إرادة المواطنين…ودستور 2011

       الدولة عندنا , لا تمتد دائما في المدن و القرى و المداشر من خلال المؤسسات و الخدمات الإجتماعية العمومية (الصحة , التعليم , السكن , النقل ) و البنيات التحتية الأساسية . الدولة عندنا تجسد كينونتها و مبتدأها و منتهاها من خلال الوالي و العامل و الباشا و الشيخ والمقدم . مؤسسات الدولة لا تستمد شرعيتها من الشعب و اختياراتها لا تنبع لا من إرادة المواطنين و لا من أولياتهم .كما انها اي المؤسسات تشتغل بشكل مزاجي و بتعطيل لكثير من القوانين . و لم تستطع الدولة ومنذ انقلابها على حكومة عبد الله ابراهيم من انجاز انتخابات حرة ونزيهة بما يستتبعها من إجراءات تؤكد حيادية الدولة, و تؤمن لتباري حر بين جميع الفرقاء السياسيين .

   و المواطن عندنا لا يشارك في القرار السياسي مباشرة أو من خلال عملية تمثيله من طرف الفاعل السياسي , دوره منحصر في اداء الضرائب سواء كان يشتغل أو معطلا, و تحمل الزيادات و عواقب أخطاء اختيارات الدولة .

السلطة السياسية عندنا ,تتأرجح بين ثلاث اختيارات على الأقل :

1ـ إما انها تقدم نفسها على أنها تعرف ما يناسب الشعب , و هذا الاخير مطلوب منه أن يساندها .

2ـ تقترح على من يفترض فيه ان يمثل الشعب (و أغلبهم نتاج انتخابات مزورة) , الاختيارات التي قد تناسب ـ من وجهة نظرها حتى لا نقول من خلال مصالحها ـ الشعب. و عليها ان تصادق عليها في المجلس الوزاري و البرلمان و الجهات و المجالس المحلية… .

3ـ السلطة السياسية تحدد اختيارات معينة لا تفهما لا القوى السياسية و لا علماء الاقتصاد .. وتعارض مصالح السواد الأعظم من المواطنين و المواطنات . و مطلوب من هذه الأخيرة ان تصفق أو تصفع في الساحات العمومية .

الطبقة الحاكمة عندنا ومن يدور في فلكها (مع استثناءات تؤكد القاعدة) , تتمتع بامتيازات اقتصادية و قضائية و ضريبية .. تفوق الخيال. لا يمكن ان يحاكيها في التاريخ السياسي ,غير دولة العبيد و الأسياد .و هي منهمكة في تجميع الثروة و تهريبها و خدمة الاختيارات النيوليبرالية . وإغراق البلد في الديون , ورهن مستقبل الأجيال القادمة وسيادة الوطن لدى المؤسسات الخاصة .

     و السلطة السياسية , لا تنكف في كل مرة في التعبير عن إرادتها في التغيير . و اتخاذ مبادرات هنا و هناك تمتص الاحتقان و تعيد توزيع الإمتيازات على النخب بما يضمن استمرار اختياراتها الإستراتيجية . والإرادة الوحيدة بمعيار التأسيس الجدي لشروط الانتقال الديمقراطي هي انشاء هيأة الانصاف و المصالحة ,ـ بغض النظر عن كل المؤاخذات ـ انتهت توصياتها إلى درج ما .لتعود مع الحراك العشريني إي إلى منضدة من يصوغون الدستور نيابة عن إرادة المواطنين و المواطنات. وكل ما تم أنجازه لحد الان هو نتيجة تظافر كل مكونات الشعب المغربي .. و التقدم الحاصل في بعض المجالات هو واجب السلطة السياسية و دورها .

   في المقابل , نجد الاحتجاجات في المدن و القرى و المداشر طقسا يوميا , يمكن الإحالة الى تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان ,او تصفح بعض الجرائد الوطنية أو المواقع الالكترونية … الاحتجاجات اليوم على امتداد جغرافية الوطن , تتخذ أشكال مختلفة .. من احتلال الفضاءات العمومية, إلى الإعتصامات , إلى التهديد بحرق الذات , الى الفيديو ,……   و مطالب هذه الإحتجاجات التي يتزعمها المواطنات و المواطنين و تتم غالبا بشكل عفوي ,هي مطالب بسيطة في أساسها (و نستثني هنا الإحتجاجات المنظمة او تلك التي تؤطرها الهيات النقابية و السياسية و الحقوقية) . تتعلق بتجويد خدمات المرافق العمومية , و الواد الحار , وتطبيق القانون , وتفعيل الاحكام القضائية و حماية الممتلكات من السلب و النهب … إلى غير هذه المطالب التي هي في عمقها لا تخرج عن واجبات السير العادي لمؤسسات الدولة و الأجهزة الموكول لها تطبيق القانون و حماية الحقوق ,مما يفرغ الدستور الحالي من و ظيفته .….

