اكتشاف عظيم.. حميد زيد ناقدُ روائيُ كبير

“الرواية والقصة هي أن تحكي، هي أن تعثر على حكاية، وتتقن حكيها، فهاهم كتاب مغاربة، يحكون لنا، وعلينا أن نقرأهم ونعترف أنهم خلصونا من كل تلك الرتابة ”
هذا التعريف قدمه الكاتب الصحافي والشاعر حميد زيد للجنسين الأدبيين: الرواية والقصة، في مقاله على موقع كود “كريمة وبوجمعة، سقراط، مسعودة! ماذا قلتم؟ هل أخيرا بدأ المغاربة يكتبون أدباً مغربياً“، والمقال أساساً أتى في سياق دفاعه عن الموقع وما ينشره من “أدب مغربي” كما أسماه، مثل “رواية” مسعودة و”مذكرات” سقراط وكريمة وبوجمعة…
مع هذا التعريف اكتشفتُ أنني أضعت العشرات من الروايات لم أدونها، حكايات جدتي، وحكايات جدي، وحكايات “عما ميغيس” “ومولاي احمد” و حكايات “روازنة” وحكايات “عمي الموستاش” وحكايات جاري الستيني الذي يُدخّن الكيف ولا يتوقف عن الحكي، يحكي لك ما شئت من القصص فيها الفانتازيا وفيها ما هو تخيلي وفيها ما هو واقعي، حتى أنني عندما أُنصت إلى حكاياته أتسائل:” هل كذب، هل حقيقة، وهذا هو اللبس الذي يخلق القصة والرواية، كأنها الواقع، كأنها الخيال..” تماماً مثلما حدثَ لحميد زيد عندما قرأ “رواية ” مسعودة، و”الأدب المغربي” المنشور على موقع كود، المهم العنصر الأساس في تعريف حميد زيد للرواية متوافر في كل هذه الحكايات، بالطبع أقصد الحكي، فهؤلاء كانوا يحكون… أضف إلى ذلك أن أمام حكايات هؤلاء لا تستطيع أن تتبين فيها أين هو الواقع وأين هو الخيال، تماما مثل “أدب كود”، لكن كان ينقصني موقع “كود” والناقد الحصيف حميد زيد حتى أفعل ذلك… الآن سأفعل بكل تأكيد…سأكتب روايات كثيرة، وربما سأنشئ موقعا الكترونيا ليستوعب رواياتي التي سأكتب…شكراً حميد زيد، أنت الاستثناء في بلد الاستثناء، الذي أنقذ الأدب المغربي من التحجّر والجمود، فلولا خفتك لظللنا -لا سامح الله- أسرى أدب متكلّس..
جميل، نحن فعلا بلد الاستثناء، حميد زيد بجرّة قلم أو بالأحرى بنقرة زرّ، استطاع أن يجابه ويتفوق على نقاد عالميين أفنوا عمرهم المعرفي في دراسة جنس الرواية، وبالتخصيص السؤال النقدي حول ماهية الرواية، فنقاد مثل ميخائيل باختين، امبيرتو ايكو، وجيرار جينيت، وبول ريكور، وميشال بوتور … وغيرهم كثير، وجه إليهم حميد زيد ضربة قاصمة أفحمتهم بالدليل، وأظهرتهم أنهم مجرّد تلامذة كسالى، قبل أن ينقذهم بجملة جامعة مانعة “الرواية هي أن تحكي” وكفى النقاد شرّ الجدال مع وجود عبقرية حميد زيد… كيف لهؤلاء السذج لم يخطر على بالهم هذا التعريف الخطير… وكم كان باختين ساذجاً وهو يتحدث عن “ملحمة البورجوازية”، وكم كان الناقد  ميشال بوتور غرّا وهو يُنظّر للرواية الجديدة بكلام غليظ.، ونسي أن “الرواية هي أن تحكي”…
فعلا لا مكان لنبي في وطنه، لو كنّا شعبا يعتز بجهابذته لافتخرنا بعبقرية حميد زيد التي أسقطت بالضربة القاضية كلّ أسئلة الرواية…”ولو ظهر عمل كهذا في فرنسا مثلا لكان حدث الموسم” أقصد اكتشاف حميد زيد، تماما مثلما قال في مقاله الرصين وهو يتأمل سحر “روايات” مسعودة، وسقراط، وبوجمعة وكريمة..
