إلى متى ستسمر معاناة المرأة في مجتمعنا الأبوي ؟

إهداء بمناسبة اليوم العالمي للمرأة : إلى حبيبتي خديجة.

وخديجة هاته، التي أوجه لها إهدائي هذا،  يمكن أن تكون أمنا حواء التي لوﻻها لما وجدت البشرية على وجه اﻷرض، أو أم المؤمنين التي لولاها لما نفذ اﻹسلام إلى قلوبنا، أو أمي التي لولا عظمتها لما كنت أنا، أو إحدى ابنتي اللتين لولا حبهما لما كانت الحياة جميلة، أو أختي التي عشت حرمان حبها ﻷنها توفيت قبل وﻻدتي، أو زوجتي التي كانت ضحية فراق والديها ولا تزال تعاني من حرمان حبهما إلى الآن، أو تلك السيدة العظيمة التي ظهرت فجأة في حياتي لتمسح دمعي وتضع رأسي على صدرها الحنون في لحظة حرجة كدت أفقد اﻷمل في الحياة، والتي اختفت بسرعة البرق بعد أن دب الأمل في قلبي، أو زوجة صديقي محمد علي طبجي التي تمثل رمز التضحية من أجل سعادة زوجها وأبنائها، أو رفيقتي المناضلة الحقوقية التي ترافق السجين حليم البقالي في دراسته خلف القضبان وتناضل باستماتة لحماية حقوقه وتقديم الدعم المادي والمعنوي، أو تلك السيدة المكلومة التي تعاني في صمت رهيب من مرارة حرمانها من فلذة كبدها أو حبيبها الذي اعتقلته أو اغتالته في غفلة منها أيادي السلطة القذرة، أو عشيقتي التي لولاها لما عرفت معنا لكلمة الحب، أو زميلتي التي أحس بجرحها العميق وأقدر تضحياتها الجسيمة لخدمة من يحتاجون إليها من أفراد أسرتها، أو تلك “العاهرة” التي علمتني أبجديات العلاقة الجنسية وخففت من همومي وضمدت جرحي لحظة ضعفي، أو…

سيدتي، يقول المثل العربي “وراء كل رجل عظيم امرأة”، لكن الأنا الذكوري المتحجر والمتجدر في العقل العربي لن يسمح لهذا الأخير بإتمام هذا المثل على شكل “وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة”، ولا بوضع مثل آخر يقول “وراء كل امرأة عظيمة رجل عظيم” لإنصاف المرأة والاعتراف لها بالمساواة مع الرجل في الحقوق أساسا، أما الواجبات فإن بعضها يتعلق بكل تأكيد بالطبيعة البيولوجية لكل إنسان. وذلك لأن العقل العربي لا يكتفي بعدم اعترافه بعظمة المرأة، بل أكثر من ذلك إنه يمعن في احتقارها. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن عند قراءة هذين المثلين هو: من المقصود بتلك المرأة العظيمة أو ذلك الرجل العظيم التي تكون أو الذي يكون وراء عظمة الآخر ؟ هل الأم أم الزوجة ؟ هل الأب أم الزوج ؟

مما لا شك فيه، أن الرجل لن تكتمل عظمته إلا إذا كان وراءه أم عظيمة وزوجة عظيمة كذلك تمنحانه حبهما بدون مقابل وتشملانه برضاهما وعنايتهما ورعايتهما المستمرة. والمرأة كذلك لن تكتمل عظمتها إﻻ إذا كان وراءها أب عظيم وزوج عظيم  يحبانها بدون مقابل ويشملانها برضاهما وعنايتهما ورعايتهما المستمرة. فكل إنسان محظوظ في هذه الدنيا اكتملت عظمته، لابد له أن يعترف بالجميل للإنسانين اللذين صنعا عظمته المكتملة. أما في غياب دور أحد الطرفين في تكوين عظمة الإنسان، فإن عظمته تبقى ناقصة، لكنه لن يكون تعيسا، بكل تأكيد، لأن الإنسان الذي يحبه ويرعاه ويحيطه بعنايته سيساعده على تحمل الأضرار التي تنتج عن تصرفات الإنسان الآخر الذي لم يكن في مستوى المسؤولية الموضوعة على عاتقه بسبب أنانيته. فعوض الاهتمام بالإنسان المخل بواجباته في هذه العلاقة العاطفية النبيلة، لابد للإنسان أن يركز اهتمامه على الطرف الذي يمده بالطاقة الموجبة ليساعده على الاستمرار في الحياة بشكل إيجابي بدون تعثر، وبغض النظر عن سلبيات الإنسان الآخر الذي يسعى إلى تقييده وإسقاطه في متاهات الدنيا التي تؤدي في غالب الأحيان إلى اليأس والإحباط والاكتئاب.

تعيس حقا من لم يكن له أم عظيمة ولا زوجة عظيمة، فهذا النوع من الرجال هم من يقبلون في غالب الأحيان على تناول المخدرات والأقراص المهلوسة والمشروبات الكحولية بشكل خطير وغير منطقي، مما يؤدي بهم في كثير من الحالات إلى زنزانات السجون أو دهاليز وغرف المستشفيات المخصصة للأمراض العقلية، أو في أحسن الأحوال إلى الانتحار. وتعيسة أيضا من لم يكن لها أب عظيم ولا زوج عظيم، فهذا النوع من النساء هن من يملأن بشكل عام أوكار الدعارة، ويؤثثن الحانات والأندية الليلة لبيع الوهم للطائفة الأولى من الرجال، مقابل مبالغ مالية لا يحصلن منها إلا على الفتاة، لأن عصابات الاستغلال البشري المدعومة من طرف السلطة هي من تملأ حساباتها بهذه الأموال القذرة.

فمتى سيعترف مجتمعنا المريض بجسامة وخطورة الدور الذي يلعبه كل طرف في علاقته مع الآخر، ابنا كان أم زوجا، بنتا كانت أم زوجة. فما دامت المعادلة في هذه العلاقة مشوبة بالعوائق الإبستيمولوجية التي ترجع أسبابها في غالب الأحيان إلى تصورات خاطئة حول ذاتنا في علاقتها مع الآخر، تلك التصورات التي ورثناها عن ماضي بعيد، لا يمت بصلة إلى معطيات العصر الحالي، والتطور السريع الذي عرفه العالم خلال القرنين الماضيين، خاصة فيما يتعلق بالمجال التشريعي وعلاقته بوضع القانون الدولي لحقوق اﻹنسان، الذي شرعت منظمة الأمم المتحدة في وضعه نهاية الأربعينيات من القرن الماضي ولا تزال مستمرة في بنائه إلى حد الآن، والذي يعتبر أحدث القوانين الوضعية الذي توصلت إليها البشرية. هل تعرفين سيدتي بأن هذا القانون يحث جميع الدول على حماية حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا ؟ أي تلك الحقوق التي يجب أن يتوفر عليها كل إنسان بصفته إنسانا أولا وأخيرا، بغض النظر عن جنسه وجنسيته ولونه وعقيدته وعرقه…، وبأن الدولة المغربية تعد من الدول التي صادقت أو انضمت إلى جل الاتفاقيات ذات الصلة بحقوق الإنسان ؟ ومن بين هذه الاتفاقيات نسوق بمناسبة عيدك الأممي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. فقد رفعت الدولة مؤخرا التحفظات التي وضعتها سابقا على بعض البنود من الاتفاقية، وسلكت منذ سنتين مسلسل الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الملحق بهذه الاتفاقية الذي تقر الدولة من خلال انضمامها إليه بأحقية اللجنة الأممية، الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، تلقي(اللجنة) التبليغات والنظر فيها سواء كانت هذه التبليغات فردية أو جماعية، ومقدمة بشكل مباشر من طرف النساء المنتهكة حقوقهن أو بواسطة من ينوب عنهن. غير أن القوى الظلامية المعادية للديمقراطية وحقوق الإنسان تحركت من جديد لنشر الإشاعات المغرضة لتجمد مشروع القانون القاضي بانضمام المغرب إلى البروتوكول على مستوى البرلمان بعد أن صادق عليه مجلس الحكومة بتاريخ 12 يوليوز 2012.

سيدتي، إنه من سوء حظ النساء في وطننا أن يستمد الشعب المغربي تصوراته حول المرأة من الفكر العربي القبلي المتعصب لجنسه المريض، الذي سمح بوأد الأنثى منذ القديم ولا يزال يحرم المرأة السعودية من أبسط حقوقها. ذلك الفكر المتخلف الذي ابتليت به الشعوب الأمازيغية في شمال أفريقيا وجل الشعوب التي اعتنقت الدين الإسلامي الحنيف، ليس بسبب ما ورد في الإسلام من تعاليم وحقائق علمية، ولكن وعلى الخصوص، بسبب التفسير الذي صاغه علماء العصور القديمة،  بتواطؤ غير معلن مع السلطة، وطبقا للمعطيات التي كانوا يتوفرون عليها في مجتمعات أبوية يطغى عليها الطابع الذكوري، والتي لم يكن للمرأة فيها أي قدرة على الدفاع عن حقوقها الطبيعية التي لا يمكن للأحكام الربانية الصحيحة أن تتعارض معها. وقد أدى ذلك التفسير إلى قيام مذاهب مختلفة تأسست على خلفيتها طوائف دينية متزمتة ﻻ تزال تكن العداء لبعضها البعض إلى اﻵن، وتقوم على مبادئ التسلط والخضوع اللاعقلاني، التي تتعارض مع قيم المجتمع المدني واحترام حقوق الإنسان.

سيدتي، لن أسرد هنا جميع الحقوق التي اغتصبها منك نصفك الآخر لأن القائمة طويلة والمقام لا يسمح بذلك، ولهذا فإنني سأكتفي بحق واحد فقط من هذه الحقوق. فلو وعي جميع الرجال في مجتمعنا بأنك كنت، وإلى عهد قريب في تاريخ البشرية، صاحبة الحق في البنوة والنسب بدون منازع، وأن هذا الحق الطبيعي انتزع منك بشتى الوسائل، بما فيها وعلى رأسها الدين، التي استغلها أجدادهم الذكور لإشباع أنانيتهم من خلال تدجينك كباقي الحيوانات التي دجنها على مر العصور، وحولها إلى حيوانات أليفة أخضعها لحق الملكية الفردية، ليستغلها متى شاء وكيفما شاء. فلو وعوا بهذه الحقيقة المرة لقدموا لك وردة جميلة واعتذروا لك عن كل ما اقترفه أجدادهم في حقك من انتهاكات جسيمة لحقوقك الطبيعية والاجتماعية، قبل أن يدعونك إلى الوقوف إلى جانبهم وعلى قدم المساواة، اعترافا منهم بمساواتهم معك، وهذا أقل ما يمكن أن يفعلوه لإنصافك والمصالحة معك، في انتظار أن تصبحي قادرة على احتلال مكانك الطبيعي في المجتمع، خاصة في المجالس التشريعية ومراكز القرار لسن القوانين التي سوف تسمح لك باسترجاع حقوقك كاملة دون الاعتداء على حقوق نصفك الثاني. ولإدراك هذه الحقيقة البسيطة، يكفي الرجوع إلى دراسات علم الأنتروبولوجيا التي أثبتت أن المجتمعات الإنسانية البدائية المتحضرة، وإلى حدود بداية الستة ألف سنة الأخيرة، كانت مجتمعات أمومية، حيث كانت الأم هي من تملك الأبناء، وكان الأبناء ينتسبون إليها بشكل طبيعي، لأن الرجل كان يجهل دوره في عملية الإنجاب. فكانت الأنثى في المجتمعات القديمة تقوم بدور الإلاهة وربة الأسرة والملكة وما إلى ذلك من الوظائف التي جعلت منها صاحبة الحل والعقد لزمن طويل إلى أن اغتصبها الرجل بعد أن أدرك دوره في عملية الإنجاب. وبهذه الملاحظة التي لا يحتاج العقل السليم إلى كثير من الجهد لفهمها، يدرك الإنسان العاقل بأن الله عز وجل قد كرم المرأة كما كرم الرجل على قدم المساواة، ولم يشرع أبدا لأحد منهما أن يستغل الآخر كما فعل الرجل. ومن لم يقتنع بهذا الأمر، فعليه أن يرجع إلى روح الدين الذي يعتنقه، وليس إلى سطحه. فالمسلم مثلا سيدرك أن الله قد وجهه إلى أمثلة كثيرة، ليطلع على أهمية وخطورة دور المرأة في المجتمع، كقصة ملكة بلقيس وعظمة عرشها، وخديجة أم المؤمنين التي لولاها لما نفذ الإسلام إلى قلوبنا، وفاطمة الزهراء التي لولاها لما تمتع “الشرفاء” على مر العصور بنسبهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ذلك النسب الذي أخضعه الفكر القبلي العربي إلى العادات والتقاليد ففرض أن ينتقل(النسب) بشكل غير منطقي وغير سليم عبر الذكر، عوض الأنثى كما تم ذلك من خلال الحالة الفريدة في عهد الإسلام المتمثلة في فاطمة الزهراء. وهذه أمثلة سيقت على سبيل المثال فقط، لا الحصر. ومن يشكك في هذه الخلاصة، عليه أن يقدم لنا الدرس الذي يجب أن نستخلصه من الحكمة الربانية التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخلف وريثا، وإنما وريثة واحدة انتهكت حقوقها بشكل فظيع، فماتت بعد وفاته بستة أشهر فقط وهي تتجرع المرارة بسبب الحيف والظلم الذي مارسه عليها، وعلى زوجها، “سادة” قريش الذين انقضوا على السلطة وشرعوا في نشر الظلم والعودة إلى الفكر القبلي المتعصب، وأقصوا الأنصار من تولي أي دور سياسي في بناء الدولة الإسلامية الحديثة، مما تسبب في كوارث إنسانية على مر العصور لا تزال الذاكرة الجماعية للمسلمين تحتفظ ببشاعتها وفظاعتها، سوف لن يطالها النسيان مهما طال الزمن، ومهما مورس عليها من تكتم، ولن يزول تأثيرها على المشهد السياسي في المجتمعات الإسلامية إلا في إطار مصالحة حقيقية بين جميع المذاهب والطوائف الإسلامية، التي يجب عليها أن تتخلى عن حقائقها المطلقة، وتتبنى الفكر المدني الحديث الذي اعترف بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا وأبعد الدين عن السياسة، ولم يبعده عن المجتمع كما يروج لذلك أعداء الديمقراطية وحقوق الإنسان، وذلك إعمالا للفكرة التي تقول بأن الدين لله وحده، ﻻ يحق لأحد أن يتدخل في علاقة الإنسان بربه، وأن السياسة للجميع، يجب على من يمارسها أن يحصل على الشرعية من الشعب دون غيره، وأن تقرن المسؤولية بالمحاسبة والجزاء بناء على تعاقد واضح بين الحاكم والمحكومين. فما دام الرجل والمرأة في مجتمعنا لم يدركا على حد سواء أن الحق في البنوة والنسب هو حق مشترك بينهما، لا يحق لأي منهما الاستفراد به، أدبيا على الأقل في الوقت الحالي، في انتظار مراجعة الدولة المغربية لقوانينها الوطنية كي تتلاءم مع الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها طبقا لمقتضيات الدستور، فما دام هذا الإدراك غائبا أو يمثل طابوها تتجنبه النخبة وتحرمه التيارات المحافظة، فإن أفراد المجتمع سيظلون بعيدين كل البعد عن روح حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، ولو كان بعضهم ينتمون إلى بعض المنظمات الحكومية وغير الحكومية التي تهتم بهذا المجال.

فهنيئا لك سيدتي بعيدك الأممي، ومتمنياتي الصادقة أن تكون كل أيام السنة مناسبة يتذكر فيها نصفك الآخر أنك إنسان مثله لا يتميز عنك بأي شيء، ولا يملك أي سلطة عليك لاستغلالك كيفما كان وضعك الاجتماعي، ولا يحق له مضايقتك والتحرش بك في الأماكن العمومية وغير العمومية، ولا اغتصابك حتى وإن كان زوجا لك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.