إلى متى سيبقى مبرر جاهزية اﻷمازيغية ذريعة ﻹستمرار اقصائها وتهميشها؟

مقال للمعتقل السياسي  للحراك الشعبي في مدينة ايت بوعياش؛ محمد جلول

تعتبر اللغة من المكونات اﻷساسية للهوية الجمعية، وهي تعد عند المجتمعات الواعية بذاتها من الثوابت التي لا يمكن أن تكون محل مساومة أو تنازل أو مواضعة وتعطى لها أقصى الإهتمامات، ولذلك فإن المنظومة الحقوقية الكونية قد حرصت من خﻻل مضامينها التنصيص على وجوب ضمان حق مختلف الجماعات والمجتمعات في ممارسة لغاتها وادماجها في التعليم. وأعتبرت انتهاكا صارخا كل طرف يسعى إلى حرمان كيان جماعي من هذا الحق أو التصرف فيه حيث لا يجوز للدولة التدخل إﻻ في حدود ضمان الحق لجميع المكونات بممارسة ثقافاتها.

بناء عليه فإن اللغة الأمازيغية بإعتبارها لغة الشعب المراكشي إلى جانب اللغة العربية فيجب أن تحضى بكل اهتمام كما تهتم سائر البلدان والمجتمعات التي تحترم ذاتها بلغاتها وكما تكفلها منظومة الحقوق الكونية، ويجب أن تضمن لجميع المكونات الجهوية حقها الكامل في أن تدمج لغاتها في التعليم ليس فقط بإعتبارها كأداة تواصلية في يد التلميذ تمكنه بسهولة من اﻹندماج في المدرسة وتحصيل المعرفة ولكن بإعتبارها من المقومات اﻷساسية لهويتنا، ولا يجوز ﻷية جهة أن تحرم شعبنا من لغاته ومن ممارستها في التعاملات الرسمية وتدريسها تحت مبرر أنها غير مؤهلة، ﻷنها إذا كانت كذلك في الواقع فبسبب اﻹقصاء والتهميش ومسلسل اﻹبادة التي تعرضت لها اللغة اﻷمازيغية ومكوناتها الجهوية أو ﻷن أصﻻ التعليم في المجتمع قبل أن تكون مهمته معرفية فهي مهمة الحفاظ على خصوصياته التي تحصن له وجوده كمجتمع ذو شخصية مستقلة قائمة بذاتها وليس مجرد كيان تابع لغيره بﻻ أية خصوصية تميزه عن غيره، لذلك فمن المهام اﻷساسية للتعليم تنمية وتأهيل وتطوير هذه اللغات لتصبح قادرة على مسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي لتصبح في مصاف اللغات العالمية حيث ﻻ يجب أن ننسى أنه ليس هناك لغة في الكون ولدت متطورة، ففي اﻷصل كانت كل اللغات الأجنبية عبارة عن لهجات وفي اﻷمس القريب كانت الفرنسية واﻹسبانية والفﻻمانية وحتى اﻹنجليزية … لهجات متواضعة جدا ولكنها تطورت بعد ذلك بفضل إرادة شعوبها وبإرادة دولها، بفضل المجهودات المبذولة في سبيلها وفي سبيل ثقافاتها وأن أي لغة قادرة على التطور.
بإعتبار اللغة اﻷمازيغية كلغة وطنية إلى جانب اللغة العربية فيجب أن تدرس كلغة أساسية لكل أبناء الشعب المراكشي وليس كمجردة مادة ثانوية اختيارية، فﻻ يعقل أن تدرس اللغة الفرنسية في التعليم كلغة أساسية على حساب تهميش اللغة الوطنية اﻷصلية لشعبنا، خاصة أن اللغة الفرنسية وضعيتها غير مبررة ﻻ دستوريا وﻻ بيداغوجيا.
أما إذا كان المبرر هو مسألة اﻹنفتاح على اللغات اﻷجنبية للتمكن من ناصية العلوم والمعرفة فإن هناك لغات أكثر تطورا منها مثﻻ اﻹنجليزية، الفرنسيون هم أنفسهم يعترفون بذلك .
أما إذا كانت الفرنسية واقعا لغويا خلفه اﻹستعمار وليس هناك عيب في توظيف هذه اللغة كلغة عالمية من أجل ربط الناشئة بعالم العلم والمعرفة والتكنولوجيا، فإن هذا الواقع اللغوي لا ينسحب على الريف الكبير والصحراء حيث تعتبر اﻹسبانية هي اللغة اﻷجنبية اﻷكثر شعبية وتداوﻻ بين أهاليها وليس هناك أي مبرر لوجود الفرنسية، وإن كان هذا قائما فإنما يؤكد السياسة المركزية المعتمدة في التعليم وفي جميع الميادين في بلادنا والتي تؤطرها رؤية نخبوية مركزية لا تعير أدنى اهتمام لخصوصياتنا الجهوية و واقعنا المحلي.