لكن لأننا شعب لا يؤمن بطاقات أبنائه لن نهتم بهذه النقلة الجمالية الخطيرة التي أحدثها حميد زيد في أحد أهم وأخطر الأجناس الأدبية التي لم تشغل النقاد والروائيون فقط بل شغلت حتى الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس…
فقط الآن على عاتقنا مهمة لا بد من أن نتجنّد لها جماعات وفرادى، وهي علينا أن نتجند جميعا لتدوين كل ما يُحكى ويُتقن حكيه، حتى نحسن نسل رواياتنا لنفاخر بها الأمم.. .
وعليه، فمن له “حكاية” أو “قصة حياة” أو “المهم شي لعبة تكون قائمة على الحكي”، عليه أن يكتبها ويدونها، فالتعبير هنا لايهم المهم أن تحكي، ثم عليك أن تستحضر تعريف حميد زيد للرواية وتعريفه للأدب المغربي، واخلط هذا كله واعجنه باتقان، واسحب كتابا فقد صارت عندك رواية. رُفعت الأقلام وجفت الصحف.
شكرا لموقع كود، الذي قدّم لنا ناقداً عظيماً، وقدم لنا أيضاً روائيون عظماء قادمون بقوة، سيصبح معهم المنجز السردي لشكري وزفزاف وأنقار والخمليشي..وغيرهم أثر بعد حين، فهذا الأدب الذي يكتبه هؤلاء المسمون زورا وبهتاناً كتابا مغاربة كبار، لا علاقة لهم بالمغرب:”حتى الكتاب المغاربة “الكبار” والمكرسون يكتبون للعرب وليس للمغاربة، لا أثر للحياة المغربية في رواياتهم، يمرون على المغرب لكنك لا تشعر بالتجربة، لا تشعر أنهم موجودون معنا، ينظرون من فوق، أخذتهم اللغة العربية وظنوا أنها الرواية، لا أحد منهم يلتقط الروح المغربية لا أحد تشعر أنه يعيش في حي مغربي“، يقول حميد زيد في مقاله، لكن السؤال الذي حيّر علماء الكيمياء هو كالآتي: هل قرأ “الناقد” حميد زيد أية رواية لشكري أو زفزاف، أو أنقار، أو الخمليشي.. ولا غي داوي اوصافي.. إن لم يفعل فليقرأ قبور في الماء، المرأة والوردة، بيضة الديك، السوق الداخلي، الخبز الحافي، زمن الأخطاء، باريو مالقا، حارث النسيان… وغيرها كثير، فكلّ هذه الروايات تحس بمغربيتها منذ أول كلمة فيها حتى نهايتها، ومكانها هي أحياء الهامش في مدن المغرب وقراه، وموضوعاتها مرتبطة بشكل دقيق بكل ما هو شعبي و”تحتي” ولا علاقة له بما هو “فوق”،لكن يبدو أن حميد زيد لا يعرف من الرواية المغربية إلاّ روايات عبد الكريم غلاّب..

اشارة أخيرة: ليس مشكلاً أن تفتح المواقع الالكترونية وباقي وسائل الاعلام المجال لشباب يكتبون باللغة التي تناسبهم، ويكتبون ما يناسبهم، لكن أن يدرج كلّ هذا تحت يافطة الأدب، الأدب المغربي خصوصاً، وجنس الرواية تخصيصاً، فأظن أن هذا استسهال يُؤدي إلى اسهال خطير، وغالبا ما يبحث هذا الاسهال عن تبرير نفسه بكون أن الأدب الجديد والابداع الجديد دائما ما يكون محط عدم قبول في بداية الأمر، وهو أمر صحيح، وهو ما يشهد به تاريخ الابداع العالمي، لكن عليه أن يكون ابداعاً أولاً وإلاً صارت هذه القاعدة مدرّة للاسهال لا غير.

تنويه: ما هو مكتوب باللون الأزرق مأخوذ من مقال الزميل حميد زيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.