إصلاح الإدارة: توجيهات ملكية موقوفة التنفيذ!

خالد أوباعمر

يعد ورش الإصلاح الإداري في المغرب، والذي أخد حيزا كبيرا من الخطاب الملكي الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم أمس الجمعة بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، من الأوراش التي ظلت مفتوحة لعقود من الزمن، إما بسبب بطء تنزيله من طرف الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام تحث الإشراف المباشر للقصر، وإما بفعل المقاومات التي تتعرض لها مشاريع الإصلاح الإداري من قبل “البيروقراطية الإدارية” التي تخشى  عن مصالحها وامتيازاتها من تطوير  الإدارة المغربية وإصلاح أعطابها المتعددة التي كانت موضوعا للبحث والدراسة في العديد من المناضرات والأبحاث والدراسات..

يجمع عدد كبير من الباحثين في المجال الإداري على أن هناك سبع بوابات للإصلاح الإداري في المغرب شكلت دوما المنطلق الرئيسي للتأهيل الإداري ببلادنا يمكن إجمالها لكل غاية مفيدة في ما يلي:

1  دعم اللاتركيز الإداري وإعادة تحديد مهام الإدارة،

2  دعم الأخلاقيات بالمرفق العام،

3  تحسين علاقة الإدارة بالمتعاملين معها،

4  تدبير وتأهيل الموارد البشرية،

5 تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية،

6 إصلاح منظومة الأجور في الوظيفة العمومية،

7  تنمية استعمال تكنولوجيا المعلوميات والاتصال.

من خلال مراجعة ما أنجزته الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام بالمغرب في الشق المتعلق بالإصلاح الإداري، مند عقد المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري المنظمة من قبل وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري يومي 7 و 8 ماي 2002 إلى غية الآن، يستشف بأن حصيلة الحكومات المتعاقبة في مجال الإصلاح الإداري، استنادا لرأي عدد من المتخصصين في الشأن الإداري بالمغرب، حصيلة محدودة و متواضعة بالنظر إلى البطء الذي يصاحب تفعيل عدد من الإجراءات ذات الصلة بـــ:

دعم اللاتركيز وإعادة تحديد مهام الإدارة على ضوء الدور الجديد للدولة،

دعم الأخلاقيات بالمرفق العام وفق مقاربة شمولية تروم تنزيل المبادرات والبرامج الإصلاحية،

تبسيط المساطر الإدارية،

تحسين علاقة الإدارة بالموظفين والمرتفقين،

تأهيل الموارد البشرية وتطوير أساليب تدبيرها،

إصلاح بنيوي وعميق لمنظومة الأجور، حتى يتحقق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع الفئات.

وفي هدا السياق، لا بد من استحضار الحيف الذي تعاني منه فئات عدة من الموظفين على رأسها فئة المتصرفين، والتي تشكل العمود الفقري داخل الإدارة المغربية، ولولا تضحيات هذه الفئة من الموظفين التي تخضع للنظام الأساسي المشترك بين الوزارات وصبرها الكبير، لكان واقع الإدارة المغربية أكثر بؤسا مما هو عليه اليوم بدون أي مبالغة في هذا الصدد.

التمييز في منظومة الأجور بين موظفي الدولة الذين ينتمون لنفس السلم الإداري سلوك يخل بمفهوم العدالة الأجرية وبمبدأي المساواة وتكافؤ الفرض كمبدأين دستوريين ما لبتت حكومة بنكيران أن استعملتهما كسلاح في مواجهة احتجاجات الأطر العليا المعطلة المطالبة، لتبرير إقصائها من التوظيف المباشر في ظل وجود التزام حكومي سابق !

في مغرب اليوم، لم يعد مطلوبا من الحكومات التي تتولى تدبير الشأن العام – تحت الإشراف المباشر للقصر الذي يعطي الأمر بتنفيذ القانون ومراقبة عمل الحكومة في إطار مسؤولية الحكومة أمام الملك- تشخيص واقع الإدارة المغربية وتحديد طبيعة الأعطاب التي تعاني منها.

