أي دور جديد للدولة؟

باريس

منذ أزيد من ربع قرن, أو على الارجح منذ اواخر الثمانينات من القرن  الماضي دراسات, وابحاث عديدة كرست لدور الدولة, جدواها, ومهامها, تحت تأثير التطورات العالمية السريعة على المستوى الاقتصادي, الاجتماعي , والسياسي, وعلى مستوى التطور التكنولوجي. تلك التطورات فرضت اليوم إعادة النظر في دور الدولة واستراتيجيتها. وسنحاول التطرق في هذه المقالة لاهم العوامل التي عصفت بالدور التقليدي للدولة ولاهم أدوارها الجديدة .

العوامل الاساسية التي كانت وراء إعادة النظر في دور الدولة 

-إفلاس النموذج الاشتراكي البيروقراطي الستاليني النموذج الذي ضحى بالحرية و الانسان

-الفشل الذريع الدي الت اليه الليبرالية المتوحشة التي أدت الى اختلالات و انعكاسات سلبية على المستوى الاجتماعي و البيئي, وخلفت ازمات مالية ونقدية حادة .مما دفع العديد من الباحثين الى اعادة النظر في التصور التقليدي للدولة .ان نيوليبرالية  سليلة الليبرالية  لم تكرس  التفاوتات الطبقية  فحسب  بل انتجت طبقة سياسية حاكمة -تستخف بالسيادة الشعبية- مافيوزية في البلدان المتخلفة وارستوقراطية  مرتبطة باللوبيات البنكية و المالية في البلدان “الديمقراطية”   .

– التطور المذهل للحقل الديمقراطي و التركيز على أهمية الديمقراطية التشاركية التي تركز على ممارسة السلطة من الاسفل إلى الاعلى بعيدا عن الديمقراطية التمثيلية الارستقراطية حيث السلطة تمارس من الاعلى إلى الاسفل وتنتج نفس النخب مع ما يرافق ذلك من شطط وفساد في ممارسة السلطة. كما ان ظهور حركة جمعوية مدنية واسعة منخرطة في مجالات جديدة,, العمل الانساني, حماية البيئة و

الدفاع عن حقوق الانسان والاقليات ساهم في انهيار صرح الدولة البيروقراطية. وقد برهنت هذه الحركة على اهمية وجدوى تحرير الطاقات البشرية للمساهمة في معالجة مشاكل الافراد و المجتمع مما يحتم اسناد سلطات واسعة للجماعات المحلية و المجالس القاعدية المحلية تفاديا للتراتبية العقيمة التي تميز جهاز الدولة المركزية وبكلمة اصبحت الحريات الفردية تسمو فوق الحقوق التقليدية للدولة .

-الشمولية الاقتصادية والمنحى الجديد لارساء تحالفات و تكتلات سياسية و اقتصادية لمواجهة مخاطر العولمة الليبرالية مما قلص مجالات تدخل الدول لصالح المؤسسات الجهوية و الدولية و بالتالي اصبحت الاختيارات المالية و الاقتصادية الدولية  ملزمة للدول. فلا يمكن لدولة في ظل العولمة الليبرالية ان تخطط لمستقبلها في منأى عن المحيط الدولي كما ان بروز الاقتصاد الاجتماعي التضامني فند” أزلية” اقتصاد الربح الفردي الاناني

– اخيرا التطور التكنولوجي و تقنيات التواصل الاجتماعي  شكلت  تحديا جديدا على الدولة. فالعالم اصبح  قرية صغيرة بفضل تطور العلم. كل تلك العوامل تؤدي في نظرنا إلى إعادة النظر في الادوار الكلاسيكية للدولة في طرق عملها في استراتيجيتها من اجل فعالية أكثر لتدخلاتها. فالدولة لم تعد قادرة على لعب أدوارها السابقة,, التدخل في كل شيء,, توفير جميع المتطلبات ومع الانخراط الواعي للمواطنين في الحياة العامة أصبحت الدولة تتخلى عن بعض مهامها و التزاماتها. لكن هل الدولة انتهت؟ الجواب بالطبع بالسلب ومع ذلك تساؤلات عديدة, في اعتقادنا, تفرض نفسها.

