استقالة الوزير الفعفاع

 صبحي بوديح

تأسس حزب التجمع الوطني للأحرار سنة 1977 بعشرات من النواب المستقلّين، وبإيعاز من السلطة التي وضعت صهر الحسن الثاني أحمد عصمان على رأس الحزب في فترة احتد فيها الصراع بين المؤسسة الملكية التي نجت من محاولة انقلابية ثانية، هذا الصراع الذي كان يزداد احتداما مع أحزاب اليسار التي كانت تنازع النظام السياسي في شرعية الحكم وتطالب بتوفير هامش أكبر من الديموقراطية.

منذ فترة التأسيس إلى الآن لم يملك هذا الحزب قرارا حزبيا مستقلا، بل كان يتماهى مع اختيارات النظام السياسي الذي كان يضبط من خلاله مجموعة من التوازنات التي تساعده على ضمان استمراريته عبر تسويق صورة ممسوخة للتعددية الحزبية من خلال التجمع الوطني للأحرار أو أحزاب أخرى تم تشكيلها لضبط نفس التوازنات.

ويعتبر صلاح الدين مزوار شخصا مغمورا جدا في التجمع و في الحياة السياسية ككل، لكن نجمه لمع من خلال بعض المنابر الصحفية “الموجهة” بعد أن قاد ما يسمى بالحركة التصحيحية داخل الحزب وتمكنه من إزاحة مصطفى المنصوري من أمانته العامة وفق سيناريو كان محضرا سلفا في مطابخ المتحكمين في القرار السياسي وفي مجموعة من الاطارات الحزبية التي تفتقد لأجهزة حزبية تصنع قراراتها عبر أجهزتها التنظيمية.

وبعد تمكين مزوار من الأمانة العامة للأحرار توالت عليه مجموعة من التعليمات التي لم يتوان في أجرأتها والتي ابتدأت(التعليمات)بالمساهمة في تأسيس الائتلاف الحزبي المعروف ب (فرقة G8)، وتوليه بعد ذلك لمنصب وزارة المالية في حكومة عباس الفاسي، والتي ختم مساره في هذه الحقيبة الوزارية بفضيحة مقايضة التحفيزات بينه وبين الخازن العام للمملكة، بعد ذلك سيفرض صلاح الدين مزوار للمرة الثانية على حكومة عبد الاله بنكيران -الذي تبادل وإياه أقدح النعوت- كوزير للخارجية بعد إزاحة العثماني من هذه الوزارة، أولا لضعف ثقة القصر في العدالة والتنمية ليطلع على خبايا السياسة الديبلوماسية للأيالة الشريفة وثانيا للإستمرار في توزيع الريع الديبلوماسي على العائلات المقربة من دوائر الحكم …هذه الوزارة التي ختمه مساره فيها بفضيحة ثانية تتجلى في ( إغناء )القاموس الديبلوماسي “باستراتيجية الفعفعة”.

قبل يومين فاجأ “صلاح الدين مزوار” الأمين العام للتجمع الوطني للأحرار المتتبعين بتقديم استقالته من (مسؤولية قيادة الحزب) بعد الإعلان عن نتائج مايسمى الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر و تراجع حزبه في الحفاظ على حجم تمثيليته البرلمانية السابقة.

أعتقد أن الوزير الفعفاع يحاول من خلال هذه الاستقالة التي اتفق مع أعضاء مكتبه السياسي على رفضها بعد التصريح بها، أن يرسل إشارة إلى من يهمهم الأمر أن “خدماته” لم تبق مفتوحة كما في السابق، وأن استقالته (المفضوحة) تعني أنه تمكن من أن يصل إلى مستوى “مايسترو” التجمع الوطني للأحرار الذي يضبط إيقاعاته السياسية، وأن التضحية به في خضم الصراع الذي سيبتدئ خلال الأيام القادمة حول الاستوزار لن ينسحب منها دون تعويضه كنادل مخلص و”سَرْباي” مطيع لأسياده الذين يتوجب عليهم منحه إكرامية إدخاله في مجموعة المستشارين الملكيين التي تقيه النبش في فضائحه الكثيرة، وإلا سيتجرأ على فضح كواليس التعليمات التي قام بإنجازها مع لائحة القائمين عليها وذكر السياق الذي نفذ فيه هذه التعليمات.

حتما فإن لعبة إدماج الكوادر والتخلص منها بعد إستكمال قائمة الخدمات يتقنها مبلقنو الحقل السياسي جدا، والقادم من الأيام سيوضح كيف سيتم فعفعة الفعفاع الذي تجرأ طعلى صانعيه الذين لا يتقبلون “بحال هاد لبسالة ديال البراهش اللي جمعوهم من مزبلة سياستهم البئيسة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.