أي تنظيم ممكن لحراك الخارج؟

من الأسئلة المشتعلة التي تشغل بال كل ناشط حراكي بالخارج، هي كيف لنا ان نحافظ على الحراك حيا لا يموت وشعلة مشتعلة لا تنطفئ؟ كيف يمكن لنا ان نطور أدائنا في معركة يتضح انها ستطول كثيرا، نظرا لانعدام أي إرادة سياسية جدية لدى الدولة المغربية لإيجاد حلول ومخارج واقعية ممكنة للازمة تبدأ بإطلاق سراح كافة المعتقلين وتلبية المطالب المشروعة والمعقولة للمحتجين ووضع حد لسياسات القمع والاعتقال والحصار واللامبالاة.

سنحاول من خلال هذه الورقة المتواضعة ان نرصد مكامن الخلل، ونقترح بعض المقترحات لعل وعسى ان نساهم قدر المستطاع لاستشراف افاق الحراك ومعركة التغيير بالمغرب ككل.

الاشكال التنظيمية لريفيي الخارج قبل انطلاق الحراك

لا أحد يستطيع ان ينفي المحاولات التنظيمية الجنينية لريفيي الخارج، كان أبرزها تجارب التجمع الديموقراطي للريف (اغراوناريف)ببلجيكا، حركة من اجل الحكم الذاتي بالريف، منتدى حقوق الانسان لشمال المغرب بتنسيقيته الأوروبية، حركة 18 ستنبر، “اصوريفنالريف” ببلجيكا،  بالإضافة الى بعض الجمعيات الثقافية والامازيغية و الحقوقية في اسبانيا وهولاندا و باقي الدول الأخرى، دون ان ننسى الادوار الرائدة الذي لعبتها جمعيات العمال المغاربة في كل من فرنساّ”،اسبانيا هولاندا  وألمانيا والتجمع الديموقراطي المغربي ببلجيكا ابان فترات السبعينات و الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي.

انطلاق الحراك وجدلية الداخل والخارج

إذا كان جل مناضلي هذه التنظيمات الريفية السالفة الذكر (سواء الذي انهو علاقتهم التنظيمية معها او استمروا فيها بطرق مختلفة)، انخرطوا بقوة في حراك الريف بالرغم من الجراحات العميقة بين بعض أعضائها، لكن ما تميز به حراك الريف هو تفجير الطاقات الإبداعية لشباب من أصل ريفي اغلبيتهم المطلقة لم يسبق لهم ان جربوا السياسية أو لم يسبق لهم ان انخرطوا باي شكل من الاشكال في أي شكل تنظيمي كيفما كان نوعه او شكله.

لذلك فمن الطبيعي ان يجد الحراك صعوبة في دمج كل التجارب والاجيال مع الوافدين الجدد على النضال في بوثقة تنظيمية تتسع للجميع وتحتضن الكل دون استثناء، وخاصة ان الحراك ومنذ انطلاقته تخترقه حساسيات واراء مختلفة في التقدير والتدبير وخاصة ما بين اللاعبين الكبيرين في الريف (ان صح التعبير) المتمثلان في اليسار والحركة الامازيغية.

إن توجه تنظيم الحراك في اللجان والتجمعات العامة في الداخل والخارج لم يكن اعتباطيا، بل كان لضرورة ملحة تستدعي ابداع اشكال تنظيمية لينة قابلة لاستيعاب الجميع مع ترك الأبواب مفتوحة للتطور لتوفير فضاء واسع للتعبير واشراك الجميع في القرار.

على المستوى الأوروبي

اخلاقيا لا يمكن تقييم أداء الحراك في الداخل والفاعلين الأساسيين المؤسسيين لهذا الحراك موجودين وراء القضبان، لذلك نكتفي بتقييم الأداء التنظيمي للحراك في الخارج ما دمنا اننا انخرطنا فيه منذ اليوم الأول لانطلاقته الى حدود اليوم. ففي نظرنا فحراك اوروبا مر بثلاثة مراحل أساسية.

مرحلة “تجربة لجان دعم حراك الريف”

انطلقت أولى لبناتها من بلجيكا مع تأسيس لجنة متابعة ملف الشهيد محسن فكري ثم امتدت الى مختلف العواصم والمدن الرئيسة الأوروبية.

ساهمت هذه اللجان في تأطير المعارك في كل المواقع وفق إمكانيات نشطاءها وحاولت ادماج الجميع بدون استثناء بالرغم من صعوبات بعض الشعارات المرفوعة. فبالإضافة الى مختلف المظاهرات والاتصالات والندوات، استطاعت عقد لقاءين دراسيين من احتضان لجنة محسن فكري ببلجيكا، توجت بعقد لقاء تنظيمي بمدريد الذي أسفر عن تأسيس التنسيقية الاوروبية.

