إرحموا هذا الوطن ففي الإختلاف رحمة

كنت أقف في مكان غير بعيد عن باب الحافلة ،وفجأة صعد “كوبل ” في عقدهما الخامس حسب تقديري ،يتكون من شخص أجنبي وزوجته بلباس غير محتشم وشعر أشقر عاري ،بينما يجلس رجل مغربي يسدل لحيته الناصعة البياض ،وبيده تسبيح ويتمتم بكلمات بين الفينة والأخرى ،بمقعد وسط الحافلة وإلى جانبه زوجته المنقبة التي لا يظهر منها سوى العينين .

وما إن إقترب الأجنبي وزوجته من كرسي جلوس الملتحي ،حتى وقف هذا الأخير ،وترك مكانه  للسيدة ” النصرانية ” لتجلس إلى جانب زوجته ،فبادلته بكلمة شكر ” ميرسي مسيوه ” ،وهي مطأطأة الرأس ،ورد عليها هو الأخر عبر تحريك رأسه وعينيه الى الأرض ،ثم بعد ذلك إقترب منه زوجها وبادره بكلمة شكر،ثم دخل معه في نقاش لم أسمع فحواه ،لكن علامات الرضى كانت بادية على محياهما ،وعلامات الحرج أيضاً على صاحب اللحية ،الذي كان لا يتكلم اللغة الفرنسية بشكل جيد وكان يتواصل بصعوبة بالغة .

وفي الجانب الأخر يتبادل السيدتين بعض الكلمات بين الفينة والأخرى ،وكانت المنقبة تنطق بكلمات فرنسية غير مفهومة ،أو لربما لم أسمعها بشكل جيد نظراً للمسافة التي تفصلني وإياهن ،لكن هذا لا يهم المهم هو أن هناك محاولة للتواصل ومؤشر على تقبل الأخر ،وإحترام عقيدته وإحترام حريته في إختيار ما يؤمن به . وبعد 20 دقيقة تقريباً وصل موعد نزول الأجانب في محطة قرب واحات المنارة ، فنهضت الأجنبية من مكانها بينما تقدم الملتحي للسلام على زوجها وقال له ” اغوفواغ ” بينما بادرت هي بمعانقة المنقبة وكأنهن يعرفن بعضهن لسنوات ثم ردت المغربية قائلتاً ” بيان فوني ” بعد أن خانتها قدراتها التعبيرية ،لكن تصرفهن هذا بحد ذاته هو تعبير ضمني على تقبل الإختلاف الديني والثقافي بينهن في زمن كثر فيه المكفرون ودعات الفتنة .

لربما لم يفطن كل من في الحافلة لهذا المشهد الذي أثارني وتابعته بإهتمام شديد ،في لقطة تجسد ما يجب أن يكون عليه هذا الوطن ،فالمغرب كان ولازال أرض التنوع والإختلاف ،فالمغرب وكما يعلم الجميع يعيش فيه المسيحي والمسلم واليهودي ،وكل طرف  يحترم الأخر ،ولا يحاول فرض ما يؤمن به عليه، إنطلاقا من مبدأ الحرية للجميع في ممارسة ما يؤمنون به ،مع إحترام المرجعية الرسمية للبلد .

أمام هذا المشهد تذكرت تلك الوجوه الشاحبة ،والنظرات القاسية ،التي  تكفر كل من يختلف معها ،وتذكرت بعض المتطرفين الذين يجيزون قتل الأخر ،فقط لأنه ليس مسلماً ،أو أنه غير مسيحي ،وتذكرت أيضاً أولائك الدين يحتقرون شخصاً أسدل لحيته ،وحمل تسبيح وإختار طريق الإلتزام الديني ،ويصفونه بالمتطرف أو الدعشوش ،تذكرت ايضاً من يستبيح قتل اليهودي بإسم الدين ،والدين منه بريئ ،فحتى رسولنا الكريم تبث تعامله مع اليهود ،بل وأكثر من هذا كان جاره يهودياً وأحسن إليه ،بالإضافة إلى التجارة التي كان يمارسها معهم .

أمام هذا المشهد تذكرت واقعة شاريلي إبدو حين قامة الدنيا ولم تقعد بعد الهجوم الإرهابي على هذه الصحيفة الساخرة ،حينها ملئ الخبر جميع الصحف والمجلات والمحطات الإداعية والتلفزية ،فسألتني والدتي الغير متعلمة والتي بالكاد تقرأ إسمها ولا تعرف كتابته ،عن ما يجري ومالذي وقع في فرنسا ،ولما قاموا بهذا العمل الاجرامي ،فقلت لها أن السبب هو تلك الصحيفة اللعنية التي قامت برسم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بكل وقاحة ، وبالتالي فهؤلاء المتطرفون إدعوا أنهم إنتقموا للرسول وربما ليسوا مسلمين فهي مجرد حيلة ،من أجل اللصاق التهمة بالمسلمين وتمرير قوانين لتقيد المهاجرين المسلمين ،فالصحيفة دائبت على ذلك وكان المسلمون يحتجون بطريقة حضارية عبر مظاهرات سلمية تندد وتستنكر ما قامت به هذه الصحيفة دون إستعمال العنف  .

أمي تلك المرأة البسيطة التي تسدل خمارها ،وتحرص على صلواتها بشدة ،وتقرأ القرأن كل اليوم ،تصوم الإثنين والخميس وتعرف بينها وبني خالقها ،كان ردها بالنسبة لي أرقى بكثير من ما يقوله بعض الشيوخ ،وبعض التكفيرين ودعات القتل وإستباحت أرواح الناس ،وهذر دمهم بإسم الدين ،وقالت ” الرسول الكريم لن يسيئوا له بشيئ ،فالفرق بينه وبينهم عظيم جداً ،فاليتركوهم وشأنهم ،يرسموا ويقولوا ما شاءت اللسنتهم ،فالدين الإسلامي لم يأمر بقتل النفس ،ودورهم هو أن يعبدوا الله كما أمرهم ،وليتركوا أمر العقاب لله  “.

صحيح فأنت مطالب في هذه الدنيا بأن تمارس ما تؤمن به من شعائر ،وفقاً للدين والمذهب التي تنتمي اليه ،وليس من حقك محاكمة الأخرين بسبب انتماءاتهم، فالدين دين رحمة ومغفرة  ،وقد جاءت في القرأن الكريم أكثر من أية تدعوا إلى التعايش وتقبل الإختلاف .

بشهادة أجدادنا وإستناداً إلى قصصهم حول الزمن الجميل ،فقد كان المغرب أرض التنوع  بإمتياز،وكان المغاربة المسلمون يعيشون جنباً إلى جنب مع إخوانهم اليهود ،ولم يتبت قط أن قتل مسلماً يهودياً على هذه الأرض باسم الدين ،في زمن كان الناس فيه بسطاء ،غير متعلمين لكن وعيهم كان كبيراً وقلوبهم أكبر ،حين كانت تتسع لكل شخص جاء للعيش بينهم ،بغض النظر عن إنتماءه الديني أو القبلي ،حينها لم تكن لا صحف ولا راديو ،ولا قنوات تلفزية ،تنقل لهم رأي بعض الشيوخ التكفيرين وتأمر الناس بالإنتقام من شيئ لا يعرفونه ،والإنتصار لعقيدتهم ضد عدو يجهلونه ،في ذلك الوقت كان المغرب أرض التنوع والإختلاف ،وسكانه مؤمنون  ويحفظون عن ظهر قلب الأية القائلة ” لكم دينكم وليا دين ” .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.