fbpx

الأستاذ المتعاقد: التجربة المغربية (3)

أتينا في بضع مقالات سابقة على أسباب لجوء بعض الدول إلى التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم. وأجملنا الأسباب في بضع عوامل منها:

  • الانفجار الديمغرافي الذي يفرض على الدول إقرار إجراءات عاجلة للتعامل مع نسب تسجيل التلاميذ التي تتزايد سنويا باطراد.
  • حاجة الوزارات الوصية في المجال إلى التعامل السريع مع غياب بعض الأساتذة لأسباب صحية أو خاصة.
  • تبرم خريجي الجامعات من العمل في القطاع العمومي نظرا لضعف التحفيز المهني.
  • إقرار الدولة لتوصيات المؤسسات الدائنة التي تقضي بالحد من الإنفاق العمومي[1].

لنتفحص إذا أيا من العوامل التالية ساهمت في إقرار برنامج التوظيف بموجب عقود في المغرب:

عرف المغرب زيادة ديمغرافية مهمة في الفترة ما بين 1960 و1982 بمعدل زيادات قدره 2,8% سنويا. واستمرت نسبة الزيادة على وتيرتها حيث سجلت، حسب إحصاء سبتمبر سنة 1994، ما مقداره 26.073.717 نسمة، والذي لم يتجاوز سنة 1982 نسبة 11.626.000 نسمة، ليرتفع العدد إلى 33،848،242 نسمة، حسب إحصاء سنة 2014[2]. تشير هذه الأرقام إلى زيادة مهمة في نسب الولادات، وهو ما يعني أهمية انتباه الدولة إلى ضرورة مواكبة التغيرات الديمغرافية المذكورة. فهي المسؤول الأول والأخير عن التخطيط وتوفير التمدرس لهذه الفئات المتزايدة. هذا فيما يخص السبب الأول لتبني الدول لبرنامج التعاقد كحل لسد حاجيات ناشئتها التعلميّة.

أما فيما يخص السبب الثاني والثالث، فأعتقد أنه لا يهم وضع المغرب. لم تتبنى الحكومة برنامج التعاقد لتعويض الأساتذة المتغيبين، بل عادة ما تتبع إجراءات أخرى كتكليف أساتذة آخرين بأداء مهام المتغيبين مؤقتا في حال طال غيابهم. كما أن نسب الإقبال على الوظيفة العمومية في القطاع لا تعرف تغيرا، بل يعتبر التعليم في المغرب، والقطاع العام عموما، أحد أنشط أسواق التشغيل في البلد.

أما السبب الرابع أعلاه فيهم شروط القرض التي تفرضها المؤسسات المالية الدائنة على الدول التي تلجأ إليها. ومن أجل توضيح هذا الشأن، سنعود زمنيا إلى العقود الأخيرة من القرن الماضي التي شهدت اقتراض الحكومات المغربية من مؤسستي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

كانت أولى القروض التي استدانتها حكومة المعطي بوعبيد عن حزب الاتحاد الدستوري، وأكملت برنامجها حكومة التكنوقراطي محمد كريم العمراني، من المؤسستين الماليتين المذكورتين أعلاه سنة 1983. نصت شروط برنامج الإصلاح الذي اقترحته المؤسستين على ضرورة:

  • تراجع الدولة عن رفع الأسعار على المنتجات الاستهلاكية.
  • تحرير الصادرات بغرض الرفع من تنافسية الشركات المحلية
  • تشجيع التصدير
  • تشجيع الاستثمار الأجنبي
  • خوصصة الملك العمومي

أثرت القرارات المذكورة على قطاع التعليم بشكل سلبي إذ تضمنت:

  • الدعوة إلى خوصصة التعليم وإشراك القطاع الخاص في تمويله[3]
  • تشجيع برامج ومؤسسات التكوين المهني
  • تشجيع إحداث المدارس الخاصة
  • حجب نصف المنحة عن التلميذ المكرر للمستوى الدراسي
  • تعليق الاستفادة من منح الدراسة بالخارج
  • حصر استفادة الطلبة من استكمال دراساتهم الجامعية في فئات “يحتاجها سوق الشغل”

أدى فرض الشروط المذكورة من قبل الدولة على الفئات الشعبية المعنية الرافضة للبرنامج إلى مواجهات دموية بين النظام والمحتجين على الوضع.

