اراء مختلف الفاعلين تُجمع على ازدواجية موقف العدالة والتنمية من استقلالية القضاء

خلق قرر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس الجدل بمتابعة القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين بتهمة المساهمة في القتل العمد، وإحالته على غرفة الجنايات، على خلفية اتهامه بالتورط في اغتيال الطالب آيت الجيد بنعيسى عند بداية التسعينات، في خضم ما عرفته الجامعة المغربية من صراعات، وصلت حد التصفية الجسدية، وذهب ضحيتها الطالب المنتمي لفصيل الطلبة القاعديين بفاس، وقبله المعطي بوملي بوجدة.

وجاء قرار المحكمة المفاجئ بمتابعة حامي الدين جنائيا، بعد تبرأته ابتدائيا من هذه التهمة، واستئناف الحكم من قبل عائلة آيت الجيد المتشبثة باتهام هذا الأخير في القضية. أول ردود الفعل كان من قبل مصطفى الرميد فقد عبر عن اندهاشه عبر صفحته بالفايسبوك وهو وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، عضو الامانة العامة لحزب العدالة والتنمية ، واعتبر إحالة حامي الدين على الغرفة الجنائية من أجل المساهمة في القتل العمد من قبل “قاضي التحقيق العجيب” على حد تعبير الوزير، هذه التهمة سبق وأن حوكم من أجلها حامي الدين سنة 1993 وبرأ منها. واستدل الرميد بالمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي نصت صراحة على أنه لا يجوز تعريض أحد مجددا للمحاكمة أو للعقاب على جريمة سبق أن أدين بها أو برئ منها بحكم نهائي وفقا للقانون والإجراءات الجنائية في كل بلد، واعتبر أن الأمر يتعلق بقاعدة تعتبر من النواة الصلبة لقواعد المحاكمة العادلة ومبدأ أصيلا من مبادئ دولة الحق والقانون والتي يعتبر خرقها خرقا خطيرا لقاعدة قانونية أساسية يوجب المساءلة طبقا لمقتضيات القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة.

نعت الرميد قاضي التحقيق “بالغريب والعجيب بخصوص المتابعة” مذكرا على أنه سبق للنيابة العامة في مرحلة سابقة إن دفعت بسبق البث ، كما سبق لقضاء التحقيق في القضية نفسها أن اتخد ذات الموقف، فماذا وقع حتى تنحدر الأمور إلى هذا المستوى الذي لايشرف بلدنا ابدا، بل يخدم العدمية ويزكيها ويمنحها حجة قاطعة على صوابية موقفها ؟؟؟؟”. وخلص الوزير على أن “تكريس حقوق الإنسان والقواعد الأساسية للمحاكمة العادلة في هذا البلد تحتاج إلى نضال مرير ومكابدة لا حدود لها ضد كل قوى الردة والنكوص التي تجر إلى الخلف والتي لن نسكت عليها أبدا…”.

ردود الفعل على القرار، وبالخصوص على تدوينة الرميد لم تتأخر طويلا من قبل رفاق آيت الجيد وفاعلين حقوقيين وسياسيين من مختلف المشارب والحساسيات. نورردين جرير مسؤول القاعديين بجامعة ظهر المهراز التي كانت مسرحا لهذه الأحداث، وكاد أن يلقى نفس مصير رفيقه آيت الجيد بنعيسى، اعتبر ما عبر عنه مصطفى الرمي بخصوص إحالة حامي الدين على غرفة الجنايات يعبر عن “العقلية الإنقلابية لحزب العدالة والتنمية”.

سعيد زريوح عضو الحزب الاشتراكي الموحد، الطالب القاعدي الذي عاش وعايش الأحداث عن قرب كتب يقول بصفحته “لم يقع ان قلنا أن القضاء مستقل وتواجدنا في كل معارك الدفاع عن استقلالية القضاء الآن، قضية الشهيد آيت الجيد محمد بنعيسى هي لحظة أخرى للدفاع عن استقلالية القضاء بالنسبة لكل المناضلين الذين ينتصرون لهذه اللاستقلالية”.

