أُقسّمُ جسمي في جسوم كثيرة

في مثل هذا اليوم قبل أربع سنين، انبثقت من بين صلب وترائب الوطن تجربة نضالية نبيلة، تجربة حملت آمال الانعتاق من الاستبداد ومنطق دولة الرعايا ورامت البحث عن شمس الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية…

بمناسبة استحضار هذه التجربة المجيدة أود أن أركز على بعض الجوانب التي أهملناها كثيرا..صحيح التقييم السياسي للتجربة مهم جدا وضروري، فبه يمكن للتجربة أن تطور نفسها وهي تضع نصب أعينها أخطاء الماضي، لكن هذا لا يعني أن نضرب صفحا عن باقي الجوانب الأخرى المهمة التي رافقت التجربة…

يهمني أن أشير أساسا إلى الجوانب الاجتماعية والإنسانية التي حملتها تجربة 20 فبراير، أعني تلك العلاقات الاجتماعية/الإنسانية التي نمت على ضفاف الحلم…

أتذكر أن مسيرات الحركة لم تكن شكلا احتجاجيا يحمل صوت مطالبنا فقط، بل كانت أيضا فرصة لتمتين أواصر العلاقات الاجتماعية بين المشاركين في المسيرات، كنا نحس حينها كعائلة واحدة، حينها كنا نحس فعلا معنى الانتماء المشترك إلى الوطن.. حينها كنا نشعر أننا جسد واحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالتآزر والتضامن ..

على ضفاف الحلم، أينعت وكبرت قيم التضامن والتآزر والالتحام الإنساني الغزير، فكانت أنانيتنا تضمحل شيئا فشيئا أمام القيم التي تصون المصلحة الجماعية..

20 فبراير لم تكن تجربة نضالية وسياسية وتنظيمية فقط، بل كانت أيضا تجربة إنسانية رائعة، زكّت فينا روح التضامن والتعاضد والإيمان بالمصير المشترك… كان كل واحد منّا ينشد على طريقة عروة بن الورد “أُقسّمُ جسمي في جسوم كثيرة /// وأحسو قراح الماء والماء بارد”..

20 فبراير بقدر ما قربّت بين مكونات الشعب المغربي، بقدر ما قربت أيضا بين أفرادها، في 20 فبراير نسجنا علاقات إنسانية راقية، احتفظنا بأغلبها، وبل طورناها، حتى بعد خفوت صوتنا في الشارع، إنه مكسب كبير علينا أن نصونه ونرعاه، فعلاقاتنا الإنسانية ترعبهم، تخيفهم، يرون فيها خطرا عليهم، وقد يبحثون لها عن ألف سبب لوأدها وخنقها…

الآن، لم تعد علاقاتنا الاجتماعية بالقوة التي كانت في عز الحراك، وعلينا أن لا نفرط في هذا الكنز الثمين الذي بمقدوره أن يسهر على هدهدة أحلامنا وآمالنا…

هي سنين أربع مرت، ومازال الحلم يراودنا، ليس عيباً أن يصيبنا بعض التعب، أن يصيبنا بعض اليأس الخفيف.. لكن الأهم أن نؤمن بجدارة حلمنا، ونعزم على استئناف المسير إلى غد الحرية..

لسنا دعاة تقديس تجربة الحركة، لكننا سنكون جبناء إن تركنا روحها ينفرط من بين شغاف القلب…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.