الأستاذ موسى أغربي يكتب..حين تتعانق السلطة الدينية والسلطة السياسية

من البديهيات التاريخية أن الاستبداد الديني توأم للاستبداد السياسي، لا يمكن أن توجد حضارة معينة تخلو من فرعونها، أو نيرونها أو حجاجها يتصرف في الارض وفقا ايحاء السماء، فلا يمكن أن يحاسب أو يحاكم حتى ولو اقترف أشنع الرذائل وسائر “الموبقات” بتعبير فقهاء هذا الزمان !! بل العكس هو ما يحدث: تقدير وتبجيل عظماء الاستعباد والقهر وإقامة تماثيل لهم هي بمثابة أوثان تعبد سواء أكانوا أحياء أم أمواتا، لقد امتحنت الانسانية في مجمل عصورها في الإحساس بالكرامة على الرغم من وجود آلاف من الأنبياء والرسل، وعلى الرغم من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، لسبب بسيط، وبصورة موجزة لأنها – وهذا ليس خيارها – خضعت لإيديولوجيا ماكرة تجعلك تنقاد كالقطيع، وهذه الايديولوجيا ليست بالضرورة أن تكون دينية وان كان تأثيرها أعمق من كل الايديولوجيات، فالغرب الرأسمالي مثلا على الرغم من لائكيته وإنهاء الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت، خلق أسطورة “دينية” جديدة، ذلك بأنه حينما كان يستعمر الشعوب بل ويبيدها برر ذلك بثنائية التوحش مقابل التحضر والأبيض والملون، وحينما نهضت الرأسمالية نهضتها الكبرى في القرن التاسع عشر كان شعارها “الديني” الأوحد هو الانتاج ولا شيء غير الانتاج بدعوى إنتاج الثروة باستمرار لإرضاء حاجيات الإنسان التي هي دائما شجعة وتحتاج إلى المزيد، وهذا يدل – على الرغم من هذا الايجاز – أن الانسانية ميالة إلى استبدال عزيمتها وكرامتها بأيديولوجيا قاهرة تعذبها سواء كانت مادية أم معنوية.

رأيت من خلال هذه السطور أن تكون مدخلا لقراءة مشهدنا الحالي الذي يبدو لي من فرط غرابته وغرائبه أشبه بالفونتازم أو الهذيان الذي يصيب الفرد منا حينما يغيب عن وعيه ويهمهم بألفاظ لا رابط بينها أحيانا لأنه يوجد في حالة بين النوم واليقظة، ولقد عبر المغاربة عن هذه الحالة الشاذة بقولهم “ضربو احمار الليل”.

لنأخذ أيها القارئ الكريم هذه المشاهد وبدون كرونولوجيا محددة:

  • زلزال يروع الشعب بكامله في شمال المغرب، فيوقظ فقيها غارقا في يقينياته وسيضل إلى يوم يبعثون.
  • طالب جامعي وهو المناضل في الحركة الأمازيغية (عمر خالق = إزم) يقتل بدم بارد من لدن عصابة إجرامية.
  • وزير مسؤول عن قطاع حيوي يعتبر اصلاحه مدخلا لنهضة البلد، – وهو الآن حسب كثير من الخبراء في غرفة الانعاش – يقول بكل وضوح في الملتقى الذي نظمته الحركة الشعبية حول الامازيغية: إن بين الأمازيغيين متطرفين تجب محاربتهم.
  • رئيس الحكومة يقول أن نزول الغيث مرهون برضى الله عنا.

هذه المشاهد فيها “البركة”، والمغاربة يقولون “بحال راس لقرع فين ما قست إيسيل الدم !”

