إشراقات صوفية (1)

بقلم : محمد التكانتي

*نظرات في بداية التشكل :

  ليس من السهل أن يقف الباحث في علم السلوك عند تعريف جامع مانع لمفهوم التصوف، ذلك أن المصطلح أعطيت له تعاريف و تفاسير عدة، ضاعت الحقيقة فيها بين تفريط المنكرين و إفراط المناصرين. لكن معظم هذه التفاسير إن لم أقل كلها يصب في معنى واحد هو الاهتمام بالقلب و إصلاحه و تزكية النفس من حيث  العناية بها .

إذا تعقبنا مصطلح التصوف من حيث أصله الاشتقاقي سنقف عند الكثير من الاجتهادات ،أسوق هنا بعضها بقدر ما يسمح به المقام و يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق كما يُقال.

  فقد  عُني عبد الرحمان ابن خلدون بدراسة التصوف كظاهرة عمرانية بكونها  تتفاعل مع  الجماعة التي تولد فيها هذه الظاهرة و تنمو، ثم رأى مدى التفاعل الحاصل في المجتمع الإسلامي، وقد خصّ مبحثا خاصا في مقدمته  سماه  ب”علم التصوف ” ثمّ عاد إلى دراسته  في مبحث منفصل وهو “شفاء السّائل” إذ خصّه بالنظر في الفلسفة التي يقوم عليها التصوّف، وتجدر الإشارة إلى أنّ ابن خلدون قد لاحظ أنّ التعريفات التي يقدّمها المتصوّفة لمذهبهم متعددة يختلف بعضها عن بعض وتغلب عليها سمة الغموض.

و هذه بعض التعاريف التي حاول من خلالها روارد هذه الطريقة تلخيص فهمهم للتصوف :

” التصوف الجد في السلوك الة ملك الملوك ” و قيل التصوف الموافقة للحق ،و قيل أيضا إنما سميت الصوفية بهذا الاسم لصفاء أسرارها و نقاء اثارها .”و قال بشر بن الحارث ” الصوفي من صفا قلبه لله “.

وقد سئل الامام سهل بن عبد الله عن الصوفي فقال : ” من صفا عن الكدر ،و امتلاء من الفكر و استوى عنده الذهب و المدر “.

أما الشيخ محمد ميارة المالكي فقد قال في شرح المرشيد المعين: “التصوف اتصاف بالمحامد و ترك للأوصاف المذمومة و قيل أن اشتقاقه من الصفاء.

أما العلامة ابن خلدون فقد صنف التصوف في باب العلوم الشرعية و قال :

“هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة و أصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة و كبارها من الصحابة و التابعين و من بعدهم طريقة الحق والهداية و أصلها العكوف على العبادة و الانقطاع إلى الله تعالى و الإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها، و الزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة و مال و جاه والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة و كان ذلك عاما في الصحابة و السلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني و ما بعده و جنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية و المتصوفة.”

 و قال القشيري رحمه الله: ولا يشهد لهذا الاسم اشتقاق من جهة العربية و لا قياس، و الظاهر أنه لقب. و من قال اشتقاقه من الصفاء أو من الصفة فبعيد من جهة القياس اللغوي، قال: و كذلك من الصوف لأنهم لم يختصوا بلبسه. قلت: و الأظهر إن قيل بالاشتقاق أنه من الصوف و هم في الغالب مختصون بلبسه لما كانوا عليه من فخالفه الناس في لبس فاخر الثياب إلى لبس الصوف فلما اختص هؤلاء بمذهب الزهد و الانفراد عن الخلق و الإقبال على العبادة .”

و مما اتفق عليه أهل هذا الفن أن التصوف ليس علم يحفظ بقدر ما هو حال يطبع قلب الانسان فيعيش مع الله .(قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون )-سورة الأنعام الأية 91-

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.