إعلام العنصرية وعنصرية الإعلام

مقدمة :

الإعلام بمفهومه الواسع عند الأمازيغ، ليس وليد هذه اللحضة، فلطالما شكلت ميادين “أسايس” أو “أحواش”، فضاءات تتم فيها مناقشة مختلف القضايا، التي تهم المعيش اليومي للأنسان الأمازيغي، قضايا سياسية، واجتماعية، ودينية… عبر الشعر أو “تينضامين”. وعلاقتا بموضوعنا، فيشكل الإعلام أحد المحاور المهمة في أجندات الحركة الأمازيغية، إلى جانب التعليم، والقضاء، والصحة، والإدارة، وباقي الفضاءات العمومية. ومع هذا التطور الملفت لوسائل الإعلام، بمختلف أنماطها، فنحن أمام فرصة تاريخية للنهوض بالأمازيغية لغتا وثقافتا؛ هذه اللغة التي صمدت شفويا على مدى قرون، ورغم كل التحديات.

إعلام العنصرية وعنصرية الإعلام :

حين تعيش في دولة الأبارتايد. حين تعيش في دولة همشت أحد المكونات الأساسية لثقافتها (الثقافة الأمازيغية) على مدى أكثر من نصف قرن (منذ الإستقلال). حين تعيش في دولة طالما اعتبرت نفسها زورا دولتا عربيتا. حين تعيش في دولة تدعي أنها تنتمي إلى هذا العالم الضبابي، الذي لانعرف حدوده الحقيقية حتى الآن، المسمى العالم العربي… حينها لاتستغرب، إذا خرج لك أحد البرلمانيين، خلال إحدى الجلسات الأسبوعية، المنقولة مباشرة على التلفزيون العمومي، قائلا: “تامسنا كاتصلاح غير لشي شلح يبيع فيها الزريعة”؛ نعم، قالها السيد عبد اللطيف وهبي نائب عن حزب الأصالة والمعاصرة في إحدى مداخلاته في مجلس النواب؛ قالها ولم يعتذر إلا بعد مرور مدة؛ رفض الإعتذار متحججا بأنه أمازيغي، أبوه أمازيغي سوسي وأمه أمازيغية من الريف. أن تكون أمازيغيا ياسيدي لا يشفع لك؛ فلوكنت تحمل في قلبك ذرتا من الغيرة على الأمازيغية، لما تجرأ لسانك لينطق بهذه الكلمات؛ لأنه بكلامك هذا، تكرس لتلك الصورة النمطية، بأن الإنسان الأمازيغي، هو ذلك “الشلح مول الحانوت” أو “مول الزريعة” أو أو … ثم، كم من مرة دافعت عن الأمازيغية في مجلس النواب!؟ وكم من مرة طرحت سؤالا باللغة الأمازيغية في مجلس النواب !؟ وحينها لاتستغرب أيضا، إذا خرج لك أحد الإعلاميين، كالدكتور عبد القدوس أنحاس، معد و مقدم برنامج “من وحي القلم”، الذي يبث على قناة السادسة؛ يخرج عن صمته ويقول: ” البربر لم يعرفوا معنى الحضارة إلا بعد قدوم العرب “؛ نعم، قالها في إحدى الحلقات، التي خصصها لاجترار ماجاء في كتاب “شمس العرب تسطع على الغرب”، للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه؛ هذه السيدة الألمانية (الشقراء على الأرجح) تحدث عنها السيد عبد القدوس، وكأنها نبية لاتنطق عن الهوى. ألم يكن من الممكن للسيد عبدالقدوس، هو و”مستشرقته”، أن يضعا عنوانا آخر لهذه الحضارة، التي بناها المسلمون من مختلف الأعراق في الأندلس، وبمساهمة من أقليات أخرى غير مسلمة، كأن يقولا مثلا: “شمس الإسلام تسطع على الغرب”، وهنا لا أقصد أنها فعلا شمس الإسلام سطعت على الغرب. أم أن السيد عبدالقدوس، اختار أن ينتصر للعرب وعروبتهم، بدل أن ينتصر للدين الإسلامي والثقافة الإسلامية، مادام يشتغل في قناة دينية (السادسة). وحينها لاتستغرب أيضا، إذا سمعت أحد الإعلاميين، يقدم الأغنية الدارجوفونية (الناطقة بالدارجة) بوصفها الأغنية المغربية، فيحين يقدم الأغنية الأمازيغوفونية (الناطقة باللغة الأمازيغية) بوصفها الأغنية الأمازيغية؛ أو يعرف بأحد الشخصيات المغربية الأمازيغية، على أنه مغربي من أصول أمازيغية، أو على أنه أول عربي حقق إنجاز ما. وحينها لا تستغرب أيضا، إذا أتاك رذاذ عباراة مستفزة، وعنصرية، أينما وليت وجهك في الإعلام المغربي؛ عبارات من قبيل: “دولة عربية”، “المغرب العربي”، “العالم العربي”… وحينها لا تستغرب أيضا، إذا سمعت أحد الإعلاميين العنصريين يتلذذ، بعبارات من قبيل: “نحن كعرب”، “ثقافتنا العربية الإسلامية” – مشيرا إلى الثقافة المغربية – متجاهلا بذالك الثقافة الأمازيغية، التي تشكل لب هذه الثقافة التي يتحدث عنها. وحينها لاتستغرب أيضا، إذ يقدمون لك الإنسان الأمازيغي في الإعلام، في صورة تجعله ذلك “الشلح”، السوسي، الأمي، الآتي من الجبل، الذي يعوزه التحدث بالدارجة، بطريقة معينة، فيتخذون لكنته موضوعا للسخرية، والإستهزاء. وحينها لاتستغرب أيضا، إذا وصفت منشطة برنامج “لالة العروسة”، في إحدى نسخه الماضية، الزي التقليدي الأمازيغي، بالزي البربري، “بلا حشمة بلا حيا”؛ ولم يتم الإعتذار، بل تأتي نسخة لاحقة، من نفس البرنامج، فيتم حذف كل ماهو أمازيغي، سواءا كان الزي التقليدي الأمازيغي، أو الأغنية الأمازيغية، من برمجة حفل الزفاف؛ وكأنهم يقولون للأمازيغ: << موتوا بغيضكم ! >>.

