أيها المعارضون للدارجة « تمغربيت »! تعالوا إلى كلمة سواء!

بعدما بدا لنا أن الزوبعة التي أثارها النقاش الوطني العمومي حول الدارجة في المدرسة ، قد خفتت ولو إلى حين، ارتأينا أن ندلو بدلونا في هذه النازلة لكن بهدوء و تأن. مخاطبين ذوي العقول الراجحة و المنصفة من المعارضين، وكلنا أمل في نجاح خلق حوار راق حضاري، تسوده قيم التعايش، وقبول الرأي الأخر، وإعمال الحس النقدي العلمي البناء.
في البدء لا بد من توضيح ما نقصده هنا من مصطلح”تمغربيت”، ببساطة،الايطاليون يتحدثون الإيطالية، الإسبان الإسبانية، الفرنسيون الفرنسية ، والمغاربة في نظرنا يتحدثون اللغة المغربية ، وهي التي نقترح تسميتها ب ” تمغربيت” ، لحد الآن تسمى عندنا بالدارجة .فعلى غرار الشعوب الأخرى، المغاربة يتحدثون لغتهم ويتواصلون بها، يعيشون في كنفها، تحتضنهم ويحتضنونها، تشبههم و يشبهونها، توافقهم كما يوافق شن طبقة.
هذه المداخلة محاولة متواضعة لمعالجة إشكال نعتقد انه من الأهمية بمكان. يمكن صياغته على شكل تساؤلين اثنين من هم المعارضون ل” تمغربيت” ؟ ما هي دوافعهم؟ سنحاول فيما يأتي الإجابة انطلاقا من متابعتنا لأهم أطوار النقاش الجاري، ومختلف وجهات النظر التي طفت على الساحة. كان الأمر بمثابة رمي الحجر في بركة راكدة. لقد عجت الساحة بردود أفعال تراوحت بين المنفعلة، الساخرة، المتفهمة، و اللامبالية، غير انه يمكن تصنيف المعارضين للغة المغربية إلى أربعة أصناف:
القوميون: بقايا أتباع الحركات القومية العروبية، التي جعلت من الوحدة العربية شعارا، وأخذت على عاتقها القضاء على كل مظاهر الحياة المخالفة لها من المحيط إلى الخليج، باعتبارها عناصر مشوشة على الحلم، المشروع العربي. نورد بهذا الصدد دعوة المفكر محمد عابد الجابري إلى إماتة اللهجات المحلية البربرية منها والعربية “أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب” (1973). مات الجابري ولم تمت اللهجات. للتذكير، هذه النزعة افتعلت أول الأمر من طرف القوى الاستعمارية لمواجهة الخلافة الإسلامية العثمانية، الهدف منها، وقد تحقق بالفعل، فك الارتباط بين العرب و إمبراطورية الباب العالي، ليتم إضعافها من الداخل. تستمر هذه النزعة ليومنا هذا، رغم انهيار الأنظمة التي وظفت البترودولار (الحركة الناصرية، جماهيرية القذافي، البعث الصدامي و الاسدي. . .) للتبشير بها في المغرب الكبير.وكان من مخلفاتها على بلادنا خلق الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية،المعروفة ب” البوليزاريو“، والتي وجدت في هذه الأنظمة سندا و دعما سخيا. على أي، كان من صنف القوميين، مرتزقة يقتاتون على موائد هذه النزعة، كما كان منهم ذوو النيات الحسنة الذين وظفوا بالمجان لتحقيق مآرب المتاجرين بها.
-الإسلاميون: تعتبر العودة إلى التدين من سمات العصر الحاضر في كافة أرجاء المعمور، لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه العودة ليست بالفعل عودة إلى الدين حقيقة، بقدر ما هي عودة إلى مظاهر التدين لا إلى جوهره، من حجاب ولحية وإحياء للطقوس الدينية بشكل مبالغ فيه. وعلاقة بموضوعنا، نسجل أن الجيل الجديد من الاسلامويين المتأسلمين يخلطون دون وجه حق بين الإسلام والفصحى، ويعتبرونها ضمنيا الركن السادس للدين الإسلامي، الركن الذي تنتفي فيه عبارة”من استطاع إليه سبيلا”. يكفي التذكير أن80℅من المسلمين في العالم أعاجم، و20℅ الباقية أحصي فيها الأكراد، التركمان، الأمازيغ، و العرب الأميون. لا نظن أن الدين الإسلامي يدعو هؤلاء الأعاجم إلى التخلي عن لغاتهم، حتى لو كانوا يجهلون تماما اللغة العربية﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) − الروم:₂₂ −. كما لا نظن أن أحدا سينتقص من إيمان الإيراني أو الهندي أو الاندونيسي وغيرهم بدعوى أنهم لا يتواصلون بالفصحى.
