أنقذوا ” مغرب الأنقاض “…

بعد المأساة الأليمة التي شهدتها منطقة “بوركون” بالدار البيضاء الممثلة في سقوط عمارات كانت آيلة للسقوط فخلفت خسائر مادية وبشرية مهمة ما زالت تداعياتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية جارية إلى هذا اليوم.هاهو مصاب جلل آخر يتكرر من مسلسل مغرب الأنقاض في جزئه “العاشر”.

فقد استفاقت مدينة المتناقضات، وخاصة المدينة القديمة وبالتحديد “عرسة بن سلامة” بعد أن هدأت الدولة المنطقة بحقن التجبير وحبوب الترقيع والحلول الترقيعيةالخادعة.

انهارت مجموعة من المنازل تم تحديدها في ثلاتة او اربعة منازل متلاصقة فيما بينها على رؤو س ساكنيها من البسطاء،فكانت النتيجة وقوع خسائر مادية جسيمة، وربما كانت ستصبح بشرية لولا عمليات الإنقاذ الفورية للمواطنين والمواطنات الذين عاشوا فيلما دراماتيكيا ينتمي الى المدرسة الواقعية.

الأسباب يعرفها الجميع ولا يتم التصدي لها إلا أمام الكاميرات والبرامج الحوارية.فقد أقدمت احد ى الشركات على تهديم أكثر من خمسة وثلاتين منزل خلال الأسبوع الماضي بعد أن تم مطالبة أصحابها بالانتقال إلى سكن اجتماعي بديل تبلغ مساحته اقل من خمسة واربعين متر مربع. غير أن الطبيعة أبت إلا أن تفضح الشركة ،وبارتفاع وتيرة التساقطات المطرية على الساعة السابعة مساء يومه الأحد انهارت البنايات الأخرى التي كانت ملتصقة بالدور التي تم تهديمها من طرف الشركة سلفا.

وبالاستماع الى المواطنين المتضررين وإحدى جمعيات المجتمع المدني بالمنطقة فان الشركة طالبت فيما قبل بمبلغ مئتي الف درهم للسكن البديل ،وهو ثمن ملتهب مقارنة مع ثمن السوق الذي لا يتجاوز مئة وأربعين ألف درهم، غير أن بعض الأسر لاحول ولاقوة لها في هذا المبلغ المخادع الذي تلاعبت فيه لوبيات اخطبوطية ضاربة عرض الحائط كل القيم الانسانية والقانونية، وشاقة لدفاتر التحملات الموقعة مع الشركاء. فهو إذن إخطبوط يمتهن مهنة امتصاص الدماء والرقص على الجثث ويحترف حرفة رمي الفتيل بين ردهات الدولة والحكومة.

إن المنطق السليم يفترض أن يتحمل كل مسؤوليته، وكل من افسد او تلاعب أو غش يطرد أو يعفى من منصبه ثم يحاسب ليكون عبرة لمن يريد الاعتبار.

الموضوع الحارق الان من يتحمل المسؤولية فيما وقع وافضى الى هذا الرزئ الجسيم؟ هل نحن حقا نعيش في دولة تتفاخر بعنوان” دولة الحق والقانون” ام انه مجرد شعار من الشعارات الزائفة التي تركب على أمواجها معظم أحزابنا السياسية خلال حملاتهم الانتخابوية.؟

لقد تحولت مؤسسات الدولة الى حزب سياسي عفن متعفن يتاجر بمصائر الناس البسطاء. ومن هنا أعلن استبدال الشعار بشعار اخر- مادام ان الأمر في هذه المملكة السعيدة يتعلق بالأسماء والعناوين لاالافعال والممارسات-بشعار آخر أكثر جاذبية واستقطاب. شعار تحت مسمى”دولة المسؤوليات”، جيد يبدو انني أجدت وأبدعت فالعنوان براق ومؤثر ويمكن أن يرفع من حجم الاهتمام الوطني والدولي.

كفى وكفى فكفى ثم كفى ،بلغ السيل الزبا، إنها الأرواح تتنفس تحت الأرض؛ لابل تحاسبكم تحت الأنقاض.

