إدغار موران يكتب.. فرنسا تلقت ضربة في صميم طبيعتها القائمة على العلمانية والحرية

كتب الفيلسوف وعالم الاجتماع، إدغار موران، مقالا تحليلياًّ خَصّ به صحيفة “لوموند الفرنسية“، حول “الهجوم الدنيء” على مجلة “شارلي إبدو”، مهّده باستحضار العبارة التي قالها الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، في أعقاب الهجوم، بأن :”فرنسا ضُربتْ في الصميم”، ويضيف موران بأنها ” ضُربتْ في صميم طبيعتها العلمانية و فكرتها القائمة على الحرية”، وجُسَّد هذا الفعل في الهجوم على مثل هذه المجلة أساسا، التي تتخذ من المقدس بجميع أشكاله، خاصة ما يتعلق بالدين، مادة للتهكم والسخرية. وأعتبر أن “عدم الاحترام” الذي تبديه المجلة، يظل محصورا في نطاق :” الضحك والفكاهة”، وهو الأمر، الذي يضفي على الهجوم طابع “الغباء المرعب”، حسب موران.

وبرزانة عقله ورجاحة فكره، حاول الفيلسوف أن يوازن بين العقل والعاطفة بخصوص هذا الهجوم، معتبراً أنه: “لا ينبغي لعواطفنا أن تقصي العقل، و لا ينبغي للعقل أن يحجب أو يقلل من عواطفنا.”

تناقض لا يمكن التغلب عليه

اعترف إدغارد موران بصعوبة الحسم فيما يعتبره “تناقض محير لا يمكن التغلب عليه”، ذلك ما دفعه إلى طرح التساؤل التالي :”هل ينبغي فسح المجال أمام حرية الإساءة لمشاعر المؤمنين بالإسلام، و إهانة صورة نبيهم أو أن حرية التعبير تتجاوز كل الاعتبارات الأخرى؟” مؤكدا في الوقت ذاته باصطفافه إلى جانب المعارضين لتدنيس الأماكن والأشياء المقدسة.

إلا أنه عاد ليثير امتعاضه وشجبه للعنف، وعبر عن رعبه واشمئزازه من الهجوم ضد المجلة الساخرة “شارلي إبدو”.

واعتبر أن هذا “الهجوم الخسيس” هو أحد تجليات الحرب الاهلية الدائرة في الشرق الاوسط وكذا الحرب العالمية التي تشن في هذه المنطقة والتي اصطفت فيها فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة. و يرى موران أن هذه الصراعات والحروب قد ظهرت داخل فرنسا.

ولم يغفل عالم الاجتماع الإشارة إلى تنامي الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وأكد أن صعود نجم هذا التنظيم هو أحد تجليات مخلفات الحرب في العراق وسوريا، والتدخلات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان، التي ساهمت في تفكك وانهيار ما أسماه “الدول المركبة إثنيا ودينيا كالعراق وسوريا.”

وانتقد سياسة الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب وفشل الائتلاف غير المتجانس نظرا لإقصائه العديد من الدول المعنية بالمسألة، ونظرا لهدفها المستحيل الذي حصرته في السلام واستعادة وحدة العراق وسوريا. ويرى الفيلسوف أن المخرج الوحيد السلمي (غير القابل للتحقق في الوقت الراهن) هو تأسيس “كونفدرالية كبيرة من الشعوب، والاثنيات، وأديان الشرق الأوسط، تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، كحل وحيد لمسألة الخلافة”، حسب تعبير موران.

المصادفة

ثم انتقل إدغار موران، إلى استحضار، جل الفاعلين الأساسيين الحاضرين في الموضوع وحصرهم في: “الطيران (الحربي) الفرنسي، والفرنسيين المسلمين الذاهبين للجهاد، والمسلمين الفرنسيين العائدين من الجهاد”، واعتبر أن ما يحدث في الشرق الأوسط أصبح حاضرا داخل التراب الفرنسي عبر نشاط القتل، ومن تجلياته الهجوم الأخير على مجلة “شارلي إبدو”. ولفت الانتباه إلى أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يظل بدوره حاضرا داخل فرنسا”.

وعلاوة على ذلك، أشار عالم الاجتماع، إلى وجود مصادفة، تبقى عرضية، بين “الإسلام الاصولي الذي يحث على القتل و بين الكتابات الاسلاموفوبية ل زمور(Éric Zemmour) وويلبك(Michel Houellebecq)، اللذين أصبحا يمثلان نزعة مرضية اسلاموفوبية خطيرة ليس فقط في فرنسا، ولكن أيضا في ألمانيا والسويد.”

الخوف سيزداد سوءا

وعرج إدغار موران على ما أسماه ب: “انتصار الفكر الاختزالي”. ليس فقط لان “المتعصبين القتلة” يؤمنون بمحاربة الصليبيين وحلفائهم اليهود، ولكن أيضا، لان الاسلاموفوبيون يختزلون العربي في معتقده (الإسلام)، ويختزلون الإسلامي في المتأسلم، والمتأسلم في الأصولي، والأصولي في الإرهابي”، حسب رأي موران.

وتصبح هذه المعاداة للإسلام حسب موران، أكثر راديكالية وأكثر هوسا، إذ تصبح مثل معاداة السامية التي استعرت قبل الحرب العالمية واثناء حكومة فيشي (Vichy)، لكن الفرق هو أن المسلمين الذين سيكونون ضحايا لهذه المعاداة الآن هم أكثر عددا من اليهود الذين عانوا من معاداة السامية وبالتالي عدد أكبر من الضحايا .

وخلص إدغار موران، في الأخير إلى أن الخوف سيتعاظم سواء عند الفرنسيين من أصل مسيحي، أو عند أولئك الذين ينحدرون من أصل عربي، وكذلك الأمر بالنسبة لأولئك الذين ينحدرون من أصل يهودي. ويضيف أن البعض سيشعرون بأنهم مهددون من قبل الآخرين، وأن عملية الانقسام (الطائفي) الجارية يمكن أن تحول دون نجاح التجمع الجماهيري الكبير المقرر ليوم السبت 10 يناير، غير أن الرد على هذا الانقسام والتفكك هو جمع شمل الكل ، بما في ذلك جميع الإثنيات والأديان وكل المكونات السياسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.