الأرض بين الارتباط والتهميش

نحِنّ كثيرا إلى ماضينا. يأخذ بنا الحنين أكثر، فنفكر فيما كنا عليه، كيف كان ارتباطنا بمنزلنا الأول، بالناس الذين زارونا وتقاسموا معنا حكاياتهم وأجزاءً من حيواتهم، كيف كان ذوق ماء العين التي كنا نغترف منها ونملأ بمائها أوانينا، أي حبة تين نفضل، من أي شجرة هي الأطيب؟
إنه الارتباط. نحن شعب معروف بعلاقته بالأرض عبر التاريخ. لكن أتستطيع هذه العلاقة والارتباط أن يصمد في وجه زحف الحضارة وزحف النقد والعملة؟ أقادر هو أن يصمد في وجه سياسة تساند زحف الاثنين وتدعم الهجرة وتحاول قدر الامكان أن تنجح في فك هذا الارتباط  وتختصره في ارتباط المواطن  بمفتاح باب شقة قد يمتلكها؟
لا أعرف، لكني أعرف أن الإنسان يتطور والأشياء تتغير وكذا الارتباط.
حدثني صديق عن جده وهو يخاطب ويلوم أبناءه بهذه الكلمات:
– ماذا يعني لكم العز؟ ماذا تعني لكم الرجولة؟ وأنتم؟ أتحسبون أنفسكم رجالا؟ ماذا يعني الرجل بلا منزل وبدون أرض؟ ربما لن أستطيع بفعل المرض وسني هذا الذي بلغته أن أزوره أو حتى أراه، لكنه منزلي أنا، وأنا لن أغفر لنفسي أن أسمع عنه أنه قد انهار. يجب أن تصلحوه وإن لم تريدوا ذلك يا أولادي، فسأكلف أنا من يذهب ليرممه. سادافع عنه ما دمت حيا كي يبقى واقفا شامخا.
إنها صورة معبرة جدا عن الحركة والديناميكية التي تعرفها “بديهية” ارتباط الانسان الامازيغي بالارض.
صورة جَدًّ مرتبط بأرضه التي منها يستمد حق وجوده ويجد مصدر عزه وكرامته وصورة لأبنائه الذين يسكنون شقة في مدينة وليس لديهم أي ارتباط بالارض. وأكثر من هذا فهم يرون ترميم منزل قروي لا تسكنه، ضياع للجهد والثروة فقط ولا يعود بأي نفع يذكر.
ماذا يعطيك؟ أيعيلك؟ أيدفع لك ثمن الكراء؟
إن “النفع” مقياس عالمي ويحدد في الكثير من الحالات قيمة الأشياء. هذه الأشياء التي إن عادت بالنفع علينا فتجدنا نهتم بها، وإن كان الامر على غير ذلك فنهملها ونحاول التخلص منها.
في ظل السياسة المنتجة للعوز والجهل والإنسان اللامرتبط يظل النفع مختزلا في الماديات وملء البطون فقط،، فيندثر الجمال والحس به، تتلاشى الذاكرة والوعي بها. حتى اللغة عادة ما تلقى تهديدا بنفس المصير وتكون النتيجة إنسان منسلخ شبه منفصم،  وتبقى الطبيعة والإرث الإنساني في محيطه عرضة للدمار والتخريب.
أتذكر حديثا دار بين ابن وأب في حضوري:
– أعرف أن أرضنا خصبة وتعطي لنا كل ما هي قادرة عليه، لكن عملية حسابية بسيطة ستظهر أنها لا تستحق كل هذه الجهد والمجهودات. اِجمع محصول الزيتون واللوز والتين والعسل والبطاطس والقمح وكل ما تنتجه تربتها. انقص منها ما تكلف خدمتها وانقص تبن الحمير وساعات عمل كل الذين يعتنون بها طول السنة. سترى أن الإعتماد على الأرض تجارة مفلسة. أبي أنت مسن الآن، ارتح وتمتع بما تبقى لك من أيام، كل ما تحصل عليه من تلك الأرض.. في السوق يوجد أكثر.
لا يقتصر الارتباط  بالأرض على الفلاحين الذين يخدمونها، كم من تلميذ يعرف أسماء النبت الذي تخصب به الارض؟ كم منهم يعرف أسماء جغرافيتها؟ إنما المعرفة هي أيضا اهتمام وجزء نوعي من هذا  الإرتباط. هذا المفهوم الذي يعرف تحولا مهنا مع تطور المجتمع
هل نحن فعلا مرتبطين بالأرض؟ أين يتجلى هذا؟ ماذا قدمنا لها، ماذا أنفقنا عليها؟ إنها أسئلة جزافية وبلا معنى يذكر.
”ماذا يعني لكم العز؟ ماذا تعني لكم الرجولة؟ وأنتم؟ أتحسبون أنفسكم رجالا؟ ماذا يعني الرجل بلا منزل وبدون أرض؟”
جد صديقي سيغادر عاجلا أم آجلا هذه الحياة. منزله لن تجد من يرى أنها تستحق الترميم فتتهاوى ونبقى نتذكر الجد بأسئلته التي سنرقي بها مع الزمان ونضعها في دار الحكمة. الى ذلك الحين سنكتفي بالأسئلة الأخرى:
– كم يساوي الرجل؟
– ما في حفيظة ماله
– وكم تساوي المرأة؟
– كم تساوي؟ إنها امرأة
– كم تساوي الأرض؟
– كم يدفع؟
– كم تساوي هويتك؟
– من يدفع؟
إنها محنة الوطن وكلنا مشاركين فيها، فنمد ايدينا ونساعد التهميش ليتفشى.

أنا مهاجر مغربي وأزور الوطن غالبا مرة أو مرتين كل سنة. أحب منه السواحل وأروقة المدينة. أما تلك القرية التي انحدر منها وتٌكوّن طفولتي وجزءا مهما من ذاكرتي، فالغبار قد تكدس على صور منها وأكاد أنسى الآن حتى ملامحها…تلك القرية تكاد تمحي من ذاكرتي وهي لا تزال هناك موجودة… فقيرة ..مهمشة … وصامدة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.