أنوال بريس من قلب حي العرفان2 بطنجة تنقل تفاصيل اخلاء الشقق من المهاجرين جنوب الصحراء

قبل البدء

بدأت القصة منذ أيام، حينها عادت بعض وسائل الاعلام الى حي بوخالف بطنجة حيث يقطن عدد كبير من المهاجرين جنوب الصحراء، نشر هذا الاعلام تقارير تصور هؤلاء المهاجرين بكونهم وحوش يأتون على الاخضر واليابس، مباشرة بعد هذه التقارير الاعلامية ستحدث بعض المناوشات بين أشخاص مغاربة وسكان احدى المنازل من المهاجرين الافارقة، بدعوى أن الامر يتعلق باستحواذ غير قانوني على منزل الغير من طرف هؤلاء المهاجرين، تناولت الصحف الحدث بعناوين مثيرة، تتحدث عن صدامات خطيرة وعن مسيرات ينظمها ساكنة هذا الحي؟؟

20150701_113158

مهلة وزارة الداخلية

بعد بأيام قليلة ستعلن وزارة الداخلية عن منح مهلة 24 ساعة من أجل اخلاء كل المنازل التي يسيطر عليها المهاجرون وإلا ستكون مضطرة للتدخل، واخلائها بالقوة، تحت طائلة القانون وباشراف من النيابة العامة.

بعد شيوع خبر تحذير وزارة الداخلية والمهلة الممنوحة للمهاجرين، بدا الحي وكأنه يعيش على ايقاع الهدوء الذي يسبق العاصفة، قلّ وجود المهاجرين بين أزقة وشوارع حي العرفان 2 بمنطقة بوخالف، وطائرات هيلكوبتر تحلق على ارتفاع منخفض تصور كل شيء، لكن الهدوء ظل سيد الموقف، الى أن كسّره ليلة البارحة مشهد استقدام عدد كبير من القوات العمومية وتم وضعهم داخل المدارس وبعض مؤسسات الدولة القريبة من منطقة بوخالف، سرت اشاعات تقول أن التدخل سيكون فجر هذا اليوم، وأضحى صمت الليل مفتوح على كل الاحتمالات.

20150701_113633

محاصرة حي العرفان فجرا

حوالي الساعة الخامسة بدأت القوات العمومية تتحرك باتجاه منطقة بوخالف، قوات بأعداد كبيرة، قدرتها السلطات المحلية بنحو 1500 عنصر من مختلف التشكيلات، وحوالي الساعة الخامسة والنصف بدأ نشر هذه القوات على كل مداخل حي العرفان، في غضون نصف ساعة كانت المنطقة مطوقة عن اخرها من كل الجوانب، وتم منع الناس من الولوج الى الحي إلاّ بعد التأكد انه من سكان الحي، هكذا أصبح حي العرفان 2 معزولاً ومحاصرا من كل جانب، فيما تم استقدام قوات اخرى تم نقلها على متن سيارات النقل الخاص وبعض الحافلات، هؤلاء تم توزيعهم بين ازقة الحي وعند مدخل العمارات السكنية خاصة تلك المعروفة بكونها يقطنها مهاجرون افارقة.

20150701_115535

الشروع في اخلاء الشقق

حوالي الساعة السابعة كان كلّ شيء معد للتدخل، وتم الشروع في اقتحام الشقق المفترض أنه تمت السيطرة عليها من طرف المهاجرين، كان المشرفون على التدخل مزودون بلوائح تبين أرقام الشقق والعمارات التي يجب التدخل لتحريرها، بدأ مشهد صراخ الاطفال والنساء يتعالى، وتجميعهم امام ابواب العمارات رفقة بعض اغراضهم في انتظار ان تمر الحافلة لنقلهم الى وجهات أخرى.

الغريب أن لحدود مرور أزيد من خمس ساعات من الاخلاء لا تتحدث مصادر السلطة المحلية إلا عن 160 مهاجرا تم ترحيلهم، جلهم أطفال ونساء، في حين أن نفس السلطات تقدم حصيلة ما يقارب 10000 الاف مهاجر يسكنون هذه المنازل التي تم السطو عليها والمقدرة ب 500 شقة.

تضارب هذه الارقام الكبير مردّه إلى كون أن المهاجرين جنوب الصحراء، عندما عملوا بقرار وزارة الداخلية والمهلة التي منحت لهم، قاموا بالانتقال من حي العرفان 2 الى الجبال و الغابات المتاخمة المطلة على مدينة طنجة هرويا من الاعتقال والترحيل، ولم يتركوا في هذه الشقق غير بعض الاطفال والنساء.

