افتراضات من ترشح بوتفليقة لولاية رابعة

  إن المادة 74 من الدستور الجزائري لسنة 1996 تنص على أن: ‘‘مدة المهمة الرئاسية خمس سنوات؛ يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة فقط.’’ غير أنه في 12 نوفمبر 2008 أقر البرلمان الجزائري، بشبه إجماع، مجموعة من التعديلات التي اقترحها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهي التعديلات المتضمنة في قانون رقم 19-08 المؤرخ في 15 نوفمبر 2008. ومن هذه التعديلات، التعديل الذي استهدف المادة 74 من دستور 1996 المعدلة  بالمادة4 من القانون رقم 19-08، وجاء التعديل كالتالي:‘‘مدة المهمة الرئاسية خمس سنوات؛ يمكن تجديد انتخاب رئس الجمهورية.’’ وهو التعديل الذي بموجبه ألغي العدد المقيد لفترات الترشح لمنصب الرئاسة وهو ولايتين حسب المادة 74 من دستور 1996 قبل تعديلها. ما سمح للرئيس بوتفليقة الترشح لولاية ثالثة سنة 2009، ولولاية رابعة هذه  السنة، بعدما كان ذلك ممنوعا. ما يجعل هذا التعديل تطاولا وتحويرا للمادة 74 من الدستور الجزائري لسنة 1966 قبل تعديل 2008 بما يضمن لبوتفليقة الخلود في منصب رئيس الجمهورية وديمومة الكرسي، لكون هذا التعديل يشكل تراجعا خطيرا عن الاختيار الديمقراطي الذي دافعت عنه مختلف الفرقاء السياسية والحداثية الجزائرية، كما أنه يضرب مبدأ تداول السلطة عرض الحائط. فعوض تعزيز الاختيار الديمقراطي بإصلاحات تقدمية تخدم هذا الاختيار، لجأ بوتفليقة إلى عكس ذلك بإقدامه على تعديلات تراجعية وبموافقة من البرلمان في إطار ما يصطلح عليه ب‘‘ديمقراطية المقاس’’.

وقد برر الإعلام العمومي الجزائري ومن دفع بوتفليقة للترشح بأن ترشحه لولاية رابعة هو نتيجة غياب شخص يضع فيه الجيش ثقته، ما يعني أن آلية الانتخابات لا تعبر صراحة عن اختيارات الرأي العام،بل هي مجرد آلية يستأنس بها وموجهة بطرق غير قانونية لتحقق إرادة الجيش وليس الشعب الجزائري، كما أنه يستشف من هذا التبرير بأن الجيش يركز من خلال الانتخابات على الشخص لا على البرنامج الانتخابي، وبالتالي فإن الجيش ما يحتاج إليه هو الرئيس الشخص الدمية لينفذ برنامج الجيش وليس برنامج الرئيس الانتخابي. الواقع الذي يجعل هذه الانتخابات معرضة للتزوير والتحوير وبأنها لا تعبر حقيقة عن اختيارات الرأي العام الجزائري، وهو الوضع الذي دفع بأحمد بيتور إلى الانسحاب من سباق الرئاسات بقوله:‘‘فضلت الانسحاب لاقتناعي بعدم نزاهة وشفافية هذه الانتخابات، وأن قوى التزوير ستنتصر مرة أخرى، وأن صناديق الاقتراع لن تكون إلا مغالطة وقرصنة’’، كما أعلت أربعة أحزاب من قبل مقاطعتها للانتخابات لنفس السبب وهو عدم وجود ضمانات لنزاهتها.