و القائمون على مؤسسات الدولة في مواجهة هذه الإحتجاجات :

1ـ إما أنهم و في حالات ناذرة يفتحون حوارا , لا يفضي غالبا إلى تحقيق هذه المطالب ﻷنهم يعتبرون ذلك انتقاصا من هيبة مؤسسات الدولة , يجذر هنا التذكير ان هذه الإحتجاجات يسبقها غالبا المراسلات و العرائض و البيانات التنديدية ….

2ـ في الكثير من الحالات يتم استخدام العنف و المنع و الإعتقال …., او استخدام اساليب من شأنها تفجير هذه الاحتجاجات من الداخل او الرهان على عامل الوقت .و القمع الذي تواجه به مطالب العمال و العاملات , نتيجة التسريح او هضم حقوقهم يعمق الوعي لديهم بانحياز الدولة إلى مصالح فئات بحد ذاتها , وعجزها عن تفعيل مفتشيات الشغل و تنفيذ الأحكام القضائية لصالح العمال و العاملات أو قرارات لجن البحث و المصالحة الجهوية و الوطنية .

3ـ تتم الاستجابة جزئيا الى بعض هذه المطالب و غالبا ما يتم تقديمها كهبات يعطف بها المسؤولون على المواطنين , او من أجل تزكية حظوظ مرشح ما ….

     لقد تنامت في الاونة الأخيرة داخل هذه الاحتجاجات , مطالب متكررة بتدخل الملك لحل مثل هذه المشاكل .. مما يؤشر على ان هناك وعي حقيقي لدى المواطنين و المواطنات بان كل السلط هي في يد الملك , ولا يمكن انتظار اي جديد من طرف مؤسسات الدولة , وهو ما تعبئ له أجنحة الحزب الحاكم و تصريحات رئيس الحكومة . لكن الاهم من كل هذا هو انتقال المواطنين و المواطنات إلى الإحتجاج السلمي كخيار عن الاليات التي يقترحها المخزن من رسائل الإستعطاف ,و تدخل الأعيان كوسطاء بين الساكنة و المسؤولين , او التملق إلى غير ذلك من القيم التي سيدها المخزن داخل المجتمع المغربي لتأبيد استمرار الرعايا كخيار استراتيجي يضمن به مصالح المستفيدين من الوضع القائم . وكان يفترض من دستور 2011ان يجسد إرادة المواطنين و المواطنات في التغيير و تلبية مطالبهم و حماية حقوقهم .

   المجتمع المغربي اليوم يدافع كذلك بفئاته الهشة عن المساحات التي حررتها حركة 20فبراير لصالح الكرامة الإنسانية و سيادية حقوق الإنسان, و الفضاء العام كمساحة للتعبير عن المطالب , تتبعنا جميعا حالات التضامن الشعبي ويبقى أبرزها ربما حين اجبر دلك المواطن الميكانيكي على تقبيل أرجل احد ممثلي مؤسسات الدولة .

   لا شك في ان حركة 20فبراير , تأخذ ديناميتها الطبيعية داخل المجتمع المغربي بشكل بطيئ لسيرورة تراكم القوة ـ التي عبرت إبان الحراك عن عدم ارتياحها للاختيارات السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية ـ , وليس كما أراد لها المخزن .. لقد لعبت الحركة بعد كمونها دور الة ضخمة في تسييس الناس و اهتمامهم بالشأن العام .. و عودتها و بمطالب أقوى هي مسألة وقت , وليس ضروريا تحت يافطة 20فبراير . في حين أن القوى الداعمة للحراك في سبات عميق أو عاجزة عن اتخاذ قررات تاريخية بما تتطلبه المرحلة .

   و لا يمكن ان ننسى ان حركة 20فبراير , بالنظر الى كل الملابسات التي رافقت ولادتها كانت عفوية ,لكنها كذلك ثمرة عقود من التجارب و التضحيات و النضالات …من أجل الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية و الديمقراطية … و السلطة السياسية تعتقد أنها ربحت جولة لأنها اخرت عبور الشعب المغربي إلى الديمقراطية و لم تستجب لحد الان الى مطالبها الأساسية ..

   الدساتير ليست و ثائق للتباهي بجماليات المضمون و رونق التصدير أو نيازك للتنزيل .. الدساتير التي لا تحمل معها ديناميات التغيير الجدري للوضعية الإقتصادية و الإجتماعية , وتؤسس للديمقراطية الحقيقية حيث الشعب مصدر السيادة و السلطة مكانها الطبيعي المتاحف .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.