الأستاذ المتعاقد: تجارب دولية (2)

أتيت في المقال السابق بنفس العنوان على تجارب بعض الدول مع التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، وأوضحت صيغ التعاقد التي انتهجتها الدول المذكورة، كما وضحت مآل برامج التوظيف بالتعاقد في هذه الدول وهي الهند وكمبوديا.

للتذكير أتت خلاصتي على الشكل التالي: كل الدول التي اتّبعت هذا البرنامج اتضح لها بأن التجربة لم تكن ناجحة، فامتلكت بعضها الشجاعة للحسم معه ككمبوديا، بينما لا زالت أخرى تحاول جاهدة إنجاح برامجها كالهند رغم تحذير المؤسسات الدولية المختصة وللعاملين في الميدان في هذه الدول من مخاطر البرنامج. وقلت بأن إجراءات التباري على المناصب وشروط التكوين والعمل تحت التعاقد، ونتائج البرنامج تشير كلها، كما أوضح التقرير الذي اعتمدت عليه، إلى أن البرنامج خطوة فاشلة هدفها بيع وهم الإصلاح التعليمي بأكثر الطرق تقشفا، وقص قسري لأجنحة ميزانيات التعليم الهزيلة أصلا.

سأعالج فيما يلي تجربة دول إفريقيا الغربية مع التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، وصيغها ومآلها. وتبرز الأخيرة كل مظاهر العبث بالقطاع نتيجة الزج به في متاهات أشكال الفساد المعهودة في دول العالم الثالث، وكيف تهدد برامج مماثلة ليس السلم الاجتماعي فقط، بل الاستقرار السياسي ذاته في هذه البلدان.

دول إفريقيا الغربية: مخاطر التعاقد على النظم التعليمية والسياسية

تعاني دول إفريقيا الغربية من مشاكل اقتصادية جمة، ومن هشاشة فئات اجتماعية عريضة من المجتمع، ومن غياب البنية التحتية الأساسية وعوامل مصاحبة تؤثر سلبا على المستوى المعيشي لشعوبها، وعلى نسب الأمية التي تعرف تزايدا مطردا فيها، وكذلك على نسب الأطفال في سن التمدرس الغير ممدرسين والتي لا تشكل هاجسا اجتماعيا فقط، بل هاجسا يهدد الاستقرار السياسي أيضا على الأمد البعيد.

تُعتبر الشرائح الاجتماعية المذكورة أعلاه غير مؤهلة لأي عمل يتطلب حدا أدنى من التعليم والتكوين، وتعيش غالبا على الكفاف وعلى أشكال التجارة الموسمية الغير مهيكلة بكل أنواعها وعلى وسائل التكسب المهينة كالعهر والتسول، أو تسلك سبلا مخالفة للقانون كالجريمة، وذلك من أجل سد حاجات الحياة الأساسية لديها من بيت ومعيش يومي ومتطلبات بسيطة أخرى، كما أنها تشكل تهديدا للسلم الاجتماعي في البلدان المذكورة. وتُعتبر هذه العوامل في كل الأحوال المذكورة آنفا رفقة أخرى أكثر أهمية وعلى صلة سببية بها كالاستبداد السياسي والقهر الاقتصادي والاستغلال وسرقة المال العام، تشكل التهديد الأكبر للسلم الاجتماعي وللاستقرار السياسي اللازم لاستعطاف الرأسمال العالمي من أجل الاستثمار بهذه البلدان.

وقد فطنت هذه الدول إلى المخاطر المذكورة على نظمها، وشرعت في تجربة مقترحات مختلفة لمواجهة هذه المخاطر، حيث عمدت معظمها إلى دخول غمار تجربة التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم للحد من تهديد هذه المخاطر، و محاولة الرفع من نسب المُتمدرسين حتى تضمن رضى المؤسسات الدائنة عنها وعلى صورة أنظمتها السياسية في المشهد السياسي الدولي.

