أوراق بنما، ميناء الحسيمة، الدلفين الأسود وسعيد قرو…

عماد العتابي

كان لإغلاق معامل تصبير السمك بالحسيمة قبل أكثر من عقدين الأثر السلبي والكارثي على الإقتصاد المحلي بالمنطقة، كان بمثابة ضربة موجعة لأهالي المنطقة، فالمخزن لم يكتفي بتهجير الأهالي قسرا بل تماهى في غيه إلى قطع أرزاق آلاف العائلات التي مثلت هذه المعامل بالنسبة إليها مصدر رزقها الوحيد.

إغلاق تلك المعامل كان تمهيدا لإخلاء ميناء الحسيمة وإغلاقه، إلا أن في تلك الفترة لم يعلنوا عن أسباب ذلك الإغلاق المفاجئ، لم يوجهوا أصابع الإتهام نحو الدلفين الأسود كما فعلوا اليوم، ففي تلك الفترة لم يكن المخزن بحاجة لتبرير وقاحته وإجرامه السياسي والإقتصادي والاجتماعي في حق أهالي الريف، وبما أن الظروف تغيرت اليوم نسبيا وتوفرت أدوات الضغط والفضح فإن المخزن دائم البحث عن المبررات الغبية، وكانت آخر تلك التبريرات، إتهام الدلفين الأسود البحري عوض الدلافين البرية بتهجير مراكب الصيد من ميناء الحسيمة إلى موانئ المدن المجاورة.

طبعا، كان كابوس الريف يطارد أحلام المخزن منذ الثورة الريفية التحريرية إبان الإستعمار الإسباني، فالعقود التي تلت هذه الحقبة حاول المخزن بكل مكره إخلاء هذه المنطقة من سكانها لتعويضها بالوهم، تارة يقوم بتهجير الناس بشكل مباشر وتارة أخرى يوفر لهم الشروط لدفعهم نحو الهجرة، وهذا ما يفعله مؤخرا مع الصيادين وعوائلهم وكل ذي صلة مباشرة بميناء الحسيمة ورواجه.

لقد كان حلم المخزن الملكي ومعه الكثير من المستثمرين المحليين والأجانب، هو تحويل منطقة الحسيمة من قلعة بأسوارها العالية وتاريخها وإرثها الحضاري والإنساني والطبيعي، إلى وجهة لكل أراذل الغرب والشرق والخليج لافراغ كبتهم وشذوذهم، عقدة المخزن الملكي من تاريخ المنطقة يدفعه إلى ارتكاب كل أشكال الإنتقام لفرض ثقافة اليأس والتذمر والخنوع وجلد الذات عوض ذلك الإحساس بالشموخ والافتخار بالتاريخ والسير على نهج وعنفوان وشموخ الرجال والنساء الذين نبتوا في تلك التربة. الدلافين البرية السوداء القلوب هي من خططت لتحويل جزء من ميناء الحسيمة إلى ميناء ترفيهي في أفق تعميم المشروع الترفيهي على كل الميناء، ليستفيد منه زمرة من المستثمرين المحظوظين. والدلافين السوداء (النيكرو) المتهمة بتهجير المراكب، موجودة في كل منطقة المتوسط، وتجتمع بكل المناطق المتوسطية المعروفة بتواجد سمك السردين، السلطات المعنية تعرف كيف تتعامل معها لابعادها من أماكن الصيد كما فعلت إسبانيا وباقي الدول، وكما تفعل السلطات المغربية مع باقي مناطق الصيد بالشمال، لكن في حالة سواحل الحسيمة فإن السلطات عمدت إلى تركه “النيكرو” يصول ويجول بالمنطقة وربما هي من تأتي به إلى المنطقة البحرية لتهجير آخر مركب وبالتالي فسح المجال أمام السماسرة لتدمير هذا الإرث (الميناء) الذي شيده الإستعمار الإسباني، وحرمان مئات الأسر والعوائل من مصدر عيشها الوحيد، لتشييد ميناء ترفيهي فوق أنقاضه.

إنهم يسرقون أموال دافعي الضرائب وثرواتهم ويهربونها إلى الملاذات الضريبية بنما نموذجا، وليتهم يكتفون بذلك، فحتى النوارس والمراكب والعباد يعملون على تهجيرهم. يقطعون أرزاق الناس، ويستحوذون على الأراضي بمبرر المنفعة العامة ليشيدوا فوقها مواخير في أفق تحويل الريف إلى ماخور كبير من السعيدية إلى الحسيمة، فالمشروع إنطلق بنزع الأراضي الساحلية (السواني-السفيحة…) من أصحابها وبيعها لأصحاب الصفر على الرأس.

فإذا رحلت النوارس ومراكب صيد السردين وجاعت قطط الميناء وإختفى السردين من الأسواق، وهاجر “سعيد قرو” و”ميكيبا”، ماذا سيتبقى من الحسيمة غير أشباحنا…!!؟ سيبقى محمد بودرا رئيس بلدية الحسيمة ورفاقه في الغباء والانتهازية لكي يبرروا هجرة الريفيين.. لا لن يهاجر “سعيد قرو” الذي قال في حقه التحفة “ميكيبا”، إن أوروبا عندها “الأورو” ونحن عندنا “سعيد قورو”…

على الهامش: سعيد قرو شخصية حسيمية محبوبة، لا يمكن ذكر الحسيمة بدون ذكر هذه الشخصية المحبوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.