-المستلبون: توالت على المغرب سياسات أثرت سلبا على المخيال الجمعي للمواطنين. لقد تم العمل على بتر الذاكرة الوطنية للمغاربة، وفرض عليهم البحث عن جذورهم خارج الحيز الجغرافي للوطن. واعتبر عمر البلد فقط قرنا، فأصبحنا نظهر شعبا قاصرا أمام جيراننا من الفراعنة اليونان والرومان. . . كرهنا في التاريخ و الجغرافيا بأشكال صريحة تارة وضمنية تارة أخرى، فكانت الهجرة بشتى مظاهرها. إلى الشرق نهاجر تاريخيا، و إلى الشمال نهاجر جغرافيا .أصبح المغربي لا يبحث عن الترقي إلا في ما هو خارج عن ذاته، وليس بتعبئة موارد شخصيته. فتجده يتخلى عن كل ما ينبع منه بكل بساطة، بل و يدافع عن موقفه ذلك بتعنت ملفت للنظر. يتخلى عن وطنه، تراثه، موسيقاه المحلية، لغته. . . و يشرئب إلى الذوبان في ثقافة الآخر. يضحي بالأمازيغية لصالح الدارجة، بالدارجة لصالح الفصحى، وبالفصحى لصالح الفرنسية، أي انه كلما كان عليه أن يختار، لا يتردد في تبني الخيار الأكثر بعدا عن كينونته. انه يهرب من نفسه، من هويته التي برمج على احتقارها، باحثا عن إثبات شخصيته أمام الآخر المتعالي، و الذي لا يعرف سوى أننا برابرة. وقد أحسن قولا من قال أن المغربي يدافع عن كل القضايا إلا القضايا التي تهمه. لذلك لا نجد هذا التشبث المرضى بالفصحى عند عرب الجزيرة ( احمد عصيد) ، لأنهم لا شك لديهم في عروبتهم، بعكس غيرهم ، ومنهم نحن،نسعى لنكون عروبيين أكثر من العرب، لكن هيهات! شاننا شان من يصب الماء في الرمل بلا جدوى. فلا غرابة إن تواجد بين ظهرانينا من المدافعين عن الفصحى من يرتكبون أخطاء لغوية يفترض اجتنابها منذ الأقسام الابتدائية، رغم أنهم أساتذة جامعيون، خطباء لامعون، أو صحافيون مشهورون.
-اللا مصنفون: وهم فئة من المغاربة تبدو قليلة. لكن سنجد السواد الأعظم يتبرأ من انتماءاته، ليدعي انه ينتمي إليها. حسنا، هم أناس يعشقون اللغة الفصحى، ويدافعون عنها بدون خلفيات، ويرون فيها صمام الأمان للأمة ضد كل ما يحيق بها من مخاطر. هي بالنسبة لهم قاسم مشترك يجمع الملايين، وعامل أساس في تحقيق الأفضل. أهلا بهم شركاء في هذا النقاش الهادئ وأهلا بدفوعاتهم، ولتكن من الرصانة العلمية بمكان. لعلنا نكتشف لديهم ما نحن عنه غافلون. ولنقارع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، بعيدا عن لغة الخشب، وأسلوب التخوين والهروب إلى الأمام.
إن مختلف الفئات التي سبق ذكرها، تسعى إلى تغيير الحقيقة المحلية بوهم مستورد لا وطني. لذلك كان الفشل هو مصير كل محاولاتها. ليس من هواياتنا تصنيف الناس إلى فئات، لكن اضطررنا إلى ذلك. فليكن تقسيما منهجيا لا غير، الغرض منه تفادي كل خلط في الأوراق. وليتسم كل منا بالشجاعة الأدبية، فانه لايصح إلا الصحيح، ولتكن حربا شعواء ضد التعصب الأعمى لأي تيار مهما كان.
أيها الواقفون ل ” تمغربيت” بالمرصاد ندعوكم إلى الوقوف في لحظة صفاء مع الذات. تطلعوا فيها إلى المرآة، فلن تجدوا غير وجوهكم تتطلع إليكم، ملامحها ملامحكم. ولا تنتظروا أن تجدوا غير ذلك، إن هي إلا أوهام اختلقتموها. و يا للحسرة صدقتموها! لقد سبق للمغاربة أن اجزموا بان” المكسي بديال الناس عريان”
* أستاذ الأدب الفرنسي مهتم بالبحث في اللسانيات. ابوالجعد

حياة الطالب لعفو محمد المضرب عن الطعام بكلية تازة في خطر

اليومي المغربي وعلاقاته بفرملة التطور المجتمعي المأمول.