بعد ذلك سيدخل القطاع في دوامة لازال يعيشها إلى حدود اليوم. كانت إحدى الآثار المباشرة الأولى التي مست غصبا فئة الأساتذة انخفاض رواتبهم بنسبة18% في الفترة ما بين 1983 و1986. وبعد الأزمة الاقتصادية التي عرفها المغرب سنة 1995، وعلى الرغم من إتمام المغرب لشروط المؤسسات الدائنة المجحفة، ولو على حساب فئات واسعة، اجترحت حكومة عبد الرحمان اليوسفي سنة 1999 برنامج توظيف فئة جديدة من الأساتذة يُعرفون اليوم ب “العرضيين” و “أساتذة سد الخصاص”. أتى البرنامج نتيجة لارتفاع نسب الخصاص، وعجز ميزانية الدولة عن توفير مناصب مالية جديدة. وضمت الفئات المذكورة عددا يزيد عن 4700 أستاذ لم يتعد راتب الفرد الشهري منهم مبلغ 1800 درهم، كما لم تسوّ وضعية بعضهم حتى سنة 2012، بينما تم التخلي عن البعض الآخر نهائيا.

خلال سنة 2015 سينكشف مشروع حكومة عبد الإله بنكيران القاضي بطرح برنامج توظيف جديد يدعى “التوظيف بالتعاقد أو بموجب عقود”. تقول وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية التي كان يرأسها الوزير عن حزب الحركة الشعبية محمد مبديع، على موقعها بأن البرنامج أتى استجابة للحاجة إلى

  • “تثمين الرأسمال البشري، وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن وتطوير الحكامة والتنظيم بالإدارة العمومية”. وضم المحور الأول للإصلاح المقترح مشاريع تهم الموارد البشرية التي ستدخل قطاعات الوظيفة العمومية بناء على مقررات البرنامج الجديد،
  • وبالأخص إسناد مهام الوظيفة العمومية لأطر تتوفر فيهم “الكفاءة والخبرة والتخصص” للرفع من جودة الخدمات التي تقدمها و
  • ·       “إعادة الثقة بين المواطنين والإدارة”. وشكلت إعادة الثقة بين الإدارة وخدماتها العمومية والمواطن محورا أساسيا في الإصلاح الجديد، بحيث نصّت على رغبة الوزارة الوصية، على الورق على الأقل، في “الرفع من أداء الإدارة والارتقاء بها إلى مستوى النجاعة والفعالية والمردودية”.
  • كما هم البرنامج شق الحكامة الذي نص على ضرورة تخليق المرافق العمومية لتجاوز مشاكل الرشوة والمحسوبية والزبونية، ونص كذلك على إشراك “مختلف القطاعات العمومية والفرقاء الاجتماعيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص.”

كان هذا هو الإطار العام الذي قدمت به الوزارة برنامجها لإصلاح الوظيفة العمومية، وهم محور التعاقد الأساس توفير الإدارات العمومية لأطر ذات كفاءة ومهارة عالية ستوظفهم بشكل مؤقت لتنفيذ مهام مؤقتة تحتاج للكفاءة والمهارة المطلوبتين.

لنتفحص كل طرح على حدا، ولنقتصر على نموذج التوظيف بالتعاقد في قطاع التعليم، وهو القطاع الذي شهد محاولة الدولة الأولى في فرض التوظيف بالتعاقد.

ما الذي قصدت به وزارة مبديع إذا بتثمين الرأسمال البشري؟ يعني تثمين الرأسمال البشري في المعجم الاقتصادي تثمين قيمة القوى البشرية العاملة لدى نواة اقتصادية، وذلك عبر التوجيه والتكوين والتطوير، أي عبر توفير التأطير اللازم لنجاح مشاريع هذه النواة وتحقيقها للأهداف والغايات المرجوة منها. بينما أقدمت وزارة التربية الوطنية باسم أكاديمياتها على توظيف الفوج الأول من المتعاقدين، وعددهم يناهز 11000 أستاذ دون تكوين ودون مهارات تدبير التعليم والتعلم الأساسية. لكن الحكومة ستتدارك الأمر في النظام الأساسي الصادر سنة 2018 لتؤكد على ضرورة خضوع الأساتذة المرشحين الناجحين في الانتقاء الأولي وفي امتحان ولوج مراكز التدريب لمدة تكوين لا تقل عن 7 أشهر متوالية.

