إحتجاجات السترات الصفراء وسبب إفلاس الديمقراطية التمثيلية الفرنسية

سعيد السالمي

من أجل فهمم أعمق لهذه الازمة، التي وصفتها بفشل الديمقراطية التمثيلية الفرنسية، أود الاشارة هنا إلى اسبابها، التي ليس قانونية فقط، أي على مستوى نصوص دستور الجمهورية الخامسة، ولكنها سياسية وسوسيولوجية بالأساس:

أولها هو انهيار الثنائية القطبية يسار/يمين، وهذا الانهيار ليس سوى صيرورة مسار ابتدأ مع ولاية الرئيس الراحل “بومبيدو” بشكل طفيف، وازدادت حدته في ولايتي “ميتران” اللتين قصمتا ظهر اليسار من خلال القرارات النيولبرالية التي اتخذت في ظل ولايته، والتي يشهد الجميع أنها فترة اعتناق النظام الفرنسية للنيولبرالية على نحو منقطع النظير في ولايات اليمين التي سبقته.

أكيد أن نهاية الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين الذي أتى فيما بعد، زاد الطين بلة وساهم في تراجع اليسار ليس في فرنسا وحدها كما يعلم الجميع.

السبب الثاني هي الفضائح المالية التي تورطت فيها الطبقة السياسية، والتي كان أشهرها فضيحة الوزير “بيروغوڤوا” أوائل التسعينات، والتي دفعته إلى الإنتحار، وصولا الى آخرها التي تورط فيها وزير الميزانية “جيروم كايوزاك” في حكومة هولاند، دون أن ننسى فضائح الرئيس السابق ساركوزي التي لا زالت تتداول أمام المحاكم..

هذه الفضائح زادت من نفور الفرنسيين من السياسة، سيما أنها لم تستثن كل ألوان الطيف السياسي، من أقصى اليمين الى أقصى اليسار.

السبب الثالث يتعلق بمورفولوجية المجتمع الفرنسي التي تغيرت كثيرا خلال العقود الثلاثة الاخيرة. فئة العمال تقلصت الى حدود الاختفاء من المشهد السوسيولوجي الانتخابي، وظهرت فئة جديدة يطلق عليها عادة فئة المستخدمين الصغار، الذين ظلوا يتأرجحون على نحو غير منتظم بين أحزاب اليسار التي ظلت مرتعهم على الدوام، وحزب… اليمين المتطرف الذي اجتمعوا فيه على مع أعداء الامس، أي المقاولين الصغار..

هذا التغيير يعكس الى حد كبير مدى انهيار الثنائية القطبية السياسية، ومدى التخبط أو التيه الذي وجد فيه المواطن الفرنسي نفسه طيلة العقود الماضية، أمام حكومات أسهبت في الهجوم على قدرته الشرائية، وأتى ماكرون، الذي يفتقد إلى الكاريزما، وأشعل النار وتاهت معه كل الاحزاب لانها عجزت عن احتواء متظاهرين لا يثقون في سياسييهم، وهو ما عبرت عن اليوم مارين لوپين إذ أقرت أخيرا أن فرنسا تعاني من أزمة تمثيلية حقيقية.

المصدر: الحساب الفايسبوكي للاستاذ سعيد السالمي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.