    ومن بين دول إفريقيا الغربية، كانت السنغال الدولة الأولى التي فرضت نظام التوظيف في التعليم بالتعاقد ابتداء من سنة 1995. جاء هذا القرار كمحاولة لمواجهة نسبة التركيبة الطبيعية السكانية التي عرفت ازديادا مطردا في ظل ضعف موارد الدولة التي أصبحت غير قادرة على توفير مناصب تعليمية كافية لاستيعاب نسب تسجيل التلاميذ الجدد المرتفعة، وغير قادرة كذلك على توفير البنيات التحتية التربوية اللازمة لهذا الغرض. فمن أصل 2,000 منصب سنوي كانت السنغال في حاجة إليهم بشكل سنوي آنذاك، لم تستطع الدولة توفير سوى 250 منصبا سنويا، وقد أدى هذا إلى انخفاض نسب التسجيل في المدارس ما جعل الدولة تنهج سياسة التوظيف بالتعاقد في القطاع كإجراء تقشفي يزيح ثقل التكوين المادي السليم للأستاذ، وتفاديا كذلك  لتكاليف التكوين وتكاليف الأجرة الشهرية لمناصب الشغل الجديدة المرتفعة نسبيا بالنسبة للأساتذة النظاميين، التي كانت تأخذ مسبقا من ميزانية التعليم العامة ما نسبته 90%.

  وكالتجربة الكمبودية والهندية التي أتينا على نقاشهما سابقا، وجدت الدولة في السنغال ومالي وموريطانيا في التعاقد «حلا» مرحليا. فخفض مدة التكوين بالنسبة للأساتذة المتعاقدين التي اقتصرت في الدول الثلاثة معا على 3 أشهر عوض مدة 18 شهرا التي استفاد منها نظراؤهم النظاميون اعتُبر أقل تكلفة ماديا، كما أن تكلفة أجرة الأستاذ المتعاقد قلت بنسب مهمة، لأن الشواهد المطلوبة في معايير الترشيح لمباريات التعليم بالتعاقد لم تتجاوز شرط استكمال الأستاذ المتدرب المقبل على التعاقد لمرحلة الثانوي الإعدادي كشرط للعمل في السلك الابتدائي (الأولي)، ويُقدّم هذا كتبرير للأجرة الشهرية الهزيلة التي يتلقاها الأستاذ المتعاقد في الدول المذكورة.

 وصلت نسبة الأساتذة المتعاقدين في دول إفريقيا الغربية رفقة مدغشقر في الفترة ما بين 2000 و 2003 إلى 19,5% من نسبة الأساتذة كلها. ورغم الارتفاع المذكور في عدد الأساتذة المتعاقدين بهذه الدول إلا أنها لا زالت بحاجة إلى أكثر من 433,000 أستاذ من أجل تحقيق تحدي ‘المدرسة للجميع (Education For ALL EFA)’ الذي كان برنامجا من المزمع تحقيقه بحلول سنة 2015.

وتقدم ثلاثة دول فقط من إفريقيا الغربية وهي السنغال وبوركينافاسو والطوغو إمكانية الترسيم والترقي للأستاذ المتعاقد في ظل حصول شروط استكماله لتكوينه الأكاديمي واجتيازه للمباريات المخصصة لهذا الشأن من قبل الوزارات الوصية في هذه الدول.

  أما مآل برامج التعاقد في الدول المذكورة فلا تختلف في شيء عن نظيراتها الكمبودية والهندية. فحسب تقرير اليونيسكو الصادر سنة 2005 حول تجربة التعاقد في دول إفريقيا الغربية، اشتكى أساتذة نظاميون من عبثية البرامج، وغياب الشفافية في مباريات الانتقاء، كما عبر الأساتذة المتعاقدون عن امتعاضهم من غياب الحوافز والتعويض المادي عن العمل في الأماكن النائية. ففي غينيا مثلا قال أساتذة متعاقدون بأنهم يفتقرون إلى الدعم المهني، وبأن أجرتهم الشهرية لا تكفي لتلبية حاجياتهم الأساسية حتى، بل أن معظمهم لا يتلقى أجرته الشهرية بشكل منتظم، وهو ما حدا بالعديد منهم إلى مغادرة مهامهم بعد انتهاء مدة العقد. وقد أكدت بعض الدول نفسها عدم قدرتها على دفع أجرة الأساتذة بشكل دوري.

يحذر دارسون من أن تردي وضعية الأستاذ المادية ووضعيته الاجتماعية ببلدان غرب إفريقيا ستدفع بالأساتذة ذوي الكفاءة إلى مغادرة مهامهم، وسيكون لهذا القرار تأثير كبير على المدى الطويل على المردود التعليمي وعلى المنظومات التعليمية بهذه الدول. ففي البنين، أفاد أساتذة متعاقدون بأنهم يشعرون بأن «الدولة خذلتهم وتخلت عن واجباتها تجاههم…بعد أن وعدتهم بالاستقرار المادي والأمان الوظيفي وإتاحة فرص الترقي الاجتماعي لهم…»، وقد حدا بهم عدم وفاءها بوعودها تجاههم إلى الانخراط في ممارسات مشينة كالتغيب المستمر، والتأخر المقصود عن الحصص الدراسية، والتراخي في أداء المهام، والبحث عن موارد رزق موازية لمهامهم التعليمية.