تجربة التنسيقية الأوروبية عاشت عدة عراقيل و صعوبات منذ ولادتها، مما جعلها عاجزة عن قيادة الحراك، نظرا للضربات الداخلية المدمرة لها، بحيث هناك من حضر لقاء مدريد فقط لكي يعلن على انسحابه منهامباشرة بعد انتهاء اشغاله، كما شنت ضدها هجمات اظهرت نوايا  البعض كونهم لا يريدون الاشتغال في اشكال تنظيمية توافقية ديموقراطية تحتضن الجميع وتخضع الجميع للمحاسبة، مما جعلها عاجزة عن أداء مهامها و الاكتفاء بمساندة بعض المعارك للجان الدعم المحلية، كمساندة لقاء جنيف الأول الذي جاء  من مبادرة فعاليات مستقلة بفرنسا وسويسرا، ودعم لقاء حزب بوديموس بالبرلمان الأوروبي و بمبادرة من لجنة مدريد  لدعم الحراك الشعبي و الاكتفاء بالبيانات و المراسلات. كما دعمت معنويا مظاهرة 20 يوليوز2017 التيسبق لناصر الزفزافي ان دعي اليها في الحسيمة قبل اعتقاله في حين تردد اغلبية أعضاء التنسيقية للحضورفي الحسيمة لأسباب امنية.

فبدل عقد لقاء ثاني لتقويم الاعوجاجات وتصحيح الأخطاء ومعالجة مكامن الخلل، تأسست مدارس للتخوين وتكثيف اللايفات الى درجة الاسهال.

مرحلة “التجربة اللايفية”

ان كان لللايف أدوارا إيجابية على المستوى التعبوي والتوعوي والتواصلي، الا ان البعض جعله مكانا لتصفية الحسابات ولاتخاذ القرارات واصدار الفتاوي وتوجيه النداءات، مما خلق نوعا من الفوضى التنظيمية مما أضعف كليا دور اللجان حتى اضحى لا معنى لوجودها وخاصة عندما بدأت تتخذ قرارات التظاهر في المدينة والدولة التي تنشط فيها هاته اللجان دون علمها. فكيف يمكن ان يتقبل العقل مثلا، ان تقرر المظاهرة في بروكسيل من دوسلدوؤف دون التشاور مع لجان بلجيكا او ان يوجه النداء الى التظاهر في دينهاخ او برشلونة او باريس من أوسلو او نواكشوط؟

التجربة اللايفية اضعفت كل اللجان بدون استثناء بالرغم صمود ومقاومة بعضها كلجان فرنسا التي وفرت وعاء تنظيميا وقائيا لنفسها في إطار الفدرالية، بالإضافة الى بعض اللجان الأخرى المحسوبة على أصابع اليد الواحدة.

التجارب الجمعوية التي ولدت في حضن الحراك اوالمصاحبة له

في خضم النقاشات والهجمات المسعورة التي تشن على هذا وذاك، ظهرت تجارب تنظيمية جمعوية حاولت ان تتأقلم مع واقع اروبا وقوانينها ابرزها جمعية “ستيختيخاونبيكلينغ ريف”،  وجمعية “ريف اليرت” بهولاندا، وجمعية الريف الحقوقية (اريف او-في)بدوسلدوف، وجمعية انزوف ببلجيكا. هذه اللجان يصعب تقييم أدائها ومحاسبتها، نظرا لتوفرها على المنخرطين والهياكل تنضبط كليا لقوانين البلد الذي تشتغل فيه، في الوقت الذي نسجل فيه الدور الرائد الذي تلعبه جمعية “سور” في دعم ومؤازرة العائلات والتي نساند عملها بدون شروط نظرا لمصداقية أعضاءها وافعالها. نفس الشيء الذي ينطبق على جمعية الريف الحقوقية بدوسلدوف بالرغم من صعوبة إيجاد موقع لها من كثرة الضجيج حولها وكثرة التشويش عليها.

مرحلة الفرز

في خضم هذا الوضع، وبمبادرة من لجنة دعم الحراك الشعبي بفرانكفورت، انعقد لقاء تنظيميا اوليا بفرانكفورت لتناول الوضع/المأزق الذي يتجه نحوه الحراك ومحاولة وضع خارطة طريق جديدة للحراك فيشقه التنظيمي على الاقل. اللقاء حظرته العديد من اللجان والفعاليات الحراكية المستقلة وتوقف عند التجربة التنسيقية الأوروبية وتجارب محلية أخرى.وانتهى بعدة خلاصات تكثفها ميثاق شرف والبرنامج النضالي وقرار عقد مؤتمر اوروبي في باريس.

أولى الضربات الموجهة لنتائج لقاء فرانكفورت، هو مقاطعة البعض له مما ترك أبواب التشويش والصراع مفتوحا على مصراعيه، في حين ان اللقاء كان مفتوحا للجميع بحيث رفع شعار الوحدة والتضامن والنضال المسؤول والمنظم.

“الضربة” الثانية هو تفرغ اللجان الفرنسية لبناء نفسها (الفدرالية)، في حين هي التي تكلفت تقنيا ولوجيستيكيا على الأقل باحتضان المؤتمر الاوروبي.