هناك ما يكفي من الأبحاث والدراسات واللقاءات والمناظرات التي استفاضت في تشريح  واقع الإدارة البئيس، وقدمت مئات إن لم أقل آلاف التوصيات للخروج بالإدارة المغربية من عنق الزجاجة، بعد أن نخرها الفساد وتكالب عليها جيش عرمرم من المفسدين، الذين تعاملوا معها كبقرة حلوب، وأصل تجاري مربح، وسوق مفتوحة للارتزاق والاغتناء غير المشروع من خلال الصفقات التي لا تخضع في أحيان كثيرة لضوابط القانون، كما تشير إلى ذلك تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي لا يتم ترتيب الأثر القانوني على جزء كبير منها في إطار التعاطي الانتقائي معها !!

انتظارات الموظفين والمواطنين، كانت كبيرة جدا، لكن للأسف الشديد عندما يرفع رئيس الحكومة الذي ينبغي أن يكون قدوة في مجال محاربة الفساد، شعار عفا الله عما سلف ومن عاد فلينتم منه الله، يكون هذا الأخير قد أعطى نفسا جديدا للكائنات الإدارية المافيوزية، التي نهبت واختلست وعطلت وعرقلت وقاومت  كل مشاريع الإصلاح البنيوي للإدارة المغربية مند عقود من الزمن، لاستئناف نشاطها المافيوزي من جديد دون أن تأبه بالقانون أو تخشى على نفسها من المسائلة والعقاب !

كما أن لجوء الحكومة إلى تعطيل الحوار الاجتماعي ونهج أسلوب شد الحبل مع النقابات، وعدم إعارة الاهتمام للمطالب العادلة والمشروعة لفئات عريضة من الموظفين في الإدارة المغربية  كفئة”المتصرفين”، مقابل تحسين وضعية فئات أخرى مثل رجال القوات المساعدة، ورجال الأمن، وقضاة المملكة، وموظفي وزارة العدل والحريات، والمهندسين، وعدم التعاطي بالجدية المطلوبة مع التقارير الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، والتي تقف عند الكثير من الاختلالات والخروقات التي تشوب تدبير وتسيير عدد من المرافق الإدارية للدولة في عدة قطاعات حكومية…عوامل ولدت إحباطا كبيرا لدى فئات واسعة من المغاربة صدقوا عندما صوتوا في انتخابات 25 نونبر 2011 التي فرضها الحراك العشريني، أن صوتهم الانتخابي سيكون فرصة حقيقية للقضاء على الفساد والاستبداد، لكن للأسف الشديد واقع الإدارة في المغرب يوحي أن حليمة لا زالت على عادتها القديمة رغم وجود نقاط ضوء مهمة جدا كما تطرق إلى ذلك الملك في خطاب افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان.

إصلاح الإدارة وتخليقها وضمان استمرار خدماتها ينبغي أن يكونا إصلاحا شاملا وبنيويا عوض أن يتم اختزاله في ضبط مسطرة التغيب غير المشروع عن العمل مثلما حدث ويحدث في الكثير من القطاعات الحكومية مع منشور رئيس الحكومة رقم 2012/26 الذي لا ينبغي تجزيء معانيه خارج إطار سياقه العام الذي يظل مرتبطا بما ورد في دستور 2011 الذي نص على ضرورة إخضاع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.

كيف يمكن ضبط الغياب بطرق آلية إذا لم تكن هناك إرادة حقيقية وصادقة للإصلاح تربط بين المسؤولية والمحاسبة وتجعل من الجميع سواسية أمام القانون؟ كيف يمكن ضبط الغياب في ظل استمرار وجود ظاهرة الموظفين الأشباح والسفراء المتجولين في عدد من القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية؟ كيف يمكن ضبط الغياب في ظل إصرار عدد من الإدارات على رفض نشر لوائح الموظفين الفعليين على بواباتها الإلكترونية؟ كيف يمكن ضبط الغياب في ظل وجود عقلية داخل الإدارة تريد تطبيق القانون بطريقة انتقائية على فئة من الموظفين دون فئة أخرى؟ أين نحن من المساواة في تطبيق القانون إذا كان حال الإدارة المغربية بئيس؟

هذه الأسئلة وغيرها، تحيل في الواقع، على وجود مشاكل جمة في عدد من الإدارات المغربية تحول دون تنزيل القوانين وتطبيق المساطر القانونية بشكل ناجع وخال من الشطط في استعمال السلطة ومن التمييز في تطبيق القانون ومن التعسف في استعمال العنف الإداري من موقع المسؤولية في التدبير.