والواقع أن فقيه سلا وما لغى وهذى به لم يسترع انتباهي مثلما استرعى انتباهي ردود بعض الأقلام الشريفة على خزعبلات هذا الزمان. لأوضح: يعلم السادة الأساتذة أكثر مني أن “خطب” – معذرة للأستاذ بودهان – يحي المدغري ليست ظاهرة غريبة (أي مفاجئة لنا) ولا عابرة. ومنذ أن أخذنا نحن المنحدرين من بيئة أمازيغية “نقشع” شيئا في الدارجة المغربية ونحن نتلقى بكل براءة النكت والقصص التي تستهزئ بأبناء الجنوب والأطلس والريف، فالأولون بخلاء إلى حد الإفراط، وأهل الأطلس لا يتقنون غير الطبل والدربوكة، وأما الريفي فغدار وقاتل ومتوحش.. فماذا تبقى من ساكنة هذا الوطن غير هؤلاء، غير هؤلاء الدخلاء، أصحاب الجوق الأندلسي والطرابيش الحمراء المهيمنين على خيرات هذا البلد وتراثه الثقافي. أضف إلى ذلك أن الإشارة إلى الريف من لدن الخطيب لا باعتباره جهة أو اقليما بل باعتباره قبيلة ينم عن عقلية قبلية. فلا زلنا ننسب إلى القبيلة لا إلى الوطن، وهذا الموقف القبلي ليس غريبا إذا صدر عن فقيه شبه أمي، وإلا فماذا تقولون بالنسبة لكاتب وروائي ومؤرخ رقي إلى وثن من أوثان ما يسمى الثقافة المغربية، ومع ذلك حينما يتحدث عن القائد عبد الكريم الخطابي يقرنه بقبيلته فيصفه ب “عبد الكريم الريفي” !! وأما عبد ربه الضعيف يحي المدغري فما هو إلا أداة في ماكينة الخطاب القبلي المغلف – كما العادة منذ أبي سفيان وابنه معاوية وسائر الهريريين القرشيين – بعباءة الايديولوجية الدينية،  ألم يعلمونا الحكمة الأزلية “الأئمة من قريش”.

وعليه فإنه إذا حضرت القبيلة غاب الوطن، وهذه مأساتنا ومأساة المسلمين عامة. كما أنه لا يمكن أن ننظر إلى لغو الفقيه بمعزل عن موقف النخبة السياسية المهمينة من أهل الريف خاصة بعد الأحداث المأساوية في سنتي 1958 – 1959. ومن ثم وجب الربط بين ما قيل في الجامعة الشعبية للحزب الحركي وما صرح به ابن كيران والفقيه ربطا ينم عن عقلية متسلطة يختلط فيها الديني بالسياسي، وما قاله الخطيب يوم 29 يناير يجب أن لا ينسينا ما كان يردده الكثير من الخطباء – على مرأى ومسمع من السلطة – حول الحركة الامازيغية واليهود والنصارى، وهي خطب تحريضية على القتل بصورة واضحة وإلا فما معنى هذا الدعاء: ” أللهم جمد الدماء في عروقهم… اللهم… اللهم…، نعم نحن لا زلنا نحن إلى بعض قيم العصر، في مقدمتها المواطنة، أن أساكن من يشترك معي في الوطن مهما كانت ديانته وثقافته، ولكن مع الأسف لازلنا لم نخرج بعد من الحفرة العميقة: حفرة الايديولوجية الدينية وتوأمها الدولة المستبدة على الرغم من بريق الحداثة المزيفة.

غابت عن رجل الدين (الفقيه) ورجل السياسة (رئيس الحكومة) حقائق هي تحت أنوفهم ولكن منطق التضليل يأبي الاعتراف بالحقيقة، لأن الحقيقة كما يقول الماركسيون ثورية بصورة دائمة نظامنا التعليمي المختلف ونسقنا السياسي المتخلف لا ينتج ألا هذه الظواهر الشاذة. لا أعتقد – وأنا هنا اعترف بأنني متشائم جدا- أنه سيوجد عندنا إمام يتأثر لمآسي وأفراح بني وطنه باعتبارهم مواطنين قبل كل شيء، وسيؤمن بأن للطبيعة قوانينها التي يدرسها العلماء لا الأميون الأغبياء، وأن هذه القوانين لا تعرف لا الخير ولا الشر، وأن الكون برمته سواء أكان انسانيا أو طبيعيا قائم على الحركة وأن هذه الحركة محكومة بجدلية (أو حوارية) البناء والهدم والحياة والفناء وقديما قال أبو العلاء:

أبكت تلكم الحمامة أم غنت                  على غصن فرعها المياد

ولا شك أننا حين نطالب تدخل السلطات لردع هذه الطفيليات التي تستغل فضاءات التدين من اجل ترويج ثقافة الحقد والكراهية هو بمثابة الميل إلى معالجة النتائج واغفال أسبابها. لنفرض أنه تم توقيف هذا الإمام أو ذلك أو اعتقل وفصل عن عمله، هل هذا إجراء وقائي ضد التعصب الأعمى الذي ناخ بكلكله في مجتمعات لا زالت لم تلج بعد باب الحداثة، ومازالت تتلقى تعليما معوقا هو التربة الحقيقة التي تتولى “تصنيع” الفكر الارهابي، فمن أين ينبع هذا الأخير؟ لا اخترع شيئا إذا قلت أن التعليم الوهابي في السعودية والباكستان لا يمكن أن ينتج غير هذه المشاهد المرعبة التي يشاهدها العالم صباح مساء ناهيك عن بعض أئمة “الامة” الذين لا يمكن أن تستقيم عقولهم حتى لو قرأوا الجدل الهجلي مائة عام، وأنا هنا أستغرب بعض الأصوات التي تعالت في الأيام الأخيرة، بما فيها تلك التي صدرت عن لقاء مراكش الأخير الدولي حول الأقليات الدينية في العلم الاسلامي التي تحث على الاجتهاد والقبول بثقافة العيش المشترك، وتكوين الأئمة تكوينا عقلانيا يتماشى وروح العصر… الخ.

وفي رأيي المتواضع فإن هذه الأصوات على الرغم من نبلها، فهي مع ذلك عبارة عن تسطير أحلام رومانسية لا يؤدي إلى طريق السلام، ثم أن توظيف أو استعمال مصطلح “الأقلية” الدينية هو تعبير عن منزع عدواني يقوم على الغلبة والاخضاع ناهيك عن كون المصطلح مفهوما نسبيا لا يفيد في البحث عن حلول لكثير من أزمات هذا العصر، وفي طليعتها اعلان الحرب باسم الدين. نعم لا خلاف حول إعادة ادماج “المجاهدين” في الحياة العامة، ولا يتناطح ثوران حول ضرورة تكوين الأئمة خاصة أولائك الذين يعيشون في الدول الغربية أو الذين يزورونها في المناسبات الدينية وفق البروتوكول الديبلوماسي، ولكن يجب أن نعرف أن هؤلاء هم في الواقع موظفون لدى دول اسلامية مشهود لها بالأسبقية في تدني تعليمها، أو في اضطهاد الأقليات” كيف ما كان نوعها، فمن يؤهل من؟، ومن يكون من؟ وعلى أي أساس سيبنى هذا التكوين، على أساس قيم حقوق الانسان الكونية، أم على أساس قيم البداوة السائدة في الانظمة الشمولية في إيران والسعودية على سبيل الذكر لا الحصر، لسنا في حاجة إلى الوصفات السحرية التي تسكن الاوجاع ولا تشفي منها، من مثل الحديث عن ضرورة مراجعة الافكار والقبول بثقافة العيش المشترك. هذا كله جميل لكن في أي نسق سياسي؟ تكمن مأساتنا في هذا الفارق المهول بين الثورات الكوبرنيكية التي عرفها الغرب في كافة الميادين العلمية والثقافية والسياسية وثورات العالم الإسلامية الى يجمعها عنوان بارز: تدنيس كرامة الإنسان باسم النصوص المقدسة. فكيف إذن نطلب شيئا من إنسان هو أصلا يفتقر إليها، نطلب من المتطرفين أن يقبلوا بالتعايش السلمي بين الديانات المختلفة، لا يتأتى ذلك أبدا لا في الأمد المنظور ولا المتوسط، فدون تحقيقه أجيال وأجيال وعقبات وعقبات، ذلك يقتضي كما قلت الأخذ بأسباب الحضارة وركائزها الأساسية النهوض بالتعليم كرافعة أساسية لأي نهضة علمية وفكرية، وتقديس الإنسان باعتباره محور الوجود والاستنارة بنور العقل، وقد يقول قائل أنني أجتر المعروف والمعلوم. هذا صحيح ولكنني أروم “الاجترار” لأننا مللنا التقية الثقافية التي تمارسها بعض الأقلام عندنا، والامر من ذلك سكوت بعض الاوثان الثقافية عما يحدق بأوطانهم من مخاطر التطرف الإرهابي مع أنهم يعلمون حق العلم أن التاريخ لم يغفر سكوت الكاتب الفرنسي العظيم “فلوبير” عن المجازر التي ارتكبت في حق كومونة باريس أثناء انهزامها. وما يحز في النفس هو محاولة تبني بعض المثقفين الذين نكن لهم كل الاحترام الخطاب السائد حول النظر إلى التطرف وكأنه انزياح أو تشويه للدين. هل نحن واثقون مما نقول؟ كيف تقتنع “داعشيا” بأن ما تقوم به داعش من حز الرؤوس عمل منكر وهو يعرف أن الاقتصاص من العدو بصورة تقشعر لها الأبدان – وبمباركة فقهاء السلطة – ظاهرة مطردة في التاريخ. وإلا فمن قتل كعب بن الأشرف وكيف، ولماذا؟ داعش أو القاعدة او الطالبان حلقات متسلسلة من الارهاب الدموي عبر التاريخ؟ وهل نكون صادقين مع انفسنا أو مع غيرنا حينما ننظر إلى ما تقدم به العصابات الارهابية في الشرق من التطهير العرقي والديني في حق اليزيديين أو المسيحيين و… ثم نقول هؤلاء يشوهون، أقول لا مائة مرة !! وإلا من أقدم على تطهير الحجاز زمن السلف الصالح” من كل الديانات على أساس أنه يجب أن لا تتعايش مع دين آخر في هذه البقعة الطاهرة؟ إن إرهاب اليوم أيها السادة له بدايته في الماضي الأبعد والبعيد، فلنقرأ التاريخ بكل تجرد من الجبن أو التقية أو النفاق، ولتكن نماذجنا في المقاومة والتي هي بمثابة النبراس المضيء في هذا الزمن المظلم: عبد الله ابن المقفى، وأميل زولا وسارتر وبورديو… الذين نستشهد بهم في كل مقام ونحن أبعد عن استلهام مواقفهم مع الأسف ومع المرارة !!

