أي دور للرقابة القضائية على المؤسسات السجنية؟

نجيم حيدوش

منذ بداية تسعينات القرن الماضي، عرف المشهد الحقوقي و القانوني تسارعا في وتيرة الاصلاحات عن طريق اعتماد قوانين جديدة، ومواءمة التشريعات الوطنية مع الصكوك الدولية من اتفاقيات و برتوكولات التي انضم اليها المغرب، و اعتماد مؤسسات وطنية لتتبع وضعية حقوق الانسان و انشاء قطاعات حكومية مكلفة بحقوق الانسان، والنهوض بدور المجتمع المدني كشريك في اعداد و اعمال السياسات العمومية، وتعزيز اجراءات الدولة في مجال مراقبة حقوق الانسان و الحريات الاساسية.

وعلى مستوى الحقوق الفئوية، فقد ساهم التطور الفكري في علم الاجرام و العقاب خلال القرن العشرين من اعادة النظر في الادوار المنوطة بالمؤسسات السجنية التي تحتضن الاشخاص الذين صدرت في حقهم مقررات قضائية سالبة للحرية، حيث اتجهت اغلب المطالب الحقوقية لضرورة تحديث التشريعات الوطنية المتعلقة بحماية حقوق السجناء اثناء تنفيذ العقوبات، بما في ذلك تحسين ظروف الاعتقال و الاقامة و المعاملة ، و توفير ضروريات الحياة (التغذية المناسبة، سجون نظيفة، رعاية صحية متواصلة …)، و كذلك اعطاء الاولوية للتأهيل و التكوين و ادماج السجناء.

مقابل هذا التوجه، فقد عملت الدولة سنة 2008على احداث المندوبية العامة لإدارة السجون و اعادة الادماج كمؤسسة تابعة لرئاسة الحكومة، بدلا من ابقائها تابعة لوزارة العدل.

و ينص دستور 2011 في الفصل 23، الفقرة الخامسة : ” يتمتع كل شخص معتقل بحقوق اساسية، و بظروف اعتقال انسانية، و يمكنه ان يستفيد من برامج للتكوين و اعادة الادماج”، و يعتبر هذا الفصل بمثابة التزام دستوري لضمان حقوق السجناء، كما ان القانون رقم 98-23 المتعلق بتنظيم و تسيير المؤسسات السجنية و باقي المراسيم ذات الصلة تعتبر مرجعا للقائمين بإنفاذ القانون و السجناء على حد سواء .

وقد اجاز القانون لعدد من الهيئات و المؤسسات بتنظيم زيارات منتظمة للمؤسسات السجنية وذلك في اطار عمل رقابي- حمائي مؤسساتي من اجل اعمال القانون وضمان و تعزيز حقوق السجناء ، ويمكن حصر هذه الهيئات فيما يلي :

• الهيئة القضائية.
• المجلس الوطني لحقوق الانسان.
• اللجن الاقليمية .

هذا، علاوة على اليات الرقابة الدولية لحقوق السجناء، حيث لم يعد تتبع وضعية السجناء شأنا داخليا خاضعا للسيادة و فقط، بل خاضع ايضا للقانون الدولي رقابة و محاسبة.

و نظرا لما تشكله زيارات الهيئة القضائية من عمل رقابي بالأساس في علاقتهم بالمؤسسات السجنية، وتواصلي في علاقتهم بالسجناء، سنعمل من خلال هذه المقالة على:

• تبيان اختصاصات الهيئة القضائية اثناء زيارة المؤسسات السجنية؛
• اهمية الرقابة القضائية في ضمان و تعزيز حقوق السجناء؟
• الرقابة القضائية على السجون من خلال الممارسة .

اولا : اختصاصات الهيئة القضائية اثناء زيارة السجون

اناط المشرع المغربي السلطة القضائية بصلاحيات و اختصاصات لزيارة المؤسسات السجنية، للتبع مدى سلامة تطبيق القانون، و الاطلاع على ظروف الاعتقال ومدى أسننتها، بما يفترضه ذلك من منع حدوث اي عمل من اعمال التعذيب و سوء المعاملة المهينة و الحاطة من كرامة الانسان.