أما بنود عقد العمل أو “عقد التعاقد” 3 و10 و13 الذي يجمع الأكاديميات بموظفيها الجدد فتنص على الحق المطلق للأكاديميات المشغلة في “فسخ العقد دون إشعار المتعاقد ودون حقه في المطالبة بأي تعويض”. يوضح هذا مدى الفجوة التي تفصل مشاريع الإصلاح عن سبل تفعيله على الأرض، وهذا في الغالب الأعم، اللهم إلا إذا استثنينا سوء تدبير الميزانيات المالية ونهبها، سبب فشل كل إصلاحات القطاع التي نادى بها المهتمون به منذ استقلال البلد.

أما الهدف الثاني من البرنامج فكان “إعادة الثقة بين المواطن وبين الإدارة العمومية وخدماتها”. لكن عن أي ثقة تتحدث الحكومة إذا، بينما زجت ب 11000 موظف دون تكوين ودون إقرار رسمي بضرورة المصاحبة للموظفين الجدد لاستئناسهم بأجواء العمل واستفادتهم من خبرات زملائهم أو مرؤوسيهم أو لجان تربوية تُكلف بهذه المهمة من أجل هذا الغرض. كيف يتحدث برنامج التوظيف الجديد عن إعادة الثقة إلى علاقة المواطن بالإدارة بينما يعيش الموظف المكلف بمهمة استعادة الثقة المذكورة خوفا دائما من تقارير المسؤولين المباشرين عنه، والتي قد تعصف بمنصبه في أي لحظة “دون إشعاره أو حقه في المطالبة بالتعويض”.

نص العقد أيضا على ورود إمكانية استمرار الأستاذ المتعاقد في أداء مهامه بعد نجاحه في امتحان التأهيل المهني، بحيث سيتم تجديد العقد تلقائيا إلا في حالة رغبة المتعاقد في فسخ العقد. بعد مرور سنتين ونيف على العقد الأول، وهي المدة التي لم تقدم فيها الحكومتين عن حزب العدالة والتنمية والأحزاب المتحالفة باسم الوزارة الوصية، التي شكلت إدارتيْ بنكيران والعثماني وأكاديميات الدولة المشغّلة، صيغة اجتياز الفوج الأول لهذا الامتحان. بل ستُقدم هذه الأخيرة ملحقا للعقد مع بداية الأسدس الثاني للموسم الدراسي الحالي، والذي طالبت الأساتذة بالتوقيع عليه لضمان استمرارهم في وظائفهم في أفق اجتيازهم لامتحان التأهيل المذكور.

كيف يمكن لبرنامج صمم لتوظيف خبراء ذوو كفاءة وخبرة ومهارة لأداء مهام يتعذر أداؤها على الإدارة العمومية في حدود مواردها شرط ألا تتجاوز مدة العقد سنتين قابلتين للتمديد مرة واحدة بترخيص من رئيس الحكومة، أو لتوظيف أعوان لأداء مهام مؤقتة بنفس الشروط المذكورة آنفا، كيف يمكن تفعيلها في قطاع حساس يحتاج موظفوه إلى شروط الأمان الوظيفي لأداء مهامهم كما ينص على ذلك برنامج الإصلاح الجديد “الرؤية الاستراتيجية 2015-2030″: المدرسة الجيدة للجميع”.

وعلى الرغم من أن مرسوم التوظيف بالتعاقد الذي وقعه وزيرا الاقتصاد والمالية والوزير المنتدب المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة محمد بوسعيد ومحمد مبديع ينص في المادة 20 منه على أنه “يحق لرئيس الإدارة المعنية (بالتوظيف بالتعاقد) إنهاء عقد التشغيل خلال سريانه، شريطة إخطار الخبير أو العون بذلك شهرا على الأقل قبل التاريخ المقرر لإنهاء العقد” وأن “من حق الخبير أو العون المعني أن يستفيد، في هذه الحالة، إذا قضى مدة لا تقل عن اثني عشر (12) شهرا من الخدمة الفعلية بالإدارة المعنية، من تعويض يحدد مقداره في أجرة شهر واحد”، على الرغم من هذا إلا أن الأكاديمية المشغلة، كما أسلفت، غير ملزمة بإشعار الأستاذ بفصله عن منصبه، كما لا يحق له المطالبة بأي تعويض.

أما فيما يخص الإطار القانوني الذي يُوظف بموجبه المتعاقد، ويعمل بشروطه، ويُصرف عن عمله بشروطه، فقد تم التطرق إليه فيما يسمى ب “النظام الأساسي الخاص بأطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين”، وقد نص النظام المذكور في مادتيه 2 و4 عن جِدّة النظام والعمل في إطاره بالنسبة للفئة المعنية، أي الأساتذة المتعاقدون.

