الأستاذ المتعاقد: تجارب دولية (1)

شهدت العديد من الدول تجارب التوظيف في التعليم بالتعاقد. ومن بينها كمبوديا والهند ودول إفريقيا الغربية. سأحاول فيما يلي رسم صورة واضحة المعالم عن تجارب هذه الدول مع التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، وعن أسباب وسياقات الإقدام على هذا الخيار، والكيفية التي تم بها التعاقد مع الأساتذة، ومآلات تجارب كل واحدة على حدا.

كمبوديا: مأساة تجربة التعاقد

    كمبوديا هي بلد جنوب-شرق آسيوي شهد نظما تعليمية مختلفة على مر العصور، فمن التعليم البودي إلى التعليم الغربي الحديث تحولت ممارسة التعليم فيها من تلقين الترانيم الدينية البودية إلى تعليم يعتمد «على المبادئ البيداغوجية الحديثة يشمل التكنولوجيا واللغات الأجنبية» كما ينص على ذلك دستور سنة 1993 الكمبودي. واعتمدت كمبوديا بدءا بالعقود الأولى من القرن العشرين على نظام تعليمي حديث مشابه للنظام التعليمي الفرنسي، لأن فرنسا كانت القوة الاستعمارية التي فرضت الحماية على كمبوديا، والتي استمر حكمها من سنة 1863 إلى سنة 1953. وعلى هذا الأساس كان نظام البلد التعليمي يعتمد على نظام تعليمي أولي يقوم على دورتين، تتشكل كل دورة منها من ثلاث سنوات، بينما اعتمد التعليم الثانوي نظام دورتين يخصص للأولى 4 سنوات، بينما تأخذ الثانية ثلاث سنوات. ويلي هذا التعليم الجامعي الذي لم يتشكل حتى حدود الخمسينات من القرن الماضي.

   بحلول سنة 1970، نجح الخمير الحمر (Khmer Rouge) في الإطاحة بملك البلاد وتأسيس جمهورية الخمير. كان لحكم الخمير تأثير سلبي كبير على النظام التعليمي، حيث قاموا بإغلاق المدارس واضطهاد الأساتذة وإعدامهم. فمنذ السنة الأولى للانقلاب إلى حدود سنة 1980، غادر البلد أكثر من 15,000 أستاذ أو قتلوا على أيدي نظام الدكتاتور ‘بول بّوت’ من أصل 20,000 ألف أستاذ كانوا يمارسون مهام التعليم كأساتذة نظاميين. أدى قرار الدكتاتورية الكمبودية هذا إلى الانهيار التام للنظام التعليمي في البلد.

   لم يستعد التعليم عافيته بعد ذلك إلى اليوم. ومن ضمن الإجراءات التي اتّخذتها كمبوديا لمواجهة هذا، شرعت الدولة ابتداءا من سنة 1996 في توظيف الأساتذة بالتعاقد، وكان هدف هذا البرنامج مواجهة النقص الحاد في عدد الأساتذة، خاصة في المناطق النائية. على إثر قرارها ذاك وصل عدد المتعاقدين بحلول سنة 2001 نسبة 9% من مجموع الأساتذة في البلد بأكمله، وكان العدد بالتحديد 4,214 أستاذا. كانت العقدة التي تجمع الأستاذ الكمبودي بوزارة التربية تغطي سنة واحدة، ومنح الأساتذة المتعاقدون بموجبها نفس الأجرة التي كان يتقاضاها الأستاذ النظامي، لكنهم حرموا من امتيازات بقيت حصرا على الأساتذة النظاميين.

   بحلول سنة 2002، قامت الدولة الكمبودية بوقف برنامج التعاقد بغرض «تحسين جودة وفعالية التعليم» كما ادّعت، وانخفض على إثر قرارها ذاك عدد الأساتذة المتعاقدين إلى 1,152 أستاذ، حيث أصبحوا يشكلون فقط ما مجموعه 2,5%، لكن الدافع الحقيقي وراء القرار كان تفشي الزبونية والمحسوبية في دوائر القرار التعليمي التي كان من شأنها منح مناصب التدريس.

فقد أثبتت تقارير صحفية أن مسؤولين عن التعليم كانوا يسرقون نسبا يسيرة من أجرة الأساتذة المتعاقدين، وقاموا كذلك بالمتاجرة بالمناصب بحيث كانوا يفرضون على المترشحين المقبلين على مباريات التوظيف رشاوى من أجل ضمان قبولهم ضمن دفعات الأساتذة الدورية، كما ثبُت تلقيهم لرشاوى مقابل منح الأساتذة حق الانتقال من منطقة إلى أخرى.

وعلى إثر ذلك قامت الدولة بوقف البرنامج وشرعت في تقوية برامج تكوين الأساتذة، وبرمجة إعادة انتشار وطنية، والتي فرض بموجبها على أساتذة الفائض الالتحاق بمقار العمل في مناطق تعاني من الخصاص، ورغم نسب ارتفاع أعداد التلاميذ وظروف الاكتظاظ التي تسوء سنة بعد أخرى إلا أن الدولة الكمبودية رفضت رفضا قاطعا العودة إلى برامج التعاقد، وفضلت سبلا أخرى لمواجهة هذه المشاكل وأخرى على صلة بها.