جمال المحدالي عضو مكتب “جمعية تافرا للوفاء والتضامن” المشكلة من عائلات معتقلي حراك الريف، في تعليقه على قرار الإحالة لملف حامي الدين على محكمة الجنيات مجددا، كتب على صفحته: “بعد طول تطبيل من طرف قادة حزب العدالة والتنمية للقضاء المغربي واستقلاليته والمطالبة باحترام قراراته وكلمته في مواجهة التقارير الحقوقية الوطنية والدولية الكاشفة عن الخروقات المهولة التي طبعت محاكمات معتقلي حراك الريف وغيرهم من معتقلي الحراكات الإحتجاجية بالمغرب وسجناء الرأي، وبعد صدور قرار قاضي التحقيق بإحالة عبد العالي حامي الدين على غرفة الجنايات بمحكمة الإستئناف بفاس لمتابعته على “جناية المساهمة في القتل العمد”، سنسمع كلاما كثيرا وكبيرا من نفس الوجوه وأشباهها عن تسييس القضاء وتوجيهه وعن عدم نزاهته ولاعدالته. وهذا هو المعنى الحقيقي للكيل بمكيالين الذي يستوجب إخضاع أصحابه للمساءلة والمحاسبة”.

خالد البكاري الناشط بحركة عشرين فبراير، وأحد الفعاليات المدنية والحقوقية المساهم في مبادرات متعددة من أجل معتقلي حراك الريف والمنفتح على كل المشارب والحساسيات الإيديولوجية والسياسية، كما عايش الفترة الأليمة من تاريخ الحركة الطلابية من موقع جامعي آخر، في تعليقه على قرار المتابعة الجديد في حق حامي الدين المحال على الجنايات كتب بصفحته على الفايسبوك الذي تعرف تفاعلا مهما”الأجهزة/السلطوية/الدولة العميقة، أو لا أدري ماذا، تقرر تجميد أو تحريك ملف حامي الدين بخصوص قضية الشهيد أيت الجيد على حسب ترمومتر علاقتها بالبيجيدي أو جناح من أجنحته،، الأمر يشبه مسمار جحا، قيادة البيجيدي حسمت أن القضاء مستقل في ملفات الحراكات الاجتماعية، والتضييق على الحقوقيين والصحافيين، وتراه تابعا للدولة العميقة والتحكم حين يتعلق الأمر بحامي الدين فقط، تلك ورطة من يبحث عن الثقة مع القصر على حساب الديموقراطية وحقوق الشعب، مع ملاحظة أن الرميد بين السطور يعتبر نفسه مستهدفا في هذه النازلة،،، هي لعبة المناورات التي لا نفقهها.” من جهة أخرى يقول البكاري في تفاعله مع رفاق آيت الجيد المتشبثون بالحقيقة والعدالة “الفرحون بمتابعة حامي الدين بدورهم ينقسمون لفئتين: مجموعة مسيرة “ولد زروال”.. وجزء من رفاق الشهيد المخلصين لذكراه، لكنهم يسقطون في مفارقة البيجيدي معكوسة، أي لا يعتبرون القضاء مستقلا، وفي هذا الملف بالضبط وحده ينتظرون الإنصاف من قضاء سمته انتفاء الاستقلالية عندهم،ماذا سيكون موقفهم لو أفضت توافقات ما لطي الملف قضائيا”، واضاف البكاري” يجب الصراخ: نعم للحقيقة والعدالة في هذا الملف، ولا لتوظيفه في صراعات الأجهزة”.

سعيد زريوح عضو الحزب الاشتراكي الموحد، الطالب القاعدي الذي عاش وعايش الأحداث عن قرب كتب يقول بصفحته في تفاعله مع تدوينة البكاري المشككة في المتابعة الجديدة ” لم يقع أن قلنا أن القضاء مستقل وتواجدنا في كل معارك الدفاع عن استقلالية القضاء الآن، قضية الشهيد آيت الجيد محمد بنعيسى هي لحظة أخرى للدفاع عن استقلالية القضاء بالنسبة لكل المناضلين الذين ينتصرون لهذه اللاستقلالية”.