1كيف ستكون الاعباء الجديدة للدولة؟

2ما هي الادوار التي يمكن اسنادها للمؤسسات “المافوق وطنية” وتلك المسندة للسلطات الجهوية و المحلية؟

3 أية شراكة وعلى اي نمط الدولة يمكنها تعبئة الطاقات لضمان مساهمة واسعة للمواطنين والجماعات؟

4كيف يمكن لجهاز الدولة أن ينظم نفسه وأن يرتب أجزائه وهياكله ليتكيف مع دوره الجديد؟

5 أخيرا كيف نتصور دور الدولة الجديد؟

إن تساؤلات عديدة تطرح اليوم حول دور الدولة كعامل مركزي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية . فلا أحد يجادل في كون الدولة جهاز ضامن للاستقرار والامن وعامل رئيسي في الرقي و التطور. لكن ماهي تلك الادوار الجديدة للدولة؟ في ظل المتغيرات الجديدة وطنيا, جهويا ودوليا,

في اعتقادنا على عاتق الدولة مهمة محورية وهي مهمة التوجيه والتخطيط سواء على المدى القصير أو المتوسط فيما يخص الخطوط الكبرى و العريضة للتنمية المجتمعية, قطاعيا ,محليا ,جهويا, ووطنيا. وعلى الدولة وضع البرنامج العام للمستقبل

-توفير المعطيات و المعلومات للافراد و المقاولات لمواكبة التطورات التكنولوجية والمجتمعية ليتخذ الجميع الاحتياطات اللازمة فيما يخص التوقعات و الاهداف.

-مهمة إرساء دعائم القانون وتطبيقه تطبيقا سليما يضمن مساواة الجميع امامه, دون تحيز لاحد الاطراف . فالدولة جهاز “تحكيمي” بين كل الفاعلين الاقتصاديين,, قطاع خاص, مؤسسات عمومية. فكون الدولة فوق الجميع عامل اساسي لضمن النزاهة, الشفافية,  والمنافسة الحرة الشريفة.

-مهمة التحفيز وتوفير المناخ العام  لابراز الطاقات البشرية و الخيرات المادية لدعم النمو و الاستثمار. وعلى الدولة ان توفر الظروف الملائمة للخلق والابتكار لمحاربة الاتكال و اليأس.

-ضمان التوازنات الاقتصادية الكبرى من اجل تطور عقلاني ومتوازن لدرء الانحرافات و الانزلاقات وانعكاساتها على المواطن و الاقتصاد

– مهمة ضمان التوازنات الاجتماعية لتصحيح أوضاع التهميش واللامساواة لان القلاقل و الفوضى نتيجة لاوضاع اجتماعية متردية والتي تغذي كل اشكال التطرف

و المغامرة و الانحراف

– الدولة كذلك يلزمها توفير التجهيزات العمومية الاساسية خاصة لفائدة الفئات المحرومة من التعليم, الصحة, والسكن

-وتبقى أخيرا مهمة تقليدية على الدولة أن تضطلع بها على أحسن وجه وهي ضمان الامن و الاستقرار وتطبيق القانون, فبدون امن لا يمكن للدولة أن تضمن احترامها وهيبتها من قبل المواطنين.

ومن أجل الاضطلاع بتلك الاعباء الجديدة على الدولة ان تتوفر على استراتيجية واضحة المعالم في التنظيم والعمل. فالاستراتيجية الواضحة والمدروسة تكسب الدولة مصداقية في أعين المجتمع والمواطن الذي تروم اشراكه في كل تدخلاتها لان العشوائية و “اللخبطة”و ضبابية الاهداف تفقد حماس المواطن مما يترك المجال لكافة التأويلات و الشائعات.

من أجل استراتيجية جديدة للدولة.

هذه الاستراتيجية ترتكز في نظرنا على أربعة دعائم اساسية وبدونها يستحيل الحديث عن دولة عصرية حديثة وقوية.

1ارساء اللبنات الاساسية لمجتمع ديمقراطي عصري يرتكز على فصل حقيقي للسلط و احترام “مبجل” لسلطة القضاء وهيبته وحماية حرية الرأي و الاعتقاد.

فالدولة لا تكون قوية إلا بالقانون وبتشريعات حديثة تضمن لها التطبيق الصارم لمصلحة الافراد و الجماعات مما يستوجب في نظرنا تنظيم انتخابات عصرية نزيهة وحرة لاختيار ممثلي الشعب بعيدا عن الضغوطات السياسية و المالية لفرز خريطة سياسية حقيقية تعكس رأي المواطن وتوجهاته. فالخريطة السياسية الحقيقية تبرزمعارضة حقيقية لا تحتاج إلى نقاهة و إلى أغلبية حقيقية قادرة بالفعل على تسلم زمام السلطة و الحكم  لا تخشى, لا لوبيات , ولاجيوب المناهضة ولا “عفاريت” وهمية .لبلوغ هذا الهدف لابد من إجماع كل الفاعلين السياسيين حول مبدأ اساسي وهو احترام المسلسل  الانتخابي بأكمله