دعونا ننزل هدا الشعار إلى بيئتنا المغربية” مغرب المسؤوليات” في تمرين تجريبي ونرى ما يمكن أن يصل إليه:

* الشركة المسؤولة عن الكارثة المخزية تقوم بخطأ تقني جسيم وتهدم المنازل دون النظر إلى التداعيات، ودون احتياطات لازمة.

من الذي سمح للشركة المشؤومة بالقيام بهذه الممارسات المستهجنة، والاقدام على جرف اكثر من 35 منزل دون اتخاذ الاحتياطات الممكنة. أم أن الآمر يتعلق بوجود التماسيح والعفاريت في هذا الملف العقاري، لايمكن الاقتراب منه.

ينبغي لهذا الوحش ان يتحمل المسؤولية ويحاسب على مسؤولياته الشنيعة التي تتحكم في مصائر الناس وتستلذ بعذاباتهم، وبرؤية الضحايا من المواطنين المغاربة يتساقطون تباعا.

وهذا ليس بغريب على “مغرب الأنقاض” الذي صار محط سخرية ومصدرا للتراشق بالعبارات المضحكة من طرف معلقي الكرة الاجانب حول مهزلة ملعب الامير مولاى عبد الله بمناسبة فعاليات المونديالتو. اليست الشركة العالمية التي صم اذاننا بها الوزير الشاب الضاحك دوما مسؤولة عنها. يا لا المهزلة؟؟؟. ولعلني سافرد موضوعا خاصا حول هذه الدراما.

* لابد من محاسبة الوزارة الوصية على القطاع المقصود،كما ينبغي ان يتحمل مشؤوليته ويقدم اعتذاره للشعب المغربي، بل إذا كان يملك ذرة احترام لعمله ومسؤوليته يقدم استقالته او يقال في رسالة إلى كل مسؤول” الي فرط يكرط”.

* محاسبة السلطة المحلية على ماوقع في شخص الوالي والعامل والباشا والقائد…

* محاسبة السلطة المنتخبة من رئيس المقاطعة ومكتبه المنتخب.

* ادارة الوقاية المدنية التي تتماطل في غياب للوسائل والمعدات اللوجيستيكية التي تم التعامل به بالأمس في عمليات الانقاذ.

* محاسبة مؤسسة المكتب الوطني للكهرباء والماء الذي يضيء دماء المواطنين باسعاره الملتهبة وفواتيره القاتلة.فقد تمت عمليات الإنقاذ في بعض الاوقات في غياب للانارة العمومية.

* الامكانيات المعطاة للجان الإنقاذ من الوقاية المدنية والأمن الوطني والقوات المساعدة مخزية .

لابد من الإشادة بالمواطنين الذين كانوا أبطال هذه الحلقة من مسلسل” مغرب الانقاض”، من خلال مباشرته لعمليات الانقاذ الفورية بإمكاناته الجسدية والمعرفية البسيطة؛إذ أنهم سهروا أكثر من الوقاية المدنية –التي ظهرت عزلاء عارية-في انقاذ وإسعاف عدد لايستهان به من الموجودين تحت الأرض.

لقد آن الأوان في ظل ما يشهده مغرب الأنقاض من كوارث بشرية وأخرى طبيعية من ارساء دعائم استراتيجية شاملة للكوارث تجند فيها كل الإمكانيات التقنية واللوجيستيكية والبشرية المؤهلة تتسم باليقظة والاحترافية والتخصص من اجل ضحايا اقل وانقاذ اكثر.

مثلما آن الأوان للتنزيل الحقيقي والفعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره –في تقديري الشخصي- وصفة علاج مضمونة لكل الممارسات والسلوكات الفاسدة والخاطئة التي يعانيها الجسد المغربي. فلا تنتظر من هؤلاء المسؤولين الاعتراف او الاعتذار او حتى “الاستقالة” فالكراسي وثيرة والمواقع مربحة ومدرة للجاه والنفوذ والسلطة. لذلك نحتاج في مغرب الانقاض الى سياسة الاكراه والاحراج، بل الى الفضح والكشف والمجالس التاديبية. وقد اذهب بعيدا اذا طالبت بالاكراه الجسدي عله يردع المستهتر اللامسؤول الذي غيب ارواحا ظلما وعدوانا تحت الارض. فيا من في السماء أنقذوا من تحت الأرض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.