إن تدريس لغتنا اﻷمازيغية إلى جانب العربية كلغة أساسية لكل الشعب المراكشي ﻻ يجب أن تكون محل مساومة أو تسويف بل يجب البدء فورا بإعتمادها كلغة موجبة للنجاح العلمي والقبول المهني وليس مجرد مادة ترفيهية لملء وقت الفراغ أو مجرد بعض العناوين اﻹعﻻمية أو الفقرات الفلكلورية، وهذا ﻻ يعني عدم الإنفتاح على اللغات اﻷجنبية العالمية وتعلمها، ففي نظري يتعين إعتماد إحدى اللغات اﻷجنبية منذ اﻹبتدائي بشكل إستئناسي ثم كمادة مستقلة في التعليم اﻹعدادي ثم بعد ذلك وفق اﻹختيارات الفردية للتلاميذ حيث يجب على التعليم أن يوسع عرضه في هذا المجال في المستويات الثانوية والعليا.
إنه ﻹجحاف وظلم كبيرين أن يتواصل حرمان اللغة اﻷمازيغية من أن تأخذ مكانها الطبيعي في التعليم واﻹدارة وفي كل مناحي الحياة كلغة وطنية لكل شعبنا المراكشي وكلغة رسمية تكون لسان الدولة في تخاطبها ووثائقها ومراسﻻتها على المستوى الداخلي و الخارجي إلى جانب اللغة العربية تحت مبرر أن هذه اللغة غير مؤهلة بعد لتحتل هذه المكانة، ﻷننا ندري جيدا أن هذا المبرر يعتبر ذريعة ﻹستمرار اقصاء اﻷمازيغية أكثر مما هو واقع حقيقي مطروح.
إننا لم نرى من دولة المركز على مدى السنوات الماضية وإلى حد الساعة أنها فعلت شيء يستحق الذكر لصالح تأهيل اﻷمازيغية أو إعادة الإعتبار لها لتلعب دورها في حياة مجتمعنا، بل سجلنا تراجعات ملموسة على اﻷرض وبقيت اﻷمازيغية في حدود الشعارات والخطابات والصور اﻹعلامية، والكغاءات والقوى المجتمعية اﻷمازيغية يتم استبعادها وتهميشها وهذا ما يدفع إلى اﻹعتقاد أن اﻷمر ﻻ يتعلق فقط بمسألة الإمكانيات والقدرات ولكن يتعلق بوجود إرادة سياسية لتقويض أي تقدم في هذا الإطار وﻹبقاء اﻷمازيغية كمجرد عناوين إعلامية وصور فلكلورية لذر الرماد في العيون وسحب البساط من تحت الحركات المجتمعية التي تريد حقوقها اللغوية والثقافية الوطنية والجهوية المشروعة ويدفع إلى اﻹعتقاد أن دسترة اﻷمازيغية لم تكن خيارا تؤمن به دولة المركز ولكن جاءت بفضل ضغط الشارع، واﻵن ما دام أن الشارع قد هدأ فهي غير متحمسة وغير مهتمة بهذا البند الدستوري وسيبقى مبرر عدم آهلية وجاهزية اللغة اﻷمازيغية ذريعة دائمة ومسوغا ﻹستمرار إقصاء اﻷمازيغية وتهميشها.
ختاما أعتقد أنه ﻻ يجب على القوى المجتمعية المراكشية أن تركن وتفرح بدسترة اﻷمازيغية، بل هي مطالبة بتصعيد نضالها الديموقراطي من أجل اعادة اﻹعتبار لﻷمازيغية هوية ولغة وثقافة لشعبنا ومن أجل أن تحتل مكانتها الحقيقية في كل مناحي الحياة وعليها أن تناضل من أجل إقرار حق جهاتها في تسيير شؤونها السياسية واﻹقتصادية و الثقافية وحقها في المشاركة في تقرير و تسيير الشؤون الوطنية ليكون المشروع و القرار الوطني يمثل جميع المكونات الوطنية وليس فقط إرادة نخبة مركزية تجعل من الدولة ملكية خاصة لها وهي وحدها من تحدد ما يجب و ما ﻻ يجب، و تتحدث عن اﻷمازيغية كما لو أنها صدقة ومنحة تتصدقها علينا وهي من تحدد مقدار هذه الصدقة و وقتها وليس كحق مشروع وأصيل لشعبنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.