إنْ هي إِلا اَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا …!!

في مغرب الاستثناء وعلى مدى السنين الطوال العجاف، لا تمر علينا سنة دون أن نقرأ ونسمع عن شعار جديد، شعار يتم تبسيطه وتلقينه بطريقة ببغائية، لنردده نحن – المواطنين / الرعايا – في مناسبات خاصة وعامة . وفي نظري، أن لعبة السياسة القّذرة في بلادنا هي من وراء إنتاج هذه  “الثقافة الشعاراتية”، مادامت هذه الأخيرة قد صيغت لتلتف حول القرارات السياسية المرحلية أو الاستراتيجية الحاسمة، وحول صانعيها الزائفين .

فعلى مدى التاريخ  السياسي المغربي ساهمت أغلب الأحزاب السياسية المغربية في إنتاج ، أو إعادة إنتاج مجموعة من الشعارات ظاهرها حق وباطنها عذاب، مسخرة  في ذلك مختلف وسائل التخدير والتدجين المدفوعة تكاليفها من جيوب الفقراء، قصد التلاعب بالعقول والتأثير في عموم المواطنين، أو في العناصر الموالية و المخلصة لها …لترفع هذه الأخيرة حناجرها وتردد بالروح وبالدم.. وهي العناصر المتمكنة من التخريب والرشق بالحجارة، بل وهي المتمكنة أيضا من القتل بشقيه المادي والرمزي ، إن استدعاه شعار المرحلة، أو أمر به زعيم من الزعماء الملهمين ، مادام الأمر واجبا نبيلا ومقدسا !!

وانطلاقا مما سبق، وقبل أن أدفع بمقالي هذا إلى الأمام أود الرجوع قليلا إلى الوراء، لأقف وأستوقف وأبكي وأستبكي شعارات تلقفناها وألقينا بها في بطوننا إلقاء، بدون مضغ، أو حتى التفكير في اجترارها فيما بعد، فبتنا كالبقر، بل أضل سبيلا  !! بلعنا “ملحمة الاستقلال” و “الإجماع الوطني” ثم “الانتقال الديموقراطي” و”التناوب الديموقراطي” و”العهد الجديد ” و “الإنصاف والمصالحة “ووووو

ففي زمن قياسي استطعنا أن نسرط شعارات كثيرة ومتنوعة سمومها ، وبلعنا معها حتى ألسنتنا وعزتنا وأنفتنا ..،لكنها وفي ذات الوقت ، وبالاعتماد على سياسة الجزرة والعصا ، فصلت على مقاس الوضع المغربي السائد من جهة، وعلى مقولة “المغرب عبر التاريخ ” من جهة ثانية ،  وبذلك تبقى دار لقمان على حالها .

لكن ، ما يميز المرحلة الراهنة ــ على الأقل منذ انطلاق الشرارة الأولى لأحداث 2011 ــ وفي ظل المتغيرات المتسارعة إقليميا ودوليا ، تلك الطفرة النوعية في عملية صناعة الشعارات ، والقدرة الفائقة على تجديد آليات التلاعب بالعقول كما بالقلوب ، هذا التجديد ظهرت ملامحه الأساسية ، وبشكل واضح وفاضح عشية خروج الشعب المغربي بمختلف ألوانه وفئاته الاجتماعية إلى الشارع، لتحريك البرك الآسنة وتكسير جدار الصمت ، ثم بروز حركة 20 فبراير كفاعل جديد ومؤثر على المسرح السياسي المغربي الذي كان يغط في سبات شتوي عميق .

في سياق حديث الشجون هذا أو الجنون ، وحتى يكون هذا الوُكْدُ سهلا ، ارتأينا في هذا المقال أن نركز على شعار” الاستثناء المغربي” وعلاقته بدستور2011، مادام  هذا الشعار قد أصبح الآن وبدون منازع الشعار الحاضن ( موضة الموسم ( لمقولات لا تقل خطورة عنه ، ولكلام لا حدود له ، يستوي فيه الخاصة والعامة ، مع أن القاعدة الفقهية تقول :ما بني على باطل فهو باطل!!

