وجهة نظر: استحالة تعليم وطني ضمن الازودواجية اللغوية

الجناتي عبد المالك

من الواضح ان من يطالب بتعليم عمومي ديموقراطي يطلب منا ترجمانا كي يتكلم مع ضحايا التعليم الفاسد الحالي الذين لا يعرفون حتي العربية. منذ مدة وانا الاحظ ان ان من يهتم بالتعليم لا يعنى ابدا بمخاطر الازدواجية اللغوية.

الازدواجية اللغوية ماهي؟ هي التعليم بسرعتين : بلغتين، بميزانيتين، بفضاءين اجتماعيين، بطبقتين اجتماعيتين، بثقافتين، بمستقبلين مهنيين، وبعودة ميمونة الى الطبقتين، فاعادة الدورة…

ينطلق التلميذ من طبقته الى المدرسة، ويعود الى طبقته حاملا شهادة على ان طبقته هي المعسكر الاخير الذي يجب ان ينحاز اليه. هذا تعليم قروسطي، يقوم على الانتماء الى «الطبقات» بالمعنى القروسطي، اي الطبقات المتجاورة عموديا، واحدة فوق الاخرى، اي الطبقات غير المندمجة في نسيج وطني واحد. ولا يمكن باي حال ان يكون تعليما وطنيا، لان التعليم الوطني هو الذي ينطلق فيه التلميذ من الطبقة الخاصة ليندمج في الامة، في مجموع الناس، تعليم يدمج ولا يفرق. تعليم ينطلق فيه التلميذ من الطبقة ويذهب الي افق ارحب، افق وطني.

لا تلعب الفرنسية ما يلعبه تعدد اللغات في سويسرا او بلجيكا. تعدد اللغات في هذين البلدين يقوم على الاندماج الاجتماعي والوطني رغم النزاع الحاصل في بلجيكا بين قوميتين بلغتين مختلفتين. انما الفرنسية في المغرب تلعب دور لغة السيطرة والاخضاع، ترسخ معنى الطبقة التقليدي وتحمل معها معنى السيطرة الكولونيالية التي نزعت قناع الاحتلال المباشر وصارت تتدثر بقناع آخر : الاختلاف.

يقال لنا : نحن مجتمع متعدد. لكننا في الحقيقة لسنا مجتمع متعددا، نحن مجتمع متهتك ومنخور. يبدو التعدد حزينا حين يسوقه الينا رجال لا يعرفون من التعدد الا اللغة ولا شيئ غيرها. يطالب بالتعدد من يقوم بهتك ابسط الحريات في كل الميادين، لكنه يجد في التعدد اللغوي طريقا للتهرب من مستلزمات حماية اللغة الوطنية وما يقتضيه ذلك من ميزانية ومن مسؤولية وطنية لا يمكن ان تقوم بها حكومات تأتمر باوامر المخبرين وحاشية البلاط الفاسدة. مسؤولية لا يمكن ان يقوم بها نظام كولونيالي مكتمل المعالم.

افهم من هذه المطالب التي تتناقض اهدافها وغايتها مع الوسائل المستعملة من اجل تحقيقها، اننا لازلنا في مرحلة اللغو. لان تعليما وطنيا حقيقيا لا يمكن ان يقوم على الجهل بابسط قواعد السياسة الوطنية. وبديهيات هذه السياسة هي الاندنماج الاجتماعي والسياسي للساكنة ضمن نسيح واحد وموحد (بكسر الحاء وتشديدها). لسنا نعيش في عالم فوق-وطني بعد، لازلنا نعيش، او هكذا يجب ان يكون، ضمن منظمومة الدولة-الامة وما يقتضيه ذلك من شروط ومقتضيات البناء الوطني.

انضم طبعا الي حملة التعليم العمومي الديموقراطي ولا اشك في صدقية من يدعو لها ويقودها، لكني على يقين ان شيئا ما خاطئ في هذه الحملة، واولها التعارض الباطني القاتل بين الاهداف والوسائل، اي التعارض بين ما يعرف اي عقلانية في عصرنا. إذ العقلانية ببساطة هي تناسب الوسائل مع الاهداف، تحقيق الهدف باقل تكلفة.

التعليم ضمن الازدواجية اللغوية تعليم قروسطي. وهو تعليم طبقي بالمعني القروسطي للطبقات، اي الطبقات المعزولة عن بعضها البعض، التي تنأى بطبيعتها عن اي اندماج في نسيج واحد. هذا هو الدور الذي تلعبه الفرنسية : تدمير النسيج الوطني ومنع تكوينه، كأي علاقة كولونيالية. لولا ذلك لكانت العلاقة الكولونيالية تعني توزيع الحلوى على المستعمرات السابقة. التعليم ضمن الازدواجية هو التعليم الذي يقود الى الابارتايد الاجتماعي : تفرقة بين الناس في كل شيئ بما يقود للحرب الاهلية الساخنة او الباردة. تفرقة في العقلية والوجدان، في الطموح والامكانيات، في القيم الثقافية والتمثلات. تفرقة مبنية على الاحتقار المتبادل بدل الاندماج في نسق اجتماعي واحد.

اذا كان السؤال الشائع يدور حول العلاقة بين الفكر السلفي وبين النزعة الداعشية فان سؤالي يدور حول العلاقة بين الازدواجية اللغوية في التعليم وفي الثقافة وفي سوق الشغل وبين النزعة الداعشية وتغول الفكر السلفي في السياسة وفي المجتمع؛ إذ يبدو هنا الفكر السلفي نتيجة وليس سببا.

هذا سؤال جدي، وليس صادرا عن منطق السجال الفارغ او التلاعب بالكلمات. كلنا يجب ان نعرف ان ما يجري في مجتمعنا ليس مستوردا من مملكة الشر ليزرع عندنا في مملكة الخير. والتعليم والثقافة المحايثة له يلعبان دورا جوهريا في كل ذلك. لكن التعليم والثقافة قائمان على الازدواجية الموصوفة اعلاه. والبقية يعرفها الجميع.

لا اشك في صدقية من يدعو لدمقرطة التعليم وتعميمه ومجانيته ولذلك ادعو هؤلاء جميعا الي حوار جدي ومجتمعي حوله في الفايسبوك وخارجه، وخارجه هو الاساس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.