ومن هنا يجب النظر إلى ما هذى به الخطيب المعلوم وربطه بمجمل المواقف التي أتت متزامنة وهذا ليس من الصدفة العجيبة، ولكن من واقعنا الآسن والغريب والعجيب، وهذه المواقف كلها مجتمعة تصب في مصب واحد وأن اختلفت الطرق المؤدية إليه: جعل الضحية (الشعب) فريسة الاحساس بالذنب مع أنه غير مذنب لم يختلس الملايير ولم تكن له يد في انحباس الغيث أو قتل المناضل (إزم) أو قمع الحريات والتظاهرات السلمية والتلاعب بمصير الأساتذة المتدربين الذين سيربون الأجيال المقبلة…

إن القارئ يلاحظ أن خطاب رجل الدين وصنوه رجل السياسة يتميز بالإطلاقية والانغلاق، وميزته الأساسية أنه ذو اتجاه عمودي أي من الأعلى إلى الأسفل، من الذي يتقن فقه الغيب بصورة اجترارية ممتدة في الزمن السحيق إلى “السواد الأعظم” من الصديقين، أي باختصار شديد أنه خطاب لا تعوزه ملكة اختلاق الشرعية على أساس أن كل خطاب ناجم عن العقلية الاستبدادية (سواء كان خطابا نابع عن متسلط Autoritaire أو عن ديكتاتور، ونظام شمولي Totalitarisme وفق نظرية اناه ارندت) يبحث بكل ما أوتي من وسائل التضليل عن شرعية الرسوخ في الذاكرة يفضي إلى استبطانه ثم تحوله إلى جزء من الشخصية في صورة أوامر قهرية لا مجال معها إلا للقبول بكل اطمئنان ماسوشي، وعليه فإن الإنسان منذ العهود الحجرية إلى زمن الحداثة المعطوبة ما زال يرهب قوى الطبيعة، وسيظل كذلك إلى أبد الدهر – بل ويؤمن بأن الكوارث التي تصيبه لا يد للإنسان الأرضي فيها، بل إن مصدرها موجود هناك في اللامكان لا يمكن لأي مخلوق أن يتصوره إلا ابن آدم لأنه أوتي ملكة قاهرة وهي ملكة الخيال. والعلماء والفقهاء الافاضل هم وحدهم الذين انعم الله عليهم بنعمة تهريب أزمات الواقع إلى ما وراء الواقع، بفعل هذه الملكة.

