إنشرها و لك الأجر

هي عبارة تعودنا على رؤيتها ، قراءتها ، تلقيها من طرف أصدقائنا و أفراد عائلاتنا، كل لحظة عبر شبكات التواصل الإجتماعية خصوصا الواتساب و الفايسبوك. نعم ، لك الأجر عندما تنشر شيئا جميلا ، مفيدا و نافعا سواء تعلق الأمر بالآية، الحديث ،الحكمة أو أي شيء يدعو إلى العمل و الاجتهاد و المعرفة و لما فيه صلاح للفرد و المجتمع ككل . فالدال على الخير كفاعله كما جاء في الحديث النبوي الشريف.

لكن مؤخرا صرنا نتلقى رسائل قصيرة تحثنا و تلزمنا بنشرها و العمل بما فيها ، و الغريب في الأمر أنها تعدك بالجزاء الحسن و المعجل دون شك. و من بين هذه الرسائل نجد : إنشرها و ستسمع خبرا مفرحا … إن لم تنشرها سوف يحصل لك كذا و كذا.  سبحان الله، في البداية كانت لنا الحرية في النشر ، يعني إن نشرت ما كتب أو ما أرسل إليك يحتسب لك الأجر و الثواب و إن لم تفعل فلا حرج عليك .  أما في ما يخص العبارات الأخيرة فهي تحمل في طياتها وعد و وعيد، و كأن بيدهم كل شيء، يعطون و يحرمون، يا لها من سخافة و سذاجة.

  هذا و بالإضافة إلى جمل أخرى مثل إنشرها ولك الأجر… إن لم تنشرها فإعلم أنّ ذنوبك هي التي منعتك…أستحلفك بالله أن تنشرها…لا تَمْسَحْها .. .أمانة في عُنقك إلى يوم القيامة ، أو تتلقى مثلا دعاء مكتوب فيه إرسلها إلى 25 شخص وسوف تسمع خبر حـلو الليلة وهذه حقيقة مثبتة علميا أما إذا أهملتها فسوف يصيبك التعس 9 سنوات . و ما يؤسفني هو أنك ترى حتى المثقفين و الناس الذين لديهم شيء من العلم يسارعون بنشر هذه الخزعبلات و التفاهات و يرسلونها لأصحابهم و كل من يعرفونه،  فيصدقون كل ما يرسل إليهم بكل عفوية. هذا لأننا نعيش في مجتمع لا يفكر و لا ينتج و لا يسأل عن السبب و لا عن الدليل، صار الناس كالقطيع يطبقون و يصفقون و يستقبلون كل العبارات المرسلة إليهم . بل الأخطر من ذلك ، شخصيا أحيانا أتلقى أحاديث ضعيفة و موضوعة و أخرى لا أصل لها ، و كم من حكمة و مقولة تنسب لنبينا صلوات الله و سلامه عليه بدون علم و لا برهان.

إن  الذين يقومون بنشر هذه الإفتراضيات الدعوية  ويلزمون الآخرين بنشرها فهم على خطأ و ناكرين للآية الكريمة التي يقول فيها الله تعالى:” أدع  الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”.

هذه الرسائل و العبارات  إنتشرت بطريقة  غريبة وعجيبة وكثيفة في مجتمعنا حتى صار معظم الناس يصدقونها و يؤمنون بها، فصار الكل يسارع في النشر خوفا من العقاب ، صار الشخص يلزم الآخر بنشر و إرسال تلك الرسالة و إلا فسوف ينال العقاب المعجل و ما إلى ذلك من خرافات ما أنزل الله بها من سلطان.

و خلاصة القول، لا يجب أن نلزم الناس بما لم يلزمهم الله ، كما لا يجب أن نعد أحد بالجزاء المعجل فهذا يعتبر رجما بالغيب و إفتراء على الله. كل ما علينا هو الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الكف عن هاته الخرافات فديننا واضح وضوح الشمس في واضحة النهار ما دامت طرق الهداية  في الدين الاسلامي الحنيف  تشمل بالأساس  قراءة القران الكريم ، والأذكار ، والأدعية ، والصلاة ، والصدقات ، أما اجبار الناس على إرسال الرسائل تحت طائلة التهديد والوعيد والترغيب ، فهذا ينم عن قصور في معنى العبادات ، وفيه مضيعة للوقت والجهد  ، ولا أساس أو سندا شرعيا له.

لذا فكل هذه الأفعال تبشر بانتشار الجهل في المجتمع و غياب الوازع الديني و إنعدام الحس النقدي لدى الأفراد الذي يخوّل لهم النظر إلى تراثنا الفكري كإنتاج بشري قابل للنقد والمراجعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.