إن شعار” الاستثناء المغربي في نظري ، لا تكمن خطورته في ذاته وفي تشكله اللغوي أو في معناه الدلالي المباشر الذي تقتحمه العين الناقدة للوهلة الأولى ( المغرب المتميز بموقعه الجغرافي، بشمسه وبحره وتاريخه العريق، وموروثه الثقافي المتنوع من طاجين وكسكس ..، ثم نعمة الأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من الكلام الرومانسي الجميل الذي يسلب العقول ويذيب الأفئدة .(، إنما تكمن الخطورة كل الخطورة، فيما يمكن أن يتأسس على هاته الخصوصية المزعومة ، و يُستنبَط منها  في مستنقع السياسة الذي ينضح بالجراثيم والقاذورات والذباب وكل ما لا يخطر على بال بشر  !!!

شعار” الاستثناء “هو كلمة حق أريد بها باطل ، وهو طريق مفروش بالنوايا الحسنة ، لكنه يخفي الغاما كثيرة ، إنه نتاج سيرورة متواصلة من عمليات تضليل وخداع ماكرة، لا سيما وأنه أصبح الآن الشعار الأساس (مسلمة رياضية بديهية ( الذي تحوم حوله ( أو يمكن أن تحوم حوله مستقبلا ( باقي الشعارات الفرعية والتي منه  تستمد مشروعيتها ، سواء من حيث أسسه و مرتكزاته الديماغوجية والإيديولوجية ( الهلامية والفضفاضة ( ، أومن حيث آليات وقنوات تصريفه وتسويقه للرأي العام الداخلي والخارجي .

ولكي نسهم من جهتنا في فك طلاسم هذا الشعار الساحر ، وكشف زيفه وتهافته ، لا بد لنا من الرجوع إلى بعض المحطات الحاسمة التي ساهمت بشكل أو بآخر في نموه وتطوره ( بل و لم لا في توالده؟؟ ( حتى أصبح  بحكم العادة والتكرار ، شعارا مقدسا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ،  مما جعل العديد  من الناس عاجزين عن إدراك غاياته ومراميه وأهدافه القريبة أو البعيدة ، وبالتالي غير قادرين على استيعاب اللعبة ( بفتح اللام و تشديدها ) ، ولاعبيها الماهرين الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف .

في يوم 9 مارس2011، قدم الملك محمد السا دس خطابا وصفه المتتبعون للشأن المغربي ب” الخطاب التاريخي ” فشُكِّلَت على الأَثَر لجنة استشارية لإعداد “مبيضة الدستور ”  ، لجنة قيل فيها مالم يقله مالك في الصهباء ، أقل هذا المقول والعهدة على الراوي ، أن النسخة التي سلمت لعاهل المملكة لم تكن هي نفسها التي عرضت على الاستفتاء يوم الجمعة !!

بعد انتهاء أشغال هذه اللجنة سيطرح الملك ” مشروع الدستور الجديد “على الاستفتاء ، وسيعلن في خطابه بأنه سيصوت ب”نعم” لصالح “مشروع الدستور”، ليتم مباشرة بعد ذلك تعميم شعار “صوتوا بنعم” على المنابر الإعلامية ، كما على منابر المساجد تدعو المصلين بأن التصويت ب”نعم “واجب شرعي ، وبأنه لا بد مما ليس منه بد ، مع تعزيز ذلك بشواهد من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ووووو. وبأن الفتنة أشد هولا من القتل ، أومن الموت بالتقسيط  ، أوهما معا !!