والآن السؤال المطروح: ما دور ثقافتنا المغربية وفرسانها في النهوض بمستوى الوعي الجماهيري والانخراط في مجال الاسهام في ترسيخ ثقافة النقد البناء لمواجهة هذا الكم الهائل من الدجل الفكري الذي تصطدم به في حياتنا اليومية.

أطرح هذا السؤال لأن المثقف النزيه لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يكون محايدا (صامتا) في خضم هذا الطوفان من الدجل الفكري الزاحف، لأن الصمت أو الحياد هو بمثابة الشهادة على إفلاس ما نعلنه من قيم الحرية والديموقراطية، أو بمثابة اعلاء رغباتنا الذاتية فوق مبادئنا العقلية والانسانية.

إن الثقافة البناءة لا يمكن ان تتعايش و”الاستاذية” وكبرياءها وعجرفتها، هذا هو الدرس الذي لقنته (اناه ارندت) للمثقفين المتخاذلين والانتهازيين وذلك بناء على ما لاحظته – في زمانها – من تدني الانتلجينسيا الأوربية مند بداية القرن الماضي، تمثل ذلك في ادعاء بعض الفلاسفة إيجاد الحل الشامل للإنسانية وهم في واقع الأمر مرتبطون بنظام فاشي وشمولي، نعم من حق المثقف أن يتسلق السلم الاجتماعي باصطياد الفرص وانتهازها، ولكن لا يمكن أن ينكر على الآخرين من ذوي المبادئ مواقفهم، إن من السداجة أن ينبري أستاذ الفلسفة – وهو بالمناسبة ليس بالفيلسوف – وفي هذا الظرف بالذات للحديث عن الاسلاموفوبيا وممالأة الغرب من لدن بعض المثقفين الذين كانت لهم الجرأة في زعزعة أسس الدجل الفكري وبؤس اليقينيات الهرمة من مثل أدونيس وكمال داود وبوعلام صنصال… الخ. مما يلاحظ في هذا السياق أن مصطلح الغرب كما يوظفه هذا الاستاذ وأمثاله مند عقود من المصطلحات التي تند عن الخضوع للمراجعة والنقد حتى يزول اللبس عن هذا المصطلح الذي يتخذ مطية للإيقاع بالآخر المخالف ومطية لسلسلة من الاتهامات مما يجعل من المدعين الحداثة والتقدمية ينساقون وراء موجات الفتاوي التكفيرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، هل هذا هو الدور المنوط بالمثقف في هذه البلاد: الصمت، وإذا نطق نطق نكرا؟ إني أعرف أن المثقف أو المفكر الكبير حينما يكون له مشروع أو مبدأ إنساني عظيم يمكن أن يحدث تغييرا لا يمكن أن تحدثه إلا الثورات الكبرى، فهذا اسبينوزا في القرن السابع عشر زلزلت أفكاره الدوغما الدينية من أوروبا كلها، ولم يكن يتقرب أبدا للسلطة، بل أن السلطة هي التي كانت تتقرب منه لأن سلطة الثقافة أقوى من سلطة السياسة. ما يحدث عندنا، العكس، ما يسود في الأعم الأغلب، الجبن، والتقية، والأستاذية المتعجرفة، وهذا ما يشجع على تغول خطاب الكراهية ضد الآخر الذي هو في العمق خطاب سياسي في مظهر ديني وفي هذا الأخير يلتقي المعمم والسياسي والحداثي المزيف والمتعجرف، وهذا وجه من اوجه الكوارث التي معاني منها وهي أخطر من الزلازل ومن الفيضانات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.