في بعض الإدارات هناك فئة من الموظفين يصعب على الإنسان تصنيفهم إداريا، هل هم موظفين أشباح؟ أم سفراء متجولين؟ أم كائنات فوق القانون والمسائلة والمحاسبة؟ أم أنهم موظفين في حالة انقطاع عن العمل؟ أو في حالة استيداع؟ أو في وضعية رهن الإشارة؟ أو في حالة تفرغ؟

من هذا المنطلق،  ينبغي التأكيد على أن الإدارات المغربية مطالبة بدون استثناء بنشر قوائم موظفيها الفعليين، والموجودين في وضعية رهن الإشارة أو التفرغ لأسباب نقابية، وأولئك الذين يوجدون في وضعية الإلحاق أو في حالة الاستيداع، والمستفيدين من رخص المرض الطويلة أو المتوسطة الأمد، ورخص الدراسة، حتى يتم الفرز وتتحقق العدالة الإدارية والمساواة في تنزيل القوانين وتطبيق المساطر الإدارية بالشكل الذي يتم فيه ربط المسؤولية بالمحاسبة دون وجود أي تمييز بين عمر أو زيد، إذا كنا بالفعل نريد الإصلاح الحقيقي وليس الضحك على ذقون الموظفين والشعب بالشعارات الفارغة.

كثير من المسؤولين الإداريين على تدبير الموارد البشرية في عدد من القطاعات الحكومية وجدوا في منشور السيد رئيس الحكومة حول ضبط التغيب غير المشروع عن العمل، فرصة مواتية للانتقام من الموظفين لاعتبارات تتجاوز في بعض الأحيان ما هو إداري، وتمس في العمق بحقوق مدنية ودستورية للموظف يحميها الدستور وتصونها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وهي في غالب الأحيان اعتبارات يكون محددها إما سياسيا أو نفسيا.

 كما وجدوا فيه مطية لعقد صفقات مدرة للربح في العلاقة مع شركات أو مقاولات خاصة، وهنا لا بد من التساؤل عن السبب الذي يدفع مثلا بعض الإدارات إلى استبدال أنظمة مراقبتها القديمة لضبط الغياب، بأخرى جديدة رغم أنها صالحة للاستعمال؟

على العكس تماما من هذا المنطق الانتهازي المريض في تدبير المرافق العامة للدولة، والذي ينبغي القطع معه داخل الإدارات المغربية، يتعين على المسؤولين التعامل مع القوانين والمناشير الحكومية، كوسيلة من وسائل تيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات من مختلف الخدمات العمومية على قدم المساواة، وكوسيلة أيضا لضمان استمرارية المرفق العمومي وتجويد خدماته وتمكين المواطنين والمواطنات من الاستفادة منها..

نعم، الإدارة مطالبة بضبط الغياب حتى يكون لقاعدة العمل مقابل الأجر معنى حقوقي وقانوني صرف، لكن، بموازاة هذا الإجراء المهم والضروري، لا ينبغي اختزال تدبير الموارد البشرية في هذا الأمر فقط، دون استحضار أمور أخرى، تمتد إلى مراقبة قرارات الإدارية التي تفتقد للأسس القانونية والدستورية، وتمس بالحقوق المكتسبة للموظفين وتضعهم في موقف الإحراج، ويمكن أن تخلق لهم مشاكل في العمل إن هم رفضوا العمل بموجبها، وقد حدث هذا الأمر للأسف الشديد في بعض القطاعات التي ينتصر فيها المسؤول الإداري لعقله التسلطي السلطوي عوض الانتصار للقانون !

ما الفرق بين موظف شبح تتستر عنه الإدارة وتغدق عليه من المال العام وموظف فعلي يحضر باستمرار للإدارة ويزاول مهامه تحت الضغط والابتزاز؟ ما الفرق بين موظف ينجز مهامه طيلة سنة كاملة دون أن يحصل على أي تحفيز إداري أو مالي وموظفين آخرين تصرف لهم  الإدارة امتيازات مالية وإدارية لا حصر لها مقابل مهامهم، التي يتقاضون عنها رواتبهم، أو بدون مقابل، كما هو الشأن بالنسبة للتعويضات التي تصرف لبعض الموظفين في عدد من القطاعات الوزارية عند متم السنة المالية الموشكة على الانصرام من الأموال المتبقية من ميزانية التسيير بطرق تدليسية عوض إرجاعها لخزينة الدولة؟ على أي أساس قانوني تمنح لكبار المسؤولين مزايا وتعويضات وهمية عن التنقل تغطي فترات توجد أدلة قاطعة على أنهم يزاولون فيها مهامهم الإدارية داخل مكاتبهم المكيفة والمريحة بشكل روتيني من خلال توقيع المراسلات الإدارية وعقد الاجتماعات؟

