الأستاذ المتهم !!

ببساطته المعهودة، وأناقته البسيطة ، تأبط عدته و قصد المقهى كعادته نهاية كل أسبوع ، ليبتعد قليلا عن أجواء المنهاج الدراسي العقيم الذي ينسف رصيده العلمي أكثر مما يبنيه .

انزوى في ركن قصي من أركان المقهى ، وانغمس بشراهة في الاغتراف من معين الكتب المتنوعة التي لا تفارق زوادته . طلب كوب قهوة سوداء كأيامه ، وأخذ كتابا وبسطه على الطاولة ، ثم انكب على قراءته بكل جوارحه غير عابئ بقدوم الزائر الجديد الذي انزوى بجانبه متصفحا جريدته . وبينما هو يسجل فكرة من أفكار الكتاب التي أعجبته ، حيّاه الزائر تحية باردة ، رد عليه بتحية متجمدة ، وواصل قراءته بتلذذ، متجاهلا النظرات الشزراء التي يرميه بها ذلك الضيف الثقيل ذو البطن المنتفخ …

مرت قرابة خمس عشرة دقيقة ، كان الأستاذ خلالها منهمكا في تحليل أفكار الكتاب ، فجأة اقترب منه الضيف الثقيل دون استئذان ، وهو يمسح بكفه ذلك الجبل الذي يحمله تحت صدره :

– ألم تقرأ الخبر الجديد ؟

-لا ، لا أتصفح الجرائد مطلقا ، خيرا إن شاء الله ، أي خبر ؟

– أستاذ …

– ما باله ؟؟؟ !!

– هو السبب في فضيحة مركب الأمير مولاي عبد الله .

– لا يعقل ، إنك تهذي يا فلان ، كيف ذلك ؟؟، ما علاقة الأستاذ بالملعب ؟؟ على حد علمي الملعب ليس فضاء للتعلم ؟

– يا سيدي أراك مشفقا على الأستاذ وكأنه بريء ، أليس الأستاذ هو من درس ذلك المسؤول الغشاش الذي غش وطنه ومرغ وجهه في التراب ؟؟ لو كان أستاذا حقا لما أنتج لنا مثل أولئك المستهترين ، يا سيدي : أنا أحمّل المسؤولية للأستاذ لا للوزير ، الوزير المسكين هو نتاج الأستاذ المتقاعس .

أحس الأستاذ بطنين في رأسه كخلية نحل ، نظر إلى الكلمات التي دونّها على الورقة . ابتسم ، ودون أن ينبس ببنت شفة ، انصرف تاركا وراء ه كل شيء . أثار هذا السلوك حفيظة الزائر الثقيل الذي انتابه شعور غامض ممزوج بالحقد والكراهية تجاه الأستاذ المغادر ، وإشباعا لفضوله ألقى نظرة على الكتاب المبسوط على الطاولة ، و دون شعور منه قرأ بصوت عال الكلمات المسطر تحتها في الكتاب المفتوح   أمامه ” الأستاذ في المغرب متهم حتى تثبت براءته ….” التفت الزبناء إليه ، وتفاعُلا مع صوته الجهور والمتهدج رددوا كلهم بصوت واحد : “لن تثبت براءته أبدا “. واستغرق الجميع في ضحك هستيري

3 تعليقات
  1. صديق المتهم يقول

    في البداية احتار القلم من أين يبدأ هذه الكلمات وماذا يخط على أسطر هذه الوريقات ، فتحرك اللسان بكل شجاعة ليدلو بدلوه وعندما واجهه هذا الموقف العصيب لم يتقدم وأصبح كالجماد الهامد ، فقلنا ليس لنا سوى العقل لكي يبعث سيالاته العصبية للأطراف الساكنة التي لم تتحرك قيد أنملة في مواجه هذا الموقف ، وبعد المحاورات اجتمعت جميع هذه الأعضاء بكل شجاعة لتخط هذه الكلمات القليلة للأستاذ المتهم، ما رايته من ابداع متواصل له ومن سيرته التعليمية والمهنية دافع لكل شخص لايوجد عنده الهمة والعزيمة لفعل أي أمر يعجز عنه، عليه أن يحتذي حذو الاستاذ وهو من أعظم الدروس على تقوية العزيمة في أي أمر يريد انجازه بغض النظر إذا كان يختص باللغة العربيية أو أي امر من الأمور الأخرى .

  2. صديق صديق المتهم يقول

    شكرا صديقي العزيز ، هذه الكلمات الرقيقة والمعبرة دغدغت مشاعري ، تكلمت فأصبت ، علقت وابدعت ، محبتي بلا ضفاف .

  3. malak el kawn يقول

    أحسنت عملا يا أستاذ بهذه المقالة أثقلت عقل الأستاذ والمسؤول ان هذا العبء الذي يحمله المجتمع للأستاذ خط أحمر يحتاج الى التعمق في التفكبر قبل أي كلام ويبد أن المجتمع نسي أن الانسان يكون بين أحضان أسرته قبل المعلم فما تربى عليه الانسان في دائرة الأسرة يصعب على الأستاذ أن يخرجه منه ولهذا فالتجمع أصابع الاتهام ولتوجه نحو الأسرة أولا آن ذاك لنحاسب الأستاذ ان أخطأ ولهذا يا أستاذي أهنئك على هذه المقالة الرائعة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.