الضربة الثالثة تكمن في استمرار الوهم بإمكانية جمع الجميع او (جمع ما لا يجمع) لأسباب سياسية وأخلاقية وأيديولوجية يستحيل الجمع بينها في إطار تنظيمي موحد. فكيف يمكن ان تجمع بين من يرى بان القرارات تتخذ بشكل ديموقراطي وتشاوري، وبين ان يرضى فقط بفتاوي الزعيم دون مناقشتها بدون زيادة ولانقصان..

مع التأجيل المستمر لمؤتمر باريس برزت أصوات أخرى تدعو الى عقد مؤتمر(في الهواء)و بدون أدني تصور للأشياء. هذه النداءات لم تكتفي بطرح تجاوز او تهميش خلاصات لقاء فرانكفورت بل هناك من اظهر عداء علنيا اومبطنا لها، في حين اكتفت اغلبية اللجان والفعاليات (دون الحديث هنا عن الطرف الذي يدافع عن الجمهورية) عن الاكتفاء باللقاءات التشاورية لربما سيتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

الى اين يتجه حراك اروبا؟

ابان لقاء النشطاء الذي احتضنته خيمة باريس تبين صعوبة ان لم نقل استحالة تنظيم مؤتمر لحراك اوروبا يتسع للجميع و ان التنظيم لا يقاس بالنوايا و بالإرادات الحسنة لهذا الطرف او هذا الشخص اوذاك، بقدرما ان التنظيم الحقيقي يجب انينبثق عن أسس و مرجعيات سياسة و أيديولوجية لا مفر منها، باعتبار ان التنظيم  “السياسي” لم يكن ابدا مجرد تنظيم لإرضاء الخواطر، او عبارة عن تقنيات مجردة تخضع للحسابات الضيقة (1+1 يساوي2 )، بل التنظيم هو تراكم نضالي نوعي  يبنى تحت نيران العدو و وسط صراع الأفكار و المواقف ويعكس منظوره لمفهوم الدولة والمجتمع الذي يحلم به أي كان منا. فكيف يا ترى يمكن الجمع بين الفاشي والديموقراطي والمشبوه في “خنشة” تنظيمية واحدة تصبو الى بناء المستقبل.

في اعتقادنا امام الحراك خياران لا ثالثة لهما:

اما الاكتفاء بالأشكال التشاورية بين النشطاء كما هو عليه الان وخوض بل تنسيق بعض المعارك المشتركة ويستمر الترقيع الى اجل غير مسمى في الوقت الذي نجد فيه النظام كشر عن انيابه ومستعدا لافتراس الجميع.

اما بناء التنظيمات المبنية على افراز حقيقي. فاذا كان الاخوة المحسوبين على “الطرح الجمهوري” الريفي، قد خطوا خطوة أولية نحو هذا الاتجاه، فإننا نعتقد بان لا خيار للتوجهات والحساسيات الأخرى سوى تنظيم أنفسها في اطار الوضوح بشكل مستقل داخل الحراك اوخارجه.

وبما انني من المدافعين عن التعدد الفكري واللغوي والثقافي والسياسي، فاقترح تنظيما عبارة عن جبهة مدنية عريضة تضم كل المؤمنين بالاختلاف والديموقراطية والاحترام المتبادل والاعتراف بالأخر، وفي حالة ما تعذر ذلك، فمن حق الجميع تأسيس التنظيمات التي تناسبه وفق تصوراتهم للأمور ك” يساريو الريف” او “امازيغيوالريف” او إسلاميو الريف” او قوميو الريف او حركة الحكم الذاتي للريف او أي شيء اخر يختاره الناس بكل حرية. هذا النوع من التنظيمات لاتغلق الأبواب باي شكل من الاشكال على احرار المغرب بل قد يكون التنسيق والتشاور والتعاون والتآزر والتكامل مع باقي رفاقهم واخوانهم في كل المغرب امرا ضروريا نظرا للمصير المشترك الذي يجمعنا بهم، مادام ان الظلم والاستبداد والفساد لا يستثني أحدا.

كما يحق لهذه التنظيمات ان تمارس أنشطتها بشكل مستقل عن الحراك ان ارادت ذلك في حين سيظل الملف المطلبي ورفع العسكرة وإطلاق سراح كافة المعتقلين/الرهائن الأرضية الموحدة والمشتركة على الأقل مرحليا بين كل النشطاء بدون استثناء حيث يتوحد ويتجند من اجلها الجميع.

ملاحظة: من خلال المظاهرتين الأخيرتين في كل من دينهاخ وبروكسيل، يتضح ان الحراك غير محصن في الجهتين وان اختراقات كبيرة فجة لهما يصعب السكوت عنها وان دعت الضرورة الانسحاب من المعركة بشرف خير من الاستمرار في الاشتغال في وضع يتسم بنوع من العبث.

سعيد العمراني

بروكسيل 02 أكتوبر 2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.