ويطرح ترشح بوتفليقة لولاية رابعة عدة تساؤلات خصوصا إذا ربطناه بالحراك الذي ميز ولا يزال المحيط المغاربي الذي طالبت من خلاله الشعوب المغاربية القضاء على احتكار السلطة وتقييدها والإقدام على إصلاحات ديمقراطية تهم الجانب السياسي نحو التعددية والتداول على السلطة ونزاهة الانتخابات وشفافيتها، وكذا إذا ربطناه بالحالة الصحية لبوتفليقة المعتلة وكبر سنه اللذان لا يسعفانه للقيام بمهامه الرئاسية لما تتطلبه من جهود فالمسألة هي تسيير الدولة. ويمكن إجمال هذه التساؤلات انطلاقا من المشهد السياسي الجزائري المتحكم فيه من قبل الجيش في تساؤل واحد وهو: ما هي الرسالة التي يريد الجيش المتحكم في مفاصل الدولة إيصالها بدفعه لبوتفليقة إلى الترشح لولاية رابعة؟ سنحاول الإجابة عن هذا التساؤل بطرح افتراضين.

الافتراض الأول: هو أن بوتفليقة سينجح في الظفر بولاية رابعة عبر تسخير الوسائل غير القانونية لهذا الغرض، وهي الولاية التي ستمكن الجيش بسبب المرض المستمر لبوتفليقة من إعادة هيكلة نفسه وتطوير قواعده وآلياته السياسية لضمان استمراريته في التحكم في المشهد السياسي الجزائري، والإفلات من مختلف الأحكام المكونة لدى الرأي العام عن الجيش حتى يظهر في صورة المصلح والراعي الأول و الأخير للشعب الجزائري ولإرادته ولمختلف اختياراته، وكذا إجبار مختلف التيارات السياسية المعارضة على الاندماج في الواقع الجديد بوسيلة الانفراج السياسي وعلى التعامل مع الجيش كطرف لا محيد عنه في المعادلة السياسية الجزائرية.

الافتراض الثاني: هو أن بوتفليقة لن ينجح في الانتخابات الرئاسية، الوضع الذي سيمكن جنرالات الجزائر من تنفس الصعداء ومواجهة كل المشككين في النظام وفي إرادته الحقيقية  للإصلاح وكذا في مصداقية الانتخابات، وذلك ما سيمكن جنرالات الجزائر من تسويق نتائج الانتخابات على أنها عبرت عن اختيارات الرأي العام بكل حرية ونزاهة بالاستخدام الحر للمواطن للصوت الذي يملكه دون تأثير، وأن الشعب الجزائري اختار غير بوتفليقة رئيسا لكون هذا الأخير يعيش ظروف غير صحية لن توفقه لأداء مهامه كرئيس، وأن الشعب الجزائري اختار الطريقة الديمقراطية السلمية الهادئة للتغيير. وفي هذه الحالة يفترض أن يكون علي بن فليس هو الرئيس الجزائري القادم نظرا لما تقلده من مناصب سابقة، منها: الأمين العم لرئاسة الجمهورية، ثم مدير ديوان رئاسة الجمهورية، وكذا رئيس الحكومة الجزائرية (1999-2000)أي في فترة حكم بوتفليقة، إلى جانب هذا أنه مدعوم من قبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي قررت التصويت له ووجهت دعوتها لأنصارها للتصويت له كونه أكثر المرشحين نزاهة وليس متهم بقضايا الفساد. ما يعني أن علي بن فليس هو الشخص المرغوب والمتوافق عليه من قبل الجيش لكونه تقلد مناصب حكومية وسياسية مختلفة، ومن قبل مكون المعارضة المتجسد في الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي قررت التصويت له.

وفي كلا الافتراضين لا يمكن أن يمس جوهر النظام الجزائري وهو الجيش، بل يشكلان معا امتدادا أكثر قوة للجيش لكونه سيكون في صورة المقبول عند الشعب المصري ومختلف الفرقاء السياسيين. فإذا اعتمد بوتفليقة لولاية رابعة، سيعتبر المصلح المقنع، وإذا لم يعتمد سيعتبر غيره الفائز بمنصب الرئاسة نقطة بداية الإصلاح العلنية، وكلاهما لا يطبقان إلا برنامج العسكر لا غير.   

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.