الأمازيغية في الإعلام المرئي :

مازلت أتذكر، حين كنت طفلا صغيرا، وكنا نشاهد السهرة الأسبوعية، التي كانت تبث على القناة الأولى، من البداية حتى النهاية، في انتضار تلك الأغنية، التي عادتا ماتكون، آخر مايبرمج في السهرة؛ نعم، كانت الأغنية الأمازيغية آخر مايبرمج في السهرة، ثم تنتهي. حينها كان الطفل العربي، يشاهد السهرة بكاملها، ثم يقوم للنوم، عندما تبدأ الأغنية الأمازيغية، قائلا في نفسه: << نوض غير الشلوح هادو >>؛ بينما كنت أنا – الطفل الأمازيغي – أشاهد السهرة بكاملها مكرها، لكي لا أفلت تلك الأغنية، التي تمر في آخر السهرة، بسرعة البرق، لعلها تأتيني بالبهجة، والنشوة التي تنسيني طول الإنتظار.

قناة “تمازيغت”، هذه التجربة الإعلامية الرائدة؛ رغم أهميتها، إلا أنها لايزال يشوبها الكثير من النواقص، كضعف الميزانية المخصصة لها، بالإضافة إلى أن جزء كبير من مساحة بثها، يخصص لبرامج وفقرات معادة، وضعيفة الجودة؛ يتم فيها التركيز على الفنون، والأهازيج الشعبية؛ وفي كثير من الأحيان، يتم تبني خطاب للتسلية، موجه للأمازيغ في أعالي الجبال وغض النضر عن تواجد أمازيغيون مثقفون، لهم عدة كتابات. ويعاب أيضا على “قناة تمازيغت”، وفي ظل هذا الغياب الصارخ للأمازيغية في باقي القنوات التلفزية، أنها تسير في اتجاه عزل وخندقة الأمازيغية، وتكريس منطق “الأمازيغ، لكم قناتكم ولنا نحن الآخرين قنواتنا”؛ بالإضافة إلى تكريس منطق التبعية والدونية؛ مثلا، عن طريق إلزامية وضع الترجمة بالعربية لجميع ما يبث على القناة الثامنة من برامج (sous titrage)، مقابل أن القناة الأولى لا تلزم نفسها بترجمة مختلف برامجها بحرف تيفيناغ، ما يعني عدم المساواة بين اللغتين الرسميتين للبلاد.

في ظل الإستهانة بالمنتوج الإعلامي الأمازيغي، و في ظل هذا التبخيس، والتحقير، في حق قناة “تمازيغت”، من طرف المسؤولين- سواءا المسؤولين المباشرين على القناة أو المسؤولين على القطاع ككل- و تماديهم في العمل بمنطق “إنها فقط قناة تمازيغت”؛ وفي ظل هذا الغياب التام، لأية برامج أمازيغية، بقنوات الرابعة، والسادسة، والرياضية، وميدي 1 (MEDI 1 TV) وقناة العيون الجهوية، ولأية برامج أمازيغية رمضانية بالقناتين الأولى والثانية، وهو ما يمكن اعتباره، تكريسا للتهميش الممنهج، الذي يطال الأمازيغية بهذه القنوات، الأمر الذي يخالف بشكل صريح، ماجاء به الدستور الجديد؛ وفي ظل استمرار القنوات التلفزية والإذاعية، وشركات الإنتاج السمعي البصري، في إقصاء الفنانين، والرياضيين، والممثلين، الأمازيغيين من الوصلات الإشهارية، والبرامج التواصلية، والترفيهية؛ مما يدل على استمرار التمييز العنصري، وغياب نية واضحة، للقطع مع ماضي العنصرية والتهميش؛ وفي ظل هذا الإقصاء التام لحرف تيفيناغ من الإعلام العمومي المرئي؛ وفي ظل تحايل قنوات القطب العمومي على دفاتر التحملات… أقل ما يمكن أن نقوله– ولكي لا نقول شيئا آخر- هو أننا لازلنا نعيش في زمن ما قبل دستور 2011.

