استشاط الغضب لا ينهي التمرد

الانسان يتوفر على طاقة خارقة للعادة ، و يتمتع بقدرة على تحويل وجوده المادي الطبيعي إلى ماهيات عقلية، ثم عبر ذلك تدبير وجوده الواقعي وفق تخطيط وتصور ذهني يشفي قلق الوجود، وقد يكون الفكر مصدر سعادة للإنسان عندما يبلغ به غاية السعادة في المعرفة والاكتشاف، وقد يصبح مصدر شقاء واستفزاز له عندما يتعب من البحث والسؤال، ويقرر النزول عند محطة يعتبرها نهاية المشوار ومنتهى الحقيقة. فيقصر جهده العقلي على تدبير تلك المحطة وترتيبها وتهيئتها لمقامه الأبدي، ويصبح غاية اهتمامه أن يحصّن فيها بيته الذي يوحي له بالطمأنينة والسكينة
قد الناس يختلفون في قدراتهم على التحمّل وتجشم المشاق، لكن ثمة من لا يرى لرحلته من نهاية لاعتقاده بأن سرّ الحياة الخالد هو في السؤال وقلق المعرفة وحب الاكتشاف، ولإدراكه بأن الصور التي تكتسي طابع الحقيقة النهائية ما هي في الواقع إلا علامة على مرحلة، سرعان ما ينطلق بعدها الإنسان من جديد في استكناه المجهول. وليقينه بأن الوضعية الانسانية لا يمكن أن تقف عند حال، بل لا بد لها أن ترتقي في مدارج الكمال وتتجاوز ذاتها باستمرار نحو ما هو أرواع.
لا يثير هذا الاختلاف أي قلائل في حدّ ذاته، فمن حق من طال به المسار أن يستريح عند أول واحة، ويضع الرحال ويعطي عقله عطلة أو تقاعدا نهائيا. ومن حق من يقضّ مضجعه السؤال أن يحمل هيكله ويحث الخطى نحو أفق أرحب.
المشكل يكمن في أن الأمر لا يبدو بهذه السهولة، فالذي نزل عند محطة يعتقد أنها نهاية المطاف وغاية ما يمكن بلوغه، لا يمكن أن يصدّق إمكان وجود حقائق أخرى، كما لا يمكن أن يؤمن بحقّ غيره في المضي إلى الأمام، ولهذا سرعان ما يستبدّ به الغضب بسبب عدم اكتراث أخيه بما بين يديه من حقائق، وطموحه إلى ما هو أسمى من ذلك وأصدق، فيصل به الحنق و الغيظ حدّ أن يحاول منعه من المسير، وقد تبلغ المأساة غايتها فيعمد إلى طعن صديقه من الخلف، حتى ينهي مساره رغما عنه، ويضع حدا لقلقه الوجودي، ويضع محل علامة استفهام نقطة النهاية.
القلق إذن ليس في أن نختلف في ملكاتنا وقدراتنا على استعمال عقولنا، ولا في اختلاف نظرتنا إلى الحياة وإلى معنى السعادة، وإنما المشكل أن يأبى بعضنا لبعض حقه في الاختيار، اختيار المصير واختيار نمط الحياة. وهو مشكل ينبع دائما من اعتقاد البعض بأن الحق هو في ذاك الكتاب بين يديه، وأن غيره يمثل حالة انحراف لا بد من اعادتها الى الطريق الصحيح.
لــن يكون التكفير جريمة أبدا إلا بقدر سعيه إلى نفي الآخرين، أي إيقاف التفكير، إنه يحقق لصاحبه سعادة مؤقتة، إذ يشعر بنفسه وصيا على العالمين، لكنها سعادة لا تدوم طويلا ما دامت تنكشف دائما عن روح ضعيفة هاشة لا تقوى على تحمل وجود الغير، كما لا تستطيع البرهنة عن “ضلاله”، تماما كما هي وضعية من ينزل عند محطة ما دون أن يدرك ما يوجد في المحطة الموالية.
عندما نلقي وراءنا نظرة على الماضي الذي ودعناه، نتذكر جميع الذين تم ذبحوهم و التهمة كانت “الزندقة”، ولا نذكر أسماء الذين .من يذكر مثلا مكفري الرازي أو جابر بن حيان أو ابن رشد أو علي عبد الرازق أو الكواكبي ومن يحفظ أسماء من كفروا فرج فودة أو خليل عبد الكريم أو محمد أركون؟ لا أحد بالتأكيد، لكن أسماء هؤلاء العلماء والمفكرين ظلت لامعة في تاريخ البشرية، لأنها أضافت إلى محطة أهل زمانهم خطوات جريئة.
والحقيقة أن البشرية لم تصبح أكثر سعادة في القرنين الأخيرين إلا بعد أن سقطت المطلقات المفروضة بقوة الغلبة، ووجد الناس أنفسهم مضطرين ليكونوا أحرارا، أي قادرين على الاستمرار في المضي إلى الأمام نحو اكتشاف ذواتهم من جديد، بعد أن استيقظوا من وهم مزمن كان يرعاه الرسول الذين زعموا أنهم وسطاء بين البشر والآلهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.