1- قاضي تطبيق العقوبة :

تعتبر مؤسسة قاضي تطبيق العقوبة من مستجدات قانون المسطرة الجنائية الصادر 03اكتوبر2002، و هي مؤسسة استحدثت ضمانا وصونا لكرامة الانسان بصفة عامة، و السجين بصفة خاصة، وبذلك يكون المشرع قد وضع اللبنة الاولى لمبدأ الاشراف القضائي على التنفيذ الجنائي.

وتنحصر اختصاصات قاضي تطبيق العقوبة في رقابته على السجون فيما يلي:

• تتبع مدى سلامة تطبيق القانون المتعلق بتنظيم و تسيير المؤسسات السجنية (98.23) و المرسوم التطبيقي له الصادر في 03 نونبر2000،و تتبع عملية تنفيذ العقوبات المحكوم بها من طرف المحاكم؛
• مراقبة مدى مراعاة حقوق السجناء، من خلال الاستماع للسجناء و تلقي شكاياتهم(م98/ ق.98.23)؛
• مراقبة مدى سلامة اجراءات التأديب المتخذة من طرف مدير المؤسسة السجنية (م60/ق 98.23)؛
• مراقبة قانونية و صحة الاعتقال، وانجاز تقرير موجه للنيابة العامة في حالة التثبت من عدم قانونية الاعتقال (م256/ق.م.ج)؛
• التثبت من سلامة الاجراءات المتعلقة بالإكراه البدني (640و644/ق.م.ج)؛
• تقديم مقترحات الافراج المقيد بشروط و العفو(م596و625و628/ ق.م.ج).

2- وكيل الملك :

يقوم وكيل الملك او نوابه حسب المادة 45 من قانون المسطرة الجنائية بزيارة المؤسسات السجنية الواقعة ضمن دائرة نفوذه مرتين على الاقل في الشهر، وتكون هذه الزيارات منتظمة و مفاجئة، بالوقوف على ظروف الاعتقال، ومدى قانونيتها، و الاطلاع على السجلات، كما تقوم النيابة العامة كما تقوم بزيارة اماكن الاحتجاز كلما بلغ لعلمها ان هناك حالات لا انسانية للاعتقال، و انجاز تقرير في الموضوع، وفتح بحث قضائي اذا لزم الامر، و تحريك مسطرة المتابعة؛

3- رئيس الغرفة الجنحية:

يقوم رئيس الغرفة الجنحية أو من ينوب عنه بزيارة المؤسسات السجنية التابعة لنفوذ محكمة الاستئناف مرة كل ثلاثة اشهر على الاقل (م249/ ق.م.ج)،و يتحقق من حالة المعتقلين احتياطيا، وينسق مع قاضي التحقيق اذا لزمته بيانات خاصة، كما يقدم له توصيات حول حالات معينة اذا ظهر له ان اعتقاله غير مبرر.

4- قاضي الاحداث :

يتفقد قاضي الاحداث المعتقلين مرة كل شهر على الاقل(م473/ق.م.ج) للاطلاع على احوالهم، وتفقد مكان تواجدهم، كما يقوم بتغيير التدابير اذا ثبت له ان ذلك ضروريا.

5- قاضي التحقيق:

بموجب المادة 54 من قانون المسطرة الجنائية يقوم قاضي التحقيق بتفقد المعتقلين الاحتياطيين مرة كل شهر على الاقل، كما يمكنه التوصل بتوصيات وملاحظات من طرف رئيس الغرفة الجنحية حول حالات بعض المعتقلين الاحتياطيين.