لقد أحدثت الفروق المادية في الأجرة بين الأساتذة النظاميين ونظرائهم المتعاقدين إضافة إلى حرمان الفئة الأخيرة من الفوائد الاجتماعية المصاحبة للمنصب، أحدثت مشاكل تدبيرية وإدارية إضافية للوزارات الوصية على القطاع في هذه الدول، فالحاجات الإدارية للبرنامج تتعاظم مع تزايد نسبة الأساتذة، كما أن اختيارات المتعاقدين النقابية طرحت مشاكل لهذه الدول لم تكن في الحسبان، فالتمييز في الأجرة الشهرية بين المتعاقد والنظامي والتمييز في امتيازات تصحب المنصب كالتغطية الصحية والترسيم والترقي أحدث شروخا بين شريحة الشغّيلة التعليمية الواحدة، وأضاف أعباءً إدارية ومالية على هذه الدول الضعيفة أصلا لم تكن في الحسبان، خاصة وأن مؤسسات التخطيط فيها، إن أخذت هذه الدول بعملها بعيدا عن وصفات المؤسسات الدائنة، تفتقر إلى الاستبصار اللازم بمآل الإقدام على برامج التشغيل بالتعاقد.

كما تشكل هذه المشاكل تهديدا للنظم السياسية نفسها، لأن شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى، ومن ضمنهم الأساتذة، التي تعتبر دوليا عامل استقرار سياسي قومي مهم يعمها السخط على الحيف الذي يلحق أفرادها من جراء إقدام دولها على سياسات ترقيعية في التعامل مع مجالات ذات أهمية آنية واستراتيجية قصوى.

وقد أتينا على ذكر بعض من أشكال العمل التي تُقدم عليها فئات اجتماعية تتسع باطراد مع تزايد نسب فشل السياسات العمومية عموما وسياسات القطاع التعليمي بالخصوص نظرا للأهمية التنموية التي يحظى بها. وليس الربيع العربي الذي أدخل دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط في دوامة الإرهاب وتزايد نسب الدين العمومي وضعف الأداء الاقتصادي والتفقير والإقصاء المقصود لفئات عريضة من المجتمع من حقها في الشغل والتعليم الجيد والرفاه والحياة الكريمة، ليس سوى نتيجة من نتائج نهج السياسات الترقيعية المماثلة لتلك التي ذكرنا آنفا، والتي تُقدم عليها هذه الدول دون التبصر اللازم بمآلاتها المظلمة.

إن المغرب اليوم من ضمن دول عديدة أخرى يعيش غليانا اجتماعيا ينذر بمستقبل مظلم. وتعود أسباب هذا الغليان إلى ضعف الأداء السياسي لنخبه المسؤولة، ولجشع رأسماله المحلي، ولغزو الرأسمال العالمي له الذي جعل من الدولة كلب حراسة لمؤسساته ولمصالحه على حساب فئات مجتمعية عريضة. فوراء هذا الغليان تقف كل أشكال الإقصاء السياسية والاقتصادية والثقافية. ومن ضمن القطاعات التي تعرف سخطا جارفا لدى الفئات المعنية نجد التعليم.

فمنذ شروع الدولة في مبادرة التوظيف بالتعاقد في هذا القطاع تعالت الأصوات من مختلف الفئات الاجتماعية الرافضة لهذا القرار، واليوم، وتنويرا للرأي العام، نضع بين أيدي القارئ هنا تجارب بعض الدول التي أقدمت على برنامج التوظيف بالتعاقد في التعليم توخيا للتوعية بمخاطر «الحلول» المرحلية التي تفشل أبدا في التعاطي الفعال مع المشاكل المماثلة، وهي المشاكل التي تحتاج إلى التبصر الصادق بمآلها والعمل الجاد عليها من أجل مواكبة المتغيرات المصاحبة لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كل المعلومات المتعلقة بتجربة التعاقد في الدول المذكورة مصدرها تقرير اليونيسكو أسفله.

Yael Duthilleu. Lessons Learnt in the Use of Contract Teacher. UNESCO and IIEP. Paris: UNESCO. 2005

ذ.منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.