20150701_120431

وفاة غامضة لمهاجر ايفواري

صباح اليوم، وفي عزّ حملة اخلاء هذه المنازل سيعلن بلاغ لوزارة الداخلية عن وفاة احد المواطنين الايفوارين نتيجة اصابة بليغة تعرّض لها، ويضيف البلاغ أن أحد الاشخاص قام بإبلاغ السلطات عن حالة أحد الافارقة سقط مضرجا في دمائه وهو الان ملقى امام بوابة احدى العمارات، وقامت السلطات بالتنقل الى عين المكان، وتم نقل المصاب الى المستشفى لكنه فارق الحياة، كما أضاف بلاغ الداخلية أن الحادث لا علاقة له بحملة التدخل لاخلاء المنازل التي تباشرها السلطات، ورجحت السلطات الامنية أن يتعلق الامر باعتداء معزول تعرض له المتوفى، وأوضح البلاغ ذاته: “تم فتح تحقيق في الموضوع والاستماع إلى الشخص المبلغ، وكذا الشهود، وذلك تحت إشراف النيابة العامة المختصة”.
لكن رواية أخرى تتساءل كيف للمنطقة أمام هذا الحصار الامني الكبير أن يعرف هذا الحادث دون أن يثير انتباه السلطات الى أن يقوم أحد الاشخاص بالتبليغ عنه؟ فيما ذهب مواطنون قاطنون بالحي إلى أن المرجح  أن الامر يتعلق بمحاولة هروب المتوفى اثناء التدخل لاخلاء الشقق، فقفز من الطابق الثالث وأصيب اصابة قاتلة.

بين بلاغ وزارة الداخلية وما يتم تداوله بين الساكنة من حكايات، تبقى نتائج التحقيق النزيه كفيلة بتحديد أسباب الوفاة.

20150701_113042

حكاية الاستيلاء بالقوة على المنازل

حسب ما استقيناها من عين المكان، فعملية اقتحام الشقق من أجل اخلائها تتم وفق ظوابط وشروط، اصلا ثمة لوائح أعدت لهذا الامر، تتضمن ارقام كل الشقق التي يفترض انها تعرضت للاستيلاء من طرف المهاجرين، فيتم قصدها من أجل اخلائها، اولا يتم الطرق على الباب، ان استجاب احدا وفتح يطلب منه المسؤولون مدهم بوثائق ثبوتية تتعلق بمليكة الشقة أو بوجود عقد الكراء ثم الادلاء ببطاقة الاقامة، ان لم تتوفر هذه الشروط، يتم اقتياد المعني بالامر مع اخلاء المنزل من كل الاغرض.

المشكل العويص الذي يطرح في هذه المسألة أن أغلب هؤلاء المهاجرين يكترون الشقق بدون عقود الكراء، والافدح أن ثمة حالات كثيرة يعتبر هؤلاء المهاجرون هم أنفسهم ضحايا، فكثير من المنازل التي هي في ملكية مغاربة يقطنون خارج المغرب او في مدن بعيدة، هناك عصابات من المغاربة السماسرة تعرف جيدا هذه المنازل، تقوم باقتحامها وتغير أقفال الابواب، ثم يستقدمون افارقة في حاجة الى كراء، يأتون بهم الى الشقة التي سبق أن اقتحموها وغيروا اقفالها، يوهمونهم أنها في ملكيتهم، ويرغبون في الكراء دون أن يظطروا الى توقيع عقود الكراء، وهو ما يجده أغلب هؤلاء المهاجرين فرصة جيدة، دون الحاجة الى بطاقة الاقامة او غيرها من المساطر لتوقيع عقد الكراء، فيتم الاتفاق على الكراء، يدفع المهاجر واجب كراء الشهر، وتسبيق شهر اخر ثم يستلم مفاتيح الشق ويشرع في حياته العادية، بعد اسبوع أو أسبوعين يفاجأ بمالك الشقة الحقيقي يدق الباب ويستفسر كيف دخلوا شقته دون اذنه، فيواجهونه انه يكترون المنزل، وأن اشخاص مغاربة هم من اكتروا لهم، وهم من منحوهم مفاتيح الشقة. هنا تبدأ المشاكل الحقيقة؛ مالك الشقة الاصلي يجد شقته محتلة دون علمه، والمهاجرون المكترون يشتكون انهم دفعوا 3000 درهم فما فوق لمن اكترى لهم المنزل. يقصد مالك المنزل السلطات المحلية، فتحيله على مؤسسة القضاء، لأن هي وحدها من لها صلاحية فض هذه النزاعات والحكم فيها. والنتيجة يضيع صاحب المنزل بين ردهات المحاكم، ومن دفع اموال الكراء يرفض أن يخلي الشقة وهو دفع ثمن الكراء، بينما من قام بعملية التدليس، أخذ المال وانصرف الى حال سبيله ليبحث عن ضحايا جدد.