الهند: تجربة التعاقد الترقيعية

    تُعتبر الهند من أكثر دول العالم ساكنة، إذ يصل عدد سكانها اليوم إلى 1بليون و324 مليون نسمة، ويسهل التكهن بطبيعة المشاكل التي قد يواجهها تعليم بلد بهذا الحجم السكاني المهول. تعاني المدرسة الهندية من الاكتظاظ، وتغيب الأساتذة، وضعف أدائهم المهني. وكإجراء سيصبح معتادا بدءا من أواخر التسعينات من القرن الماضي بادرت الدولة في الهند إلى طرح برنامج التوظيف بالتعاقد. أقرت الدولة ثلاثة أهداف نصب عين النظام التعليمي الهندي بعد البرنامج وهي:

(1)-مواجهة الخصاص في قطاع التعليم: توضح نسب التسجيل المدرسي السنوي في الهند ارتفاعا مطردا منذ استقلال البلد إلى اليوم. فبينما كان عدد المدارس 200,000 مدرسة سنة 1950، فقد وصل إلى 800,000 مدرسة سنة 2004. وكان عدد التلاميذ المسجلين سنة 1950 22,3 مليون تلميذ، بينما بلغ سنة 2004 إلى 155,7 مليون تلميذ، وعلى الرغم من مجهودات الدولة إلا أن ما لا يقل عن 40 مليون طفل في سن التمدرس يبقون غير ممدرسين، بينما يترك المدرسة ما نسبته 40%  من التلاميذ قبل إتمامهم مرحلة التعليم الأولي.

(2)-مواجهة تغيب الأساتذة المستمر عن العمل.

(3)-الحد من نسب الاكتظاظ داخل فصول الدراسة مقارنة مع عدد الأساتذة الممارسين.

         أقرت الهند نظام التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم كما ذكرنا بدءا من أواخر التسعينات. وكان الهدف توفير عدد كاف من المدرسين لمؤسسات تعليمية بالبلد تقع في مناطق نائية وصعبة جغرافيا، وذلك بغرض فتح باب التمدرس في وجه فئات مقصية من المجتمع.

تختلف نسب حضور الأساتذة المتعاقدين اليوم من إقليم إلى آخر في الهند وكذلك حسب المكان، إذ تختلف نسبتهم في الأرياف على نسبتهم في المناطق الحضرية، كما تعرف بعض الأقاليم حضورا مهما للمتعاقدين يتجاوز 50%، خاصة في التعليم الأولي أو الابتدائي.

ورغم هذا العدد الكبير من الأساتذة المتعاقدين إلا أن أجرتهم تقل بكثير عن الأساتذة النظاميين، فبينما يتقاضى الأستاذ النظامي 5,000 روبية شهريا، إلا أن أجرة نظيره المتعاقد لا تتعدى 1,000 روبية في الشهر. ويعود سبب رضى المتعاقدين النسبي عن هذا التمييز إلى أن مستواهم التعليمي متدن جدا مقارنة بنظرائهم النظاميين. كما أن قوانين الترسيم في الوظيفة تترك الباب مفتوحا لهؤلاء المتعاقدين في حال استكمالهم لتعليمهم واجتيازهم للمباريات المقررة من قبل وزارة التعليم وكذلك بالترقي الوظيفي.

      أما مآل البرنامج فلا يختلف كثيرا عن نظيره الكمبودي. تقول دراسات ميدانية حول مآل التعليم بالتعاقد في الهند بأن نتائجه «ضعيفة وغير مرضية» حسب تقرير اليونيسكو حول الموضوع الصادر سنة 2005، كما أنها لا ترقى إلى معيار الجودة المطلوب وطنيا، ناهيك عن معيار الجودة الدولي. وأفادت دراسة عينة من المدارس التي يعمل بها المتعاقدون في الهند بأنه غالبا ما يُفرضُ عليهم العمل كبوابين للمدارس حيث يعملون، ويكلفون كذلك بتنظيف مرافق المدرسة والعناية بها، كما يفرض عليهم أداء مهام إدارية تربوية من اختصاص أطر آخرين.

     لا يتطلب الأمر نبوغا خارقا أن نقول الآن بأن برامج التوظيف بالتعاقد في التعليم في دول العالم الثالث ليست أمرا محمود العواقب. فالتجارب أعلاه تُظهر بما لا يدع مجالا للشك بأنها قرارات كيشوتية لا تراعي طبيعة هذه الدول التي تفتقر إلى المؤسسات الديمقراطية المكلفة بالمراقبة والحكامة. فبدءا بمباريات دخول المهنة التي تعرف فسادا مهولا، مرورا بشروط العمل المهينة، وصولا إلى أداء المدرس المتعاقد ونتائجه، تؤكد كل هذه العوامل بأن الإقدام على خطوات مماثلة دون اعتبار مآلات هذا القرار لا تُعدّ إصلاحا جادا.

لقد فطنت كمبوديا مبكرا بطبيعة المشاكل التي يطرحها البرنامج على المستوى البعيد إضافة إلى إكراهاته الحالية، ولم تتردد في الحسم معه نهائيا على الرغم من تكاليف برنامجها الجديد الهادف إلى الرفع من جودة تكوين الأستاذ وتهيئة شروط طمأنينته وراحته في أداء مهامه.

ذ.منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.