اضافة للأشخاص المذكورين اعلاه، يحق للمكلفين بالإنابة القضائية او بمهام المراقبة الاتصال بالمعتقلين، وهم :

• الوكيل العام للملك او نوابه، وكيل الملك او نوابه، قضاة التحقيق، قضاة الاحداث و القضاة المنتدبون للقيام ببحث تكميلي.

• ضباط الشرطة القضائية العاملين بموجب انابة قضائية او بناء على تعليمات النيابة العامة، بعد موافقة مدير المؤسسة السجنية( المادة 8 من المرسوم التطبيقي رقم 2-00-485/ 03 نوفمبر2000).

ثانيا: اهمية الرقابة القضائية في تعزيز و حماية حقوق السجناء ؟

تعتبر زيارات الهيئة القضائية للمؤسسات السجنية واحدة من اليات الرقابة لضمان تنفيذ القانون بالسجون ،و هي كذلك الية لتفقد اوضاع السجناء و احوالهم، وصون كرامتهم دون تمييز، مما قد يعترضهم من داخل المؤسسات السجنية.

و تشكل زيارات السلطة القضائية بالنسبة للسجناء فرصة مناسبة من اجل:

• تقديم شكايتهم و استفساراتهم بخصوص ملفاتهم القضائية الرائجة امام مختلف المحاكم و بتعدد درجاتها ؛
• تقديم شكاياتهم حول ظروف اعتقالهم و اقامتهم بالمؤسسات السجنية؛
• تغيير التدابير بالنسبة الاحداث في نزاع مع القانون ومراعاة مصلحتهم الفضلى ؛
• الاطلاع على السجلات و التدقيق فيها من طرف السلطات القضائية فرصة لإنصاف عدد من السجناء و بخاصة المكرهون، المودعون، وحتى الذين تعرضوا لعقوبات تأديبية؛

بالمقابل، يفترض من السادة ممثلي الهيئة القضائية تقديم اجوبة و توضيحات حول مجمل شكايتهم و طلباتهم ، سواء بشكل فردي او بشكل عام عندما تكون الحالات متشابهة، مع اخذ بعين الاعتبار الحالات الخاصة التي تستدعي التدخل بشكل مستعجل او تغيير اجراء معين ؛

ويعتبر هذا العمل الوظيفي بالنسبة للسلطة القضائية ذو اهمية كبيرة في السعي لحماية السجناء و تعزيز حقوقهم بالمؤسسات السجنية، كما يستحسنه السجناء و تولد عندهم هذه الزيارات انطباعا إيجابيا و متميزا؛

ثالثا : الرقابة القضائية على السجون من خلال الممارسة الفعلية

اثار المجلس الوطني لحقوق الانسان من خلال تقريره الموضوعاتي ” ازمة السجون : مسؤولية مشتركة “الصادر في 30 اكتوبر2012 أهمية زيارات السلطة القضائية للمؤسسات السجينة ، وسجل التقرير :

• عدم انتظام الزيارات، و تباعدها زمنيا،
• عدم استجابتها للحد الادنى المنصوص عليه قانونا،

كما سجل تقرير المجلس الوطني لحقوق الانسان اقتصار – زيارات الهيئة القضائية – الاطلاع على السجلات دون مراقبة فعلية لظروف السجناء و اوضاعهم، وخاصة الاشراف القضائي على الاحداث و تغيير التدابير في حقهم( التقرير. ص 75/76).

و بالنظر لملاحظات المجلس الوطني لحقوق الانسان، ودقتها و اهميتها، فالهيئة القضائية ملزمة قانونا بتفعيل هذه الزيارات ، و اضفاء الجانب الحقوقي اثناء ممارسة مهامها بالمؤسسات السجنية، حماية للسجناء، و حماية لحقوقهم، و حماية للكرامة الانسانية.

نجيم حيدوش / ناشط حقوقي

احد الشباب الذين انقذوا محاصري تدغين يكشف لانوال بريس حيثيات انقاذهم

إسبانيا.. اخيرا الإشتراكي “بيدرو سانشيز” رئيسا لحكومة التحالف اليساري