أهداف الألفية من أجل التنمية وسؤال الأمن

تنعقد الدورة 69 لجمعية الأمم المتحدة في ظروف سياسية دولية غير مستقرة، سيطرت علها الثورات الوطنية والصراعات الداخلية أثرت على الاستقرار والأمن في العالم، وان كانت أنظار المهتمين والمتتبعين قد ركزت على تهديدات الأحداث أو الظاهرة، في ساحة المعارك بين الشعوب والأنظمة بالدول النامية خصوصا الدول العربية منها، فإن الأمر لا يعدو أن يكون ظاهرة عامة وعالمية شهدها العالم مع بداية الحقبة الثانية من الألفية الثالثة، بسبب تراجع المكاسب الاجتماعية، وتزايد الظلم الاجتماعي وغياب العدالة الاجتماعية، وتراجع أداء الأنظمة والمؤسسات الحكومية، فأمام تراجع الدور الحمائي والإنتاجي للدولة، وجدت شعوب العالم نفسها، في مواجهة رأسمالية عالمية متوحشة. فجل القادة السياسيين أرجعوا سبب الإرهاب والتطرف إلى الخلل في إستراتيجية الأممية والبرامج الحكومية للتنمية، وبالتالي نكون أمام إقرار دولي وأممي يثير العلاقة بين تردي الأوضاع الاجتماعية للشعوب وتهديد الأمن الدولي، وهو إقرار صريح يفرض على الأمم المتحدة دعم المقاربات التنموية للأمن الدولي في المستقبل.

إن الاجتماع العام الحالي للجمعية العامة يكتسي أهمية خاصة لأنه يأتي على بعد وقت قصير من نهاية مرحلة أهداف الألفية من أجل التنمية التي تغطي الفترة من عام 2000 إلى 2015، وهي مرحلة تفرض على الأمم المتحدة تقييم التجربة السابقة وصياغة خطة جديدة للتنمية لما بعد عام 2015.

وفقا لهذا الاتجاه، وإن كان من أمر إيجابي يمكن تسجيله لصالح الأمم المتحدة، هو صياغة تفكير جديد حول التنمية وفق “إطار عمل الأهداف الإنمائية للألفية”، وتقديمها كمعالم واقعية لجهود التنمية العالمية والوطنية، الذي سيؤدي إلى تحسينات حقيقية وملموسة في حياة الناس بحلول عام 2015، لكن أهمية هذا الإطار أو الخطة لا تكمن إلا في نسبة ما تحقق من أهداف ومن تحسين في المؤشرات الإنمائية.

إن جل تدخلات القادة انتقدت جهود ودور الأمم المتحدة في تجاوبها مع متطلبات الدول النامية، واعتبرتها مجانبة لطموح الشعوب وحتى الأنظمة، وبكثير من الجرأة، أرجع خطاب ملك المغرب هذا الخلل إلى طبيعة التعاون الدولي في مجال التنمية، الذي خضع لمعايير غير عادلة، ولمشروطية المؤسسات المالية الدولية التي تتجاوز إمكانيات وخصوصيات الدول النامية، ولم يراع الظروف والاختلافات القائمة على المستوى الوطني، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى عدم تثمين الجهود الوطنية والإحساس بالفشل رغم ما تم تحقيقه من تقدم، وبالتالي يحمل المسؤولية للأمم المتحدة والدول الغنية لما يشهده العالم حاليا، من صراعات داخلية مدمرة وتهديدات للأمن على نطاق واسع بسبب انتشار الإرهاب والتطرف.

لكن ربط الأمن بالتنمية لا يعتبر بالموضوع الجديد في الحقل السياسي، بل هو توجه قديم أكد عليه مجموعة من المفكرين والساسة بحلول سبعينيات القرن الماضي، ومن بينهم وزير الدفاع الأمريكي ورئيس البنك الدولي الأسبق روبرت ماكنمار في كتابه جوهر الأمن، الذي نبه إلى الأبعاد الاجتماعية للفقر والنتائج السياسية المترتبة عليها، وانعكاساتها على الأمن الداخلي للدول، وتطور هذا الاتجاه، بمبادرة من محبوب الحق وزير المالية الباكستاني السابق، وإمارتيا صن الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، وتبلور كمفهوم “للأمن الإنساني” في إطار الأمم المتحدة كجزء من مصطلحات النموذج الكلي للتنمية.

مما لا شك فيه، أن التركيز على تحسين الأوضاع الاجتماعية داخل أروقة الأمم المتحدة، كان طرحا منطقيا استجابة للتغيرات الجذرية التي يمر بها المشهد الدولي في الآونة الأخيرة، وكان من الضروري أن يتوسع مجال الاهتمام الدولي على المجال الوطني، ليتجاوز النزاعات الداخلية سواء عسكرية أو سلمية، ويشمل المشكلات الكبرى مثل الفقر المدقع، والمجاعات، وانتشار الأمراض المعدية، والأوبئة والكوارث البيئية…، ومن أهم المواضيع التي تضمنها جدول أعمال الدورة 69 للجمعية العامة هي:

_ متابعة وتنفيذ نتائج المؤتمر الدولي لتمويل التنمية لعام 2002 والمؤتمر الاستعراضي لعام 2008

_ تنفيذ جدول أعمال القرن 21 وبرنامج مواصلة تنفيذ جدول أعمال القرن 21 ونتائج مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة ومؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.

_ تنفيذ عقد الأمم المتحدة الثاني للقضاء على الفقر (2008 – 2017).

وبشكل عام، يبدو أن تقييم أهداف التنمية المستدامة ارتبط بحالة السلم والأمن الدوليين، ونظرا إلى أن الأمم المتحدة قد عجزت عن تحقيق السلام في العالم، فإن مصداقيتها تواجه هذه المرة اختبارا حقيقيا على المستوى الإنمائي، مما سيجعلها تعتمد على فريق عمل أنشأ عام 2012، سيقوم بتقييم المفاوضات الجارية بشأن “أهداف التنمية المستدامة”، سيوكل إليه إعداد قائمة جديدة من التدابير التي يمكن اعتمادها خلال القمة العالمية التي ستلتئم بمناسبة انعقاد الجمعية العامة المقبلة للأمم المتحدة في شتنبر 2015.

* باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.