إشراقات صوفية (2 ): بين المتصوفة و الفقهاء

محمد التكانتي

يعد التصوف جزء أساسيا من الاسلام و قد عبر عنه الشيخ محمد الغزالي بالجانب العاطفي من الاسلام،كما عبر عنه غيره بالاحسان و هو المصطلح الأقرب الى السنة  “الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك” كما جاء في حديث جبريل الشهير.

فالتصوف في واقع الأمر ليس مذهبا فقهيا و لا عقديا بل هو العلم الذي يعنى بالقلب و أحواله ،فلم ينفصل التصوف عن الفقه الا في القرن  الثالث الهجري متميزا على علم الفقه من ناحية الموضوع والمنهج والغاية،  وقد فصل أبو حامد الغزالي في كتابه المرجع “إحياء علوم الدين ” الانفصام الهائل الذي حدث بين فقه الحلال و الحرام و فقه النفس ،مما ترتب عنه انعطاف الزهاد الأوائل و انفصالهم عن الفقهاء لما وجدوا في منهجم من الجفاء ، ولا شك أنه كان لحركة تدوين العلوم الشرعية التي سبقت تدوين التصوف أثر في ذلك، وقد نبه ابن خلدون الى الأمر ، حيث قال: “فلما كُتبت العلوم ودُوِّنت، وألف الفقهاء في الفقه وأصوله، والكلام والتفسير ، كتب رجال من أهل هذه الطريقة- يقصد الطريقة الصوفية- في طريقهم، فمنهم من كتب في الورع، ومحاسبة النفس على الاقتداء في الأخذ والترك كما فعله المحاسبي في كتاب “الرعاية”، ومنهم من كتب في آداب الطريقة وأذواق أهلها ومواجدهم كما فعل القشيري في “الرسالة”، وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد أن كانت الطريقة عبادة فقط.

ويصف ابن خلدون المقابلة بين علمي الفقه والتصوف، قائلا: “وصار علم الشريعة على صنفين: صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفُتيا وهو الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم- يقصد الصوفية- في القيام بهذه المجاهدة- يشير إلى مجاهدة النفس-، ومحاسبة النفس عليها، والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها، وكيفية الترقي فيها من ذوق إلى ذوق، وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك”.

ويبقى المتصوفة كغيرهم من فرق المسلمين لهم ما لهم و عليهم ما عليهم، كما قال ابن السبكي في معيد النعم و وافقه الرأي ابن تيمية حين قال :” الصوفية منهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات باذن الله.”

أما المحققون من أهل هذا الطريق مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني و الجنيد و غيرهم ممن جمع علمي الشريعة و الحقيقة ،فلم ينفصل الفقه في حياتهم عن التصوف ،فكان مذهبهم الالتزام بالشريعة ظاهرا و باطنا و عملوا على اصلاح النفس و تهذيبها و علموا تلاميذتهم فقه الاحكام و فقه المقامات و الأحوال .وهذا هو التصوف الحقيقي الذي يوصل الى بر الأمان.

والتعميم مذهب الجهلاء فلا يمكن أن نضع اهل هذه الطريقة في خانة واحدة ،فكما وجد فيهم الزهاد و أهل التقوى و الورع داخل طريقتهم أهل الأهواء و أصحاب الشطحات و أكلة الأفاعي و العقارب من يشرب الماء المغلي مع الرقص ثم اذا حضرت الصلاة المفروضة قالوا رفعت عنا التكاليف بما بلغنا من مقامات !هؤلاء ليسوا من الصوفية في شيىء .

وقد نسب قول بليغ للامام مالك في ربطه بين الفقه و التصوف  قال رحمه الله : ” من تصوف و لم يتفقه فقد تفسق ومن تفقه و لم يتصوف فقد تزندق”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.