ورش الإصلاح الإداري في المغرب من الأوراش الصعبة التي لا ينبغي لأي حكومة كانت التعاطي معها بإجراءات إدارية جافة، بل إن نجاح هذا الورش الاستراتيجي والحيوي، يستدعي كما ورد في الخطاب الملكي الهام، تأهيل الموارد البشرية وتوفير ظروف عمل لائقة للموظفين تحترم أدميتهم وتصون كرامتهم، وتحفيزهم بما يشجعهم على البدل والعطاء بدل التضييق عليهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم كما لو أن الموظف له الواجبات فقط ولا حقوق له يحميها القانون والدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. إضافة إلى تعزيز الآليات الرقابية لإنجاحه.

عملية تنزيل الإصلاحات المرتبطة بهذا الورش الكبير تقتضي من جانب آخر، إعطاء الأهمية لتفعيل المبدأ الدستوري الذي يربط بين المسؤولية والمحاسبة، من خلال تعزيز دور المفتشيات العامة للقطاعات الحكومية، وذلك من خلال منحها الاستقلالية التامة عن الوزراء الذين تشتغل تحت إشرافهم المباشر، حتى تستطيع إنجاز مهامها بكل حرية و بعيدا عن أي وصاية كانت، وإعطاء الأهمية اللازمة لتقارير المفتشية العامة لوزارة المالية، وتقارير المجلس الأعلى للحسابات من خلال إحالتها على القضاء للبث فيها، وترتيب الآثار القانونية في شأنها.

دون هذه الإجراءات لا تستطيع أي حكومة، مهما كانت مشروعيتها السياسية أو الانتخابية، تنزيل ورش الإصلاح الإداري بشكل مثالي في ظل وجود بيروقراطية إدارية وجيوب للمقاومة تنتصر لمصالحها الضيقة دون أن تعير أي اهتمام  لتطوير الإدارة وتعزيز الأخلاقيات فيها..

ورش الإصلاح الإداري في المغرب يفتقد لأسس الحكامة الجيدة التي تقتضي حسن التدبير، والإشراك، والتشارك، والتوافق والفعالية، وجودة الخدمات والتواصل. وإذا كان الخطاب الملكي الأخير قد أكد على أهمية هذا الورش تنمويا فان هذا الخطاب حمل مؤشرات سلبية أهمها أن التوجهات الملكية لا تحترم وهذا ما يطرح أكثر من علامة استفهام كبرى حول اعتبار الملك ومكانته الدستورية بوصفه رئيس الدولة وومثلها الأسمى وأمير المؤمنين الذي منحه الفصل 42 من الدستور صلاحيات واسعة يمارسها بموجب ظهائر؟

مباشرة الإصلاح الإداري ستواجه  لا شك في ذلك مقاومات شديدة ،لا سيما، وأن  الإدارة في المغرب شقين: شق مدني وشق عسكري له حساسيته المفرطة.فهل تستطيع أي حكومة مباشرة الإصلاح الإداري في شموليته وفق صلاحياتها الدستورية خارج إطار التوافق مع القصر؟

الإصلاح الإداري يحتاج إلى إرادة سياسية لكل الأطراف، من الفاعل المهيمن، إلى الفاعل التابع. كما تحتاج أيضا إلى رؤية إصلاحية بنيوية، وشاملة، تأخذ بعين الاعتبار، أهمية الفصل الحقيقي بين السلط، وأهمية التوازن بين القطاعات الحكومية، التي لا ينبغي لأحدها أن يطغى على الآخر، وهذا هو العطب الكبير في اعتقادي الشخصي الذي يتعين تركيز الاهتمام عليه إذا نحن بالفعل أردنا الإصلاح الحقيقي للإدارة التي لا يمكن الاستهانة بأثر أعطابها على صورة البلد وتنميته ووضعية الاستثمار فيه !

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.