحثون عن كيفية حصر مشروعيتها وامتدادها والالتفاف حولها لخنقها ومنع تفتقها خارج محميتهم الإيديولوجية ومعابدهم السياسية والقومية.

– “إبا ايجو” لا يريدونها أمازيغية، ومهما حاول بعضهم مواساة العجوزين في مأساتهما واحتجاجهما بالكثير من الكلام الغامض والتحفظ الواضح، فلسان المرأة ولباسها ومنطقة انتمائها يمنع الكثيرين من المصابين ب”حساسية” الأمازيغية من التضامن الكامل معها، بل أنهم سريع ما يهاجمون كل من أشار إلى “أمازيغيتها”.

فصحيح أن مختلف مناطق المغرب تعج بممارسات ومظاهر استغلال مماثلة، وأن خصم إبا ايجو ليس سوى أخ زوجها، لكن كل هذا لا يسقط عن العجوزين المحتجين أمازيغيتهما، ولا يمكن أن يرفض أو يتضايق من هذا الوصف والتحديد إلا من هو مصاب بالربو الثقافي والحساسية المزمنة من الأمازيغية.

– يقبلون ويرتاحون للحديث ولمشاهد احتفالات كل شعوب وثقافات وبلدان العالم بأعيادها ومناسباتها، وبالتقويمات وأعياد نهاية وبداية السنة، لكن لا يقبلون أن نصف واحدا منها بالأمازيغي. ف’إيض ن يناير” يزعجهم ومتابعة بعض تغطيات الإعلام لاحتفالات الأمازيغ يصيب بعضهم بضيق في التنفس والارتفاع الحاد في ضغط شرايين التنوع والاختلاف والاحتفاء بالحياة، فيجهد نفسه وهو يقلب صفحات من تاريخ غالبه زائف، ينتقي تلك ويغظ النظر عن الأخرى، بحثا عن تفنيد أمجاد أجداده وحق وارتباط مواطنيه بتقويم خاص يتذكرون فيه ذاتهم وتاريخهم واختلافهم ويجددون فيه نفس الإقدام على الحياة والمستقبل.

تلك بعض المواضيع التي أثارت من جديد حساسية “الأمازيغوفوبيا” لدى بعض التيارات وكتبتها ومريديها، والتي تؤكد بأنهم لا زلوا في حاجة إلى تمديد العلاج والمصاحبة في النقاش العمومي والمشروع الديمقراطي، والترويض الصحي على تنفس الاختلاف والتعدد وسماع كلمة الأمازيغية دون حساسية مفرطة، مع كامل الدعاء لهم بالرشاد وسعة النفس والفكر والشفاء العاجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.