الأحزاب البرلمانية والمحكمة الدستورية: توافق من اجل الوطن أم تقاسم للغنائم

محمد ادامغار

 

اختارت الأحزاب البرلمانية “بالتوافق”مرشحي مجلسي البرلمان الستة لعضوية المحكمة الدستورية بعد جلسة انتخاب”صورية”، ومن خلال تتبع هذه العملية يمكن تسجيل أربع ملاحظات أساسية و سريعة :

أولا :الدستور ينص في فصله 130  “…وستة أعضاء يُنتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس، وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس.”، وهو نفس ما أكد عليه القانون التنظيمي رقم 13-066 في مادته الأولى حيث نص على انتخاب مجلسي البرلمان لستة أعضاء. والواقع أن تدبير مكتبي مجلس البرلمان والأحزاب المشكلة له لعملية الترشيح، جعلتنا عمليا أمام انتخاب “صوري”ما دام تم تقديم فقط 6 مرشحين للتباري على 6 مقاعد.

ثانيا :الأحزاب والبرلمان كانت بعيدة عن منطق مقاربة النوع ومطالب المناصفة والمساواة بين الرجل والمرأة، من خلال إصرارها على تقديم 6 مرشحين ذكور وتغييب أي مرشحة.

وان كنا نسجل أن الصيغة الأولى لمشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية المصادق عليه من طرف البرلمان قد نصت على تمثيلية النساء إلا أن المجلس الدستوري قضى في قراره رقم14/943  بعدم دستورية الفقرة الرابعة من المادة الأولى من القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية لكونها تتضمن تحديدا مسبقا لتمثيلية النساء داخل المحكمة الدستورية، الأمر الذي اعتبره مساسا بتصدير الدستور الذي يشير إلى حظر كل أشكال التمييز بسبب الجنس، والذي يتنافى والصيغة الواردة في الفقرة الثانية من الفصل 19، على اعتبار أن كل وسيلة لتحقيق المناصفة سيخل بمبدأ حظر أشكال التمييز بسبب الجنس.

ثالثا :الأحزاب اختارت أعضاءها فقط ولم تنفتح على فعاليات حقوقية وأكاديمية و خبراء قانونيين مستقلين من خارج الأحزاب أو حتى من خارج أعضاء أجهزتها القيادية.

وخلافا لما نص عليه الدستور “يختار أعضاء المحكمة الدستورية من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة.”فانه من بين الأعضاء الستة الذين”انتخبهم” البرلمان فقط عضو واحد هو المتوفر على الدكتوراه في القانون، بينما لم يتجاوز الخمسة الآخرون مستوى الإجازة ، إلا إذا كانت الأحزاب البرلمانية تعتبر الإجازة تكوينا عاليا في مجال القانون .

كما يمكن أن نطرح سؤالا أخرا حول كيفية تقييم تحقق الصفة المطلوبة دستوريا

” المشهود لهم بالتجرد والنزاهة” التي تبقى شرطا ذا طابع عام يصعب تقييمه خاصة في مجال السياسة الذي يميزه تضارب المصالح وتنازعها.

– رابعا :لتمرير توافقاتها المسبقة لجأت الأحزاب البرلمانية إلى تبادل التصويت بينها، بشكل انمحت معه كل الاختلافات الايديولوحية والسياسية التي ميزت خطابها السياسي خلال الفترة السابقة، كما انمحت الفوارق معارضة / أغلبية. وكل ذلك تحت غطاء المصلحة العليا للوطن، وضرورة التوافق لبناء المؤسسات الدستورية، فهل كان الأمر كذلك فعلا أم أن القضية كانت فقط تقسيما للغنائم تحت شعار”عطيني نعطيك” ؟

ذلك انه لو كان توافقا من اجل الوطن في عمقه، لعملت الأحزاب أولا على مراعاة مقاربة النوع، وثانيا الاحتكام لمعيار الكفاءة العلمية والتجربة المهنية، قبل أي حديث عن الانتماء الحزبي الضيق.

فهل نحن أمام أحزاب لم تستوعب طبيعة التحول الذي عرفه مجال الرقابة الدستورية في المغرب من مجلس إلى محكمة ؟
ومتى تستطيع النخب المتحكمة في الأحزاب البرلمانية أن تفهم انه في لحظات معينة عليها أن تنتقل من الحسابات “السياسوية”الصغيرة إلى منطق السياسة الوطنية الكبرى ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.