أنت تشارك وأنت تقاطع أما أنا فأقاوم

عبدالرحيم شهبي

تعيش بلادنا هذه الأيام في حالة طوارئ، وأوضاعنا السياسية في غاية الرداءة والسوء، فهناك صراع محموم بين مكونات سياسية هي في مجملها أدوات إسنادية للمخزن، وتفتقد لشرطي الحرية والاستقلالية أساس الوجود السياسي المتوازن، ولا جديد في ساحة الركح السياسية لا من حيث البرامج ولا المواقف، سوى عمليات تغيير المواقع والقبعات والكراسي، ولازالت الداخلية هي التي تشرف على مجمل العملية الانتخابية، وترسم الخرائط السياسية حسب المقاص، وتجيش العوام، وتوزع المال الحرام، وتبعث البلطجة السياسية من رقادها.. المآلات في كل مرة تفضح الدعوات، والنتائج تناقض المقدمات، والوسائل تدمر الغايات.

فماذا تفعل؟!.. تشارك أم تقاطع؟!.. ألم يصبح كلا الفعلين مستهلكين ومبتذلين؟!.. ألا نجد منا من صار يسخر من دعوات المشاركة، ويعتبر جدلها بيزنطي عقيم، وحججها متهافتة؟!.. فعلى أي أساس نشارك، وكل مؤسساتنا الدستورية هي مؤسسات شكلية، تؤدي الخدمة حسب الطلب، وليس لها من وظيفة تمثيلة ولا حتى اقتراحية؟! أليست المشاركة هنا هي عبث وعناء وجهد مهضور وحق مضاع وعين بصيرة ويد قصيرة؟! وفي نفس الوقت ألا نجد  في الطرف الأخر من صار يحشر المقاطعين في الزاوية؟! وينعتهم بكل النعوت القبيحة، باعتبارهم عدميين، يعيشون دوما في القواقع المهجورة، وأنهم بفعلهم هذا يزيدون أعمارا في عمر الفساد، الذي يطرب بأن تبقى الأغلبية صامتة معتقلة في كهف المقاطعة، حتى يسهل عليه شراء الذمم وتدجين الهمم؟!.. ثم أليست المقاطعة برغم جلجلتها وزوابعها وتوابعها لم تحقق مصلحة ولم تدفع مفسدة؟!.

فأن تشارك في الكرنفال الانتخابي فأنت تائه في بيداء الاستبداد،  