من البديهي أن الأمان الوظيفي شرط أساسي لجودة الأداء المهني. أما تثمين الرأسمال البشري، في الصيغة التي قدمها مبديع فتعني حصرا الحجر على حقوق الموظف الإنسانية الأساسية. لا زالت الدولة، رغم ما تتحجج به من كونها تعمل رفقة فعاليات أخرى تشاركها المسؤولية على القطاع مسؤولة أما المواطن اليوم. وإلا فكيف تفرض الضرائب وتشط في جمعها بينما يتم تبذيرها دون مراقبة مؤسسات الحكامة، أو ربما في حضورها الباهت الذي لا يسمن ولا يغني. نعي اليوم بأن منحى السياسات العالمية هو تغول اليمين المتطرف الذي يريد أن ينزع عن الدولة جوانب مسؤولياتها أمام من ينتخبون مشرعيها وحكوماتها ودافعي ضرائبها. ونعي بأن المنحى الغالب هو أن الدولة ستصبح، على شاكلة التمييز الذي يقدمه الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير، جهازا قمعيا محضا، هدفه حماية الأثرياء من سُخط المعدمين. لكن مسؤولية الدولة ومهامها في التشريع والتنفيذ والمراقبة تبقى قائمة، وعليه فإنها ملزمة بالجواب عن أسباب تدهور وضع المدرسة المغربية، والتراجع الحاد الذي تعرفه جودتها، والتسيب الذي تعيشه مؤسساته التعليمية. على الجميع أن يضع بالحسبان بأن الخاسر الأكبر من عناد الدولة وتحايلها على فئات الموظفين العموميين هو الوطن، هو الأرض وأهلها ومسؤوليها الذين يهدرون الفرص تلو الفرص في قيام ديمقراطية حقة، تقوم على تحقيق تطلعات كل فئاتها، وخاصة المستضعفة منها.

على سبيل الختم، كانت عدة دول، ومنها الهند وكمبوديا ودول إفريقيا الغربية، سباقة إلى طرح برامج التوظيف بالتعاقد. وأقرت الدول المذكورة هذه البرامج بناء على العوامل المذكورة أعلاه: أي عامل الانفجار الديمغرافي، وإملاءات المؤسسات الدائنة، وازدياد نسب الخصاص في ظل عجز هذه الدول عن توفير مناصب مالية جديدة. لكن سرعان ما أعلنت جميعها عن فشل هذه البرامج. ويعود ذلك إلى صيغ التعاقد المجحفة في حق الموظف المكلف بمهمة مفصلية، وهي تفعيل برامج الإصلاح. بل زج التعاقد في بعض هذه الدول بالقطاع في ممارسات مشينة كارتشاء المسؤولين في منح المناصب عوض التباري النزيه عليها، واستغلال بعض الأطر التربوية لهشاشة وضع الأستاذ وتكليفه بمهام تتجاوز مهمة التدريس تحت طائلة تهديده بالفصل، كما أدى الوضع المالي لبعض الأساتذة بهم إلى تقاسم رواتبهم مع أشخاص آخرين ونهجهم سياسة التغيب وأداء وظائف موازية لعملهم كمدرسين لتأمين قوتهم. كانت كمبوديا إحدى الدول التي اختارت، بعد تجربة قصيرة لبرنامج التوظيف بالعقدة، التخلي عنه نهائيا وإدماج الفئات المعنية في سلك الوظيفة العمومية. أتى قرار الدولة هذا رفعا لهشاشة فئة الموظفين التي أثارت ممارساتها حفيظة أولياء أمور التلاميذ مما عجل بإنهاء البرنامج. لقد أصبح التعاقد مصدر نقمة شعبية في هذه الدول، نقمة أصبحت تهدد استمرار القطاع في أداء مهامه، بل تهدد السلم الجماعي بهذه الدول.


[1]–هذه بشكل عام الأسباب التي دفعت معظم الدول التي تبنت برامج التوظيف بالتعاقد إلى إقرار هذه البرامج. انظر YaelDuthilleu. Lessons Learnt in the Use of Contract Teacher. UNESCO and IIEP. Paris: UNESCO. 2005

[2]-انظر موسوعة المعرفة على الإنترنت. “ديمغرافيا المغرب”.

[3]-انظر World Bank. Report and Recommendation of the President of the IMF on a Propose Structural Adjustment Loan to the Kingdom of Morocco. Nov. 8, 1988.

  • منادي إدريسي عبد الباسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.