أنوزلا يكتب: دستور 2011 في المغرب.. النظام أسقط الشعب

مرت أربع سنوات على تطبيق دستور 2011 في المغرب، الذي جاء محمولا على أكتاف الأغلبية الصامتة التي خرجت للتظاهر لأول مرة في الشارع المغربي مطالبة بالتغيير. لكن بعد مرور كل هذه السنين على العمل بالدستور الجديد لا يبدو أن الواقع تغير كثيرا بالنظر إلى ما حملته مطالب المتظاهرين في الشارع من آمال وأحلام، وما جاءت الوثيقة الدستورية لتبشر به من إصلاحات مازال أغلبها مجرد حبر على ورق.

لقد جاءت الوثيقة الدستورية حافلة بالكثير من النوايا الحسنة التي جعلت الإعلام الرسمي يصفه بأنه “دستور الحقوق” و”دستور الحريات”. ومن يقرأ الدستور المغربي الحالي سيجد نفسه كما لو كان داخل “سوبر ماركت” يمكن لكل شخص أن يجد فيه ضالته، فهو حاول أن يرضي الحداثيين والحقوقيين والديمقراطيين، كما أرضى المحافظين والتقليدين والمدافعين عن السلطوية. والسبب يعود إلى كون الدستور كتب بسرعة في ظرف ثلاثة أشهر وتحت ضغط مطالب الشارع وحاول محرروه أن يكون توافقيا يرضي الجميع دون أن يمنحهم أي شئ.

لذلك وصف بأنه دستور النوايا الحسنة، يعد ولا يفي، تم تكبيله بالكثير من النصوص التنظيمية التي بدونها لا يمكن لبنوده أن تجد طريقها إلى التطبيق على أرض الواقع. وإذا كان هناك من استثناء مغربي فهو يتمثل في أن القوانين التنظيمية أصبحت أهم وأقوى فعالية من الدستور نفسه الذي يعتبر أسمى وثيقة قانونية في الدول الديمقراطية.

منطق التوافق والتسويات والترضيات هو الذي غلب على صياغة الدستور الذي يحكم المغاربة اليوم، مع فارق كبير هو أن هذا التوافق تم على حساب بل وضد جزء من المجتمع تمثل في الأحزاب  والتيارات السياسية والحركة الاحتجاجية اجتمعت تحت راية حركة “20 فبراير” وكلها تعبيرات قاطعت الاستفتاء على هذا الدستور وطالبت ومازالت تطالب بإسقاطه. لذلك لا يمكن اعتبار دستور اليوم في المغرب بأنه توافقيا وإنما هو دستور فرضته الأطراف التي اصطفت خلف السلطة، مستعينة بإمكانيات الدولة وأدواتها لفرض رؤيتها على الأطراف التي نزلت إلى الشارع عزلاء إلا من إرادتها التي لم تراها تتحقق في هذا الدستور.

فالدستور باعتباره تعاقدا ديمقراطيا بين الناس، تحول في الحالة المغربية إلى صفقة بين الأطراف التي استفادت منه ضد الأطراف التي خرجت أصلا للمطالبة بتغييره. وبعد أربع سنوات من تطبيقه سيتضح أن ما تغير هو النص فقط ليس إلا، أما السلوك السياسي للفاعلين الأساسيين فمازال كما هو. وحتى التعايش الذي قيل بأن الدستور الحالي حققه بين صيغة الملكية التنفيذية وصيغة الملكية البرلمانية، هو مجرد تبرير لوضع شاذ وهجين. بل العكس هو الذي حصل، فالدستور الذي جاء ليقلم أظافر الملكية التنفيذية قواها وزاد من سلطاتها. وفي هذا الباب يمكن اعتبار هذا الدستور أسوأ من سابقه، لأنه حافظ على روح الملكية التنفيذية وفي نفس الوقت تتحدث نصوصه عن ملكية برلمانية، وهنا تكمن أكبر مغالطات هذا الدستور الذي باع للمغاربة وهم التغيير ليجدوا أنفسهم أمام تقوية وسائل الاستبداد وحماية الفساد. وهذان هما الشعاران اللذان حملهما المتظاهرون في أغلب مدن وقرى المغرب قبل أربع سنوات للمطالبة بإسقاطهما،  ويتضح اليوم أن ما أٌسقط في المغرب هو الشعب نفسه الذي لم يعد طرفا في المعادلة السياسية. وهنا يكمن الاستثناء المغربي، فإذا كانت بعض الشعوب في دول “الربيع العربي” قد نجحت في إسقاط أنظمتها الاستبدادية، فإن النظام في المغرب هو الذي نجح في إسقاط الشعب من كل معادلاته السياسية.

المصدر: هنا صوتك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.