الحبيب التيتي القيادي بحزب النهج الديموقراطي علق على القرار” يظهر ان البيجيدي أصابه السعار بعد استدعاء حامي الدين للمحاكمة في جريمة قتل الشهيد بن عيسي آيت الجيد. الرميد رافع عن أخيه وفضح القضاء المخزني قضاء التعليمات ومن جهتنا لن نقول العكس و لن نكون ملكيين أكثر من الملك لكن الرميد سكت عن جرائم أخرى ارتكبها نفس القضاء بل أيدها السيد الوزيرالرميد”. وأضاف الحبيب التيتي ” بينما زقزق العثماني بأنه سيجتمع عاجلا مع إخوته للنظر في نازلة أخيهم المتاب” متسائلا كيف لهما ادعاء المظلومية فقط عندما هم الأمر احد إخوانهم ويسكتون بل يسوغون دبح الحقوق لما يهم الامر مناضلو شعبنا؟ إن البيجيدي يحاول قلب الامور من متهم الى ضحية ولهذا نراهم يستعملون منفذ حقوق الإنسان كحصان طروادة الذي دخلوا منه ذات يوم إلى مجتمع منظمات حقوق الإنسان ويريدون اليوم استغلال”.

المحامية الحقوقية نعيمة الكلاف في تعليقها على خرجة الرميد “الرميد وزير حقوق الإنسان، بلع لسانه بخصوص الإنتهاكات التي عرفتها بعض مناطق المغرب، سكت عندما أستشهد محسن فكري وشهداء جراد، وحينما أحيل ملف أبطال الريف على القضاء سكت وصرح أن له الثقة في القضاء، تنازل عند دوره الذي يتقاضى أجرا كبيرا من أجل النهوض وحماية حقوق الإنسان، أغمض عينه عن التعذيب الذي تعرض له معتقلي الحراك ولم ينطق بكلمة ولو لتغيير المنكر” وأضافت مخاطبة وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان على أن ” القضاء الذي أدان معتقلي الحراك ومعتقلي جرادة ومعتقلي عين السبع هو نفس القضاء، هو نفس القضاء الذي نريده مستقل عن كل تأثير أو ضغط ، تدوينتك فيها تهديد (لن نسكت…)”. على نفس نغمة الرميد حينما أنها تدوينته ” لن نسكت عنها أبدا”.

من الجهة الأخرى، خرج الناطق باسم جماعة العدل والإحسان حسن بناجح في تدوينة يعبر عن تضامنه مع صديقه عبد العالي حامي الدين، واعتبر أن “إعادة متابعة عبد العالي حامي الدين مرة أخرى في قضية سبق أن حوكم فيها وقضى عقوبة حبسية هو توظيف سافر جديد للقضاء لصالح الجهات الحاكمة ومن يواليه” ويضيف. “هي محاكمة سياسية بلا أي لف ولا دوران في قضية انطلقت سياسية منذ ولادتها، فارغة قانونيا، إذ بشهادة مختلة لشاهد طرف في القضية قضى حامي الدين سنتين سجنا سنة 1993 ثم تعاد متابعته من جديد بلا أي جديد غير تلك الشهادة الكيدية التي يقضي استنادا عليها أيضا عمر محب 10 سنوات سجنا ظلما وعدوانا. فهل بعد هذا المنكر منكر؟ هذا العبث والعتو والتغول يحتاج تكاثف كل الأحرار لمواجهته يقول القيادي حسن بناجح الذي عاش أحداث فاس وكان فاعلا بها، بحيث كان ناطقا رسميا باسم العدل والإحسان.

يذكر أن العدل والإحسان خرج معتقليها الذين تورطوا في اغتيال الطالب اليساري المعطي بوملي في صمت بعد انصرام مدة عقوبتهم، وعملوا على النأي بنفسهم بخصوص الجدل الذي تعرفه قضية آيت الجيد، وبالرغم من اعتقال عمر محب من جديد المتهم في ملف آيت الجيد بنعيسى. ومن المرجح أن تعرف متابعة حامي الدين الجديدة جنائيا تفاعلا وردود فعل مختلفة، ستتصاعد مع بداية أطوار المحاكمة من كلا الأطراف، هذه المحاكمة لقيادي حزب العدالة والتنمية ستنعكس على الحزب، هذا الحزب الذي حافظ على وحدته التنظيمية بالرغم من كل الخلافات والتعثرات، والأزمات الداخلية والخارجية، فهل سيتجاوز مرة ثانية هذه الأزمة المتفاعلة مع جسم القضاء، وخصوم في القضية.

جابر الخطيب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.