2- تطوير مؤهلات الادارة بتدبير نزيه, و ترتيب الاولويات و التوجهات الاساسية سواء في الميدان الاقتصادي و الاجتماعي و السهر على سرعة وفعالية تطبيقها. إن الدولة في امس الحاجة إلى إصلاحات جذرية وضرورية تمس الادارة و القضاء مرورا بإصلاح هياكل وأجهزة الدولة نفسها عموديا و أفقيا. وهذا يفرض التوفر على جهاز تنفيذي منسجم قادر على ابتكار أساليب وميكانيزمات تضمن التنسيق المطلوب و التنفيذ المحكم و التحكيم النزيه. جهاز يتوفر على بنيات وزارية فعالة وسلطات إقليمية ومحلية وممثلين جهويين و إقليميين قادرين على الاضطلاع وفهم الادوار الجديدة للدولة. إن الادارة المحلية يلزمها أن تعي دورها الاساسي في الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية إلى الامام و تحارب بدون هوادة أساليب التسويف و المحسوبية و الزبونية .إدارة محلية تسهر على تطبيق القانون تطبيقا سليما للمساهمة في إنعاش الشغل و الاستثمارو التطور.

إن حسن التدبير يقتضي ايضا جهازا قضائيا مستقلا عن السلطة السياسية و المالية, يضمن العدل و الانصاف بتشريعات و قوانين منسجمة مع التطور المجتمعي بقضاة أكفاء نزهاء و بوسائل فعالة و سريعة في تنفيذ الاحكام. التدبير الجيد يقتضي كذلك إشاعة الشفافية و النزاهة ,و أخلاق العمل و الكفاءة و المساواة ومحاربة الامتيازات.

3- سن سياسة اقتصادية و اجتماعية قادرة على ضمان نمو دائم وقوي  

-التحكم في التوازنات “الماكرو اقتصادية” القادرة لوحدها على تقليص المديونية والتحكم في التضخم وجلب الاستثمارات الاجنبية و إنعاش الشغل, و محاربة التهرب الضريبي و تبييض الاموال. لكن تبقى التوازنات” الماكرو اقتصادية” التي لا ينبغي اعتبارها غاية في حذ ذاتها بل يلزم الاخد بعين الاعتبار الاستراتيجية الاقتصادية العامة للدولة.

-الحفاظ على نسيج اجتماعي سليم بفضل سياسة التوزيع العادل للخيرات و بواسطة قانون جبائي عادل و سياسة اجرية شفافة.

-حماية الفئات المهمشة و المستضعفة.

– حماية البيئة و المحافظة على التوازن المجالي

4- وضع الاليات الاساسية لمشاركة المواطنين ولبلوغ هذا الهدف يلزم

-تطوير الديمقراطية المحلية بفضل سياسة لامركزية حكيمة مبنية على مجالس جهوية و محلية منتخبة انتخابا حرا, تتوفر على السلطات و الموارد اللازمة لاتخاد القرارات والتوجهات السديدة في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية وترتيب اولويات ا لتطور المحلي و الجهوي

– إسناد سلطات واسعة للممثلين المحليين و الجهويين

-تعبئة واسعة للمجتمع المدني المنظم عبر جمعيات غير حكومية. ففي كل المجتمعات الديمقراطية المواطن لا يكتفي فقط بان يكون مرشحا أو ناخبا بل يريد ان يكون المساهم المباشر في معالجة قضايا السكان و متطلبات الحياة المحلية. وهاته المشاركة ستمكن من استقطاب غير المنتمين سياسيا للاهتمام بالشأن العام. و الدولة يلزمها أن توفر الاطار التشريعي القادر على تطوير النسيج الجمعوي .

– أخيرا يأتي دور القطاع الخاص الذي يشكل في نظرنا عاملا أساسيا في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية لكن هذا القطاع يحتاج إلى توجهات اقتصادية واجتماعية واضحة وإلى منافسة شريفة و إدارة “مواطنة”

إذا كانت الدولة تحتاج إلى تجديد فإن التجديد ايضا ينسحب على الاليات التنفيذية و التشريعية القادرة على مواكبة التطور و متطلبات المواطنين و الجماعات. وقوة الدولة تكمن كذلك في قوة الاحزاب السياسية . أحزاب عصرية  منفتحة على الاجيال الجديدة و مطالب الحركات الاحتجاجية المدنية المناضلة, احزاب حديثة تقطع مع ثقافة الاعيان و النبلاء و الولاء الاعمى للقيادة  لتساهم بالفعل في تأطير المواطنين.

bouissanahmed@yahoo.fr

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.