صحيح هناك حالات اقتحام قام بها المهاجرون أنفسهم، لكن الصحيح أيضا أن العديد من حالات الاستيلاء هي ليست كذلك، بل هي عملية نصب واحتيال تعرض لها هؤلاء.

20150701_113200

مسموح التصوير ممنوع التصوير، وقوارب مطاطية ضمن المحجوزات

في جولتنا بالحي صادفنا احدى السيدات من الكاميرون، تم اخلاءها من المنزل وهي تحمل صغيرها في يدها، ورفضت ركوب الحافلة التي ستقلها الى وجهة مجهولة، ظلت تصرخ، وتشرح أنها تكتري المنزل بشكل قانوني، وأن زوجها سافر مؤخرا الى بلده ولم تدر أين ترك اوراق ثبوت الكراء، وتصرخ أن كل ما تملكه هو مبلغ 200 درهم تركها لها زوجها لمواجهة اعباء رمضان، فكيف يمكن لي أن ارحل واترك منزلي وأغراضي، فيقوم بعض المسؤولين بدفعها بقوة لتركب الحافلة لكنها تسقط ارضاً وتصرخ بأعلى صوت، رافضة ترك ما تقول انه منزلها، من نوافذ احدى الشقق يقوم شاب بتصوير الحدث عبر هاتفه، يرمقه بعض رجال الادارة الترابية الذي انتشروا في الحي بأعداد هائلة، يخاطبه قائلا: “نزل جيب لينا ديك اللتيلفون ولا نطلعو لدين مك اولد القحبة، كتصور زعما حنا كنشطحو القرودة” يتم انزال الشاب برفقة هاتفه وبطاقته الوطنية، يتم اقتياده بعيدا.

صحيح كاميرات الصحافة حاضرة بكثرة تؤرخ لعمليات الاخلاء، لكن تصوّر فقط ما يرضاه المسؤولون، مشهد اخر لسيدة رفقة صغيرها تصرخ وتشتكي انها مظلومة بينما المسؤولون يخبرونها أن لهم تعليمات ينفذونها، اذا لم تكن بحوزتك اوراق ثبوتية فليس لنا ما نفعله معك الا اقتيادك، أحد الاشخاص يقوم بتصوير الحدث بكاميرا هاتفه، ينقض عليه احدهم، فيثور في وجهه صاحب الهاتف، ويخبره انه صحافي، يتم اقتياد الشاب، يطلب منه المسؤولون أن يدلي بترخيض التصوير وببطاقة الصحافة، يدلي الشاب ببطاقة الصحافة يحاصرونه بالاسئلة، يطلبون منه الانتظار ريثما يجروا اتصالاتهم للتأكد، بعد اتصالات وشد وجذب يتم اعادة الهاتف الى الشاب، لكن بعد أن يكون الحدث الذي كان بصدد تصويره قد تم تطويقه وتم ارغام السيدة بالقوة على الصعود الى الحافلة.

في زاوية أخرى من الحي عشرات كاميرات التصوير تومض اضواءها، وتحدث ازرار تشغيلها جلبة متواصلة، اقتربنا من مكان التصوير فوجدنا قارب مطاطي “زودياك” وبعض معدات الابحار تم العثور عليهم داخل احدى الشقق، فيما يؤكد مسؤولو حملة الاخلاء أنهم لحد الآن عثرو على 3 قوارب مطاطية في الشقق التي تم اخلاءها، مما يعني أن عمليات الابحار الى الضفة الاخرى كان يتم التهيء لها من هذا الحي.

20150701_114011

هدف الحملة تشتيت قوة المهاجرين

في دردشة جانبية لبعض ساكنة الحي مع أحد المسؤولين الامنين، وضّح أن ترحيل هؤلاء جاء اساساً للحد من قوتهم، والضغوط التي باتوا يشكلونها بسبب كثرة اعدادهم، ففكرت السلطات بترحيلهم الى مناطق اخرى في المغرب وتوزيعهم عليها من أجل تشتيتهم وتسهيل اخضاعهم للقانون، لأن الان بسبب كثرة أعدادهم وقوة تمركزهم بمنطقة بعينها جعل عمل السلطات شبه مستحيل، مما حذا بوزارة الداخلية الى التفكير في تشتيت هؤلاء المهاجرين.

لكن يبقى السؤال هل يتم الاخلاء وفق المساطر القانونية، وما مصير هؤلاء الضحايا الذين تعرضوا للنصب والاحتيال من طرف عصابات متخصصة في ابتزازهم؟ وهل سينجح الترحيل من أجل التشتيت والأرقام التي تدلي بها السلطات المحلية ضئيلة جدا  عن عدد المرحلين في ظلّ الاخلاء التكتيكي للمكان من طرف المهاجرين قبل تدخل السلطات؟

20150701_12042820150701_11561820150701_11353920150701_11363320150701_113736

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.