هذا وفي مقابل الشعار المقدس الجميل الذي فُرشت طريقه بالورود والزرابي  الفاخرة،  قُطِعَت الأزقة والدروب أمام الشعار المغضوب عليه ، ذلك القائل ب” لا للدستور الممنوح “، مثلما قُطِعَ  دابر الضالين القائلين به، والداعين إلى مقاطعة مسرحية الاستفتاء، لأنهم (دراري صغار (حسب توصيف الرجل الكبير العاقل والمثقف العضوي!!! (بنكيران (  مع العلم أنه سيصل فيما بعد إلى سدة الوزارة، داسا على دمائهم الزكية  العطرة ، وعلى جثث شهداء محرقة الحسيمة !!

ومادامت عملية تمرير هذا “الدستور” قد أصبحت حتما مقضيا قضاء لا مفر منه ولا محيد عنه ، جندت الدولة جميع المنابر الإعلامية المخلصة ، ليتم ترويج وتسويق البضاعة بشكل مشوق ومثير، كما وزعت وزارة الأوقاف الخطب والبيانات على خطباء المساجد، ليتم تعنيف وجلد المصلين في جميع مساجد المملكة ،بشكل مفرط وسافر وعادل …!!

وكما كان منتظرا أعلنت وزارة الداخلية، أن نتيجة الاستفتاء عبرت عن موافقة أكثر من 98%على الدستور، ليسدل ستار فصول مسرحية  “مغرب الاستثناء ” ، مسرحية معدة سلفا بإتقان وبحرفية عالية ، هدفها إفلات حيتان الفساد من عنق الزجاجة ، والمحافظة على ” الاستقرار “، حتى ولو كان ذلك الأمر مؤقتا ، ثم تمرير دستور يؤسس لمرحلة جديدة من الفساد والاستبداد ، وأخيرا الالتفاف على مطالب الحراك المغربي .

الآن ، وبعد مرور أربع سنوات ، أصبح بإمكان أي شخص منا أن يرى بعيني رأسه ، إن كان يملك نظرا حادا وقويا ، كيف بات شعار ” الاستثناء ” ينتفخ  ، ينتفخ  في وعي أو لاوعي المواطن المغربي بشكل لا يمكن إنكاره، أو حتى التشكيك  فيه ، باطراد مع انتشار سعير الحروب الأهلية والفتن الطائفية في سوريا وليبيا …

ومما يزيد الطين بلة، أن ترى بعضا ممن كانوا بالأمس القريب مؤمنين  بالنموذج التونسي الرائع في التغيير ، قد ارتدوا بعد ايمانهم  ، لأنهم قبلوا بالفتات الملقى إليهم من موائد الفاسدين ، ورضوا بالذل دينا !! ها هم الآن يزدادون كفرا وعددا كلما اكتست أجسادهم أمواج جديدة من اللحم والشحم ، ها هم قد عادوا من جديد أكثر تقوُّلا من السابق ، لكن بشعار جديد، هو أقرب إلى باب المعتل الأجوف في اللغة العربية  من أي شيء آخرّ..!! إنه شعار” التغيير وفق خصوصية الاستثناء:” !!

أخيرا، بما أن الحب أعور وأصم وأبكم ومشلول ..وأن طريق الإعجاب كذلك  مفتوح على كل الاحتمالات، فإن إعجابنا بالشعارات المطروحة على الطريق وبرجالاتها وبملهميها …قد فوت علينا الشيء الكثير ، و سيفوت علينا لا محالة أشياء كثيرة في المستقبل ، بعدما ثبت أننا قد اسسنا  لاستثناء معاق  .

ولست أجد ختاما لمقالي هذا أفضل من مقولة لينين الشهيرة القائلة: ” لقد كان الناس وسيظلون أبدا، في حقل السياسة أناسا سذجا ، يخدعهم الآخرون ويخدعون أنفسهم ، مالم يتعلموا استشفاف مصالح هذه الطبقات أو تلك ، وراء التعابير والبيانات والوعود الأخلاقية والدينية والسياسية..”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.