الأمازيغية في الإعلام المسموع :

لاتزال الأمازيغية عاجزة، على أن تجد لها مكانا في الإعلام المغربي المسموع، رغم هذا الزخم الإعلامي الذي يعرفه المغرب على مستوى الإعلام المسموع، ورغم هذا الكم الهائل من الإذاعات الخاصة. فإذا استثنينا الإذاعة الأمازيغية، التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وإذاعة Radio Plus ، نجد أن جل الإذاعات الخاصة، على كثر عددها، تغيب فيها الأمازيغية بشكل كامل؛ اللهم بعض الإذاعات، كإذاعة Cap Radio، التي تبث بعض البرامج باللهجة الريفية (تاريفيت)، وإذاعتا Chada FM، وMFM، اللتان تبثان بعض برامجهما باللهجة السوسية ( تاشلحيت ). ومن الجدير بالذكر، أن إدارة مجموعة MFM، قد سبق أن منعت الصحفية “زينة همو”، من تقديم برنامجها الناجح “أنموكار نتيفاوين دومارك”، بإذاعة الدار البيضاء، وتم تنقيله إلى إذاعة أكادير، وذالك في إطار المضايقات، التي يتعرض لها الإعلاميون الحاملون لهم الإنسان الأمازيغي.

في ظل هذا الإستهتار، والإستخفاف، بالأمازيغية لغتا وثقافتا، وفي ظل إعلام يعمل بمنطق “الفرزيات”، لانملك إلا أن ندعو الجهات المسؤولة، كوزارة الإتصال، و”الهاكا”، إلى التحرك ضد الإذاعات الخاصة، التي لاتدرج الأمازيغية ضمن موادها، وتنبه هذه المنابر، تماما كما تفعله لضبط زمن تدخلات الأحزاب السياسية في الفترات الإنتخابية. كما ندعوا كل الفاعلين، والمتدخلين في هذا القطاع، إلى السير في اتجاه إحداث إذاعات جهوية، ناطقة بمختلف اللهجات الأمازيغية، دون السقوط في منطق القبلية، والصراعات اللهجاتية، وإحداث إذاعة مركزية، تبث برامجها باللغة الأمازيغية المعيارية، وعلى مدار الساعة.

الأمازيغية في الإعلام المكتوب :

>> إني أخاف من صرير الأقلام أكثر مما أخاف من دوي المدافع<< نابليون بونابرت .

قضى الإعلام الأمازيغي المكتوب، عقودا طويلتا، بين مطرقة الآلة السياسية المخزنية، وسندان إيديولوجية البعثية العروبية. لكنه استطاع الصمود رغم كل الإكراهات، ولعب دورا كبير في الدفع بالحركة الأمازيغية ونضالاتها، مشكلا بذلك نافذتا للتعريف بالقضية الأمازيغية وهمومها؛ في زمن كانت فيه المطالبة بالحقوق، خصوصا الثقافية و الهوياتية، جريمتا لا تغتفر؛ وفي زمن كان فيه المواطن المغربي، مخيرا بين أن يكون عربيا، أو يكون عربيا.

وتجدر الإشارة في هذا الباب، إلى أن وكالة المغرب العربي للأنباء، أطلقت بوابتها الإلكترونية بحرف تيفيناغ، إلا أنها لا تزال مطالبتا بتغيير إسمها العنصري، إلى “الوكالة المغربية للأنباء” أو “وكالة المغرب الكبير للأنباء”، انسجاما مع منطوق الدستور، الذي تم فيه تصحيح مصطلح “المغرب العربي” إلى “المغرب الكبير”.

خاتمة :

حدد الدستور الجديد، معالما واضحتا للهوية المغربية وروافدها، واضعا الأمازيغية في صلب هذه الهوية، ورافدا من روافدها الأساسية؛ وجاء فيه، أن اللغة الأمازيغية لغتا رسميتا، إلى جانب اللغة العربية، مؤسسا بذالك لعهد جديد في التعامل مع اللغة والثقافة الأمازيغيتين، و كذا النظرة للإنسان الأمازيغي؛ مما يقتضي إصلاح منظومة الإعلام لتعكس معالم هذه الهوية الوطنية وتراعي التعددية الثقافية التي يعرفها المغرب؛ إعلام يعكس هذا التعايش الحاصل بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الأمازيغية؛ باختصار، إعلام يشبه المغاربة، شكلا و مضمونا.

و رغم أهمية منظومة الإعلام للنهوض بالأمازيغية لغتا وثقافتا، إلا أن تنمية الأمازيغية تبدأ من تنمية الإنسان الأمازيغي، الذي لا زال يعيش في المغرب غير النافع، تعوزه أدنى ضروريات الحياة من ماء و كهرباء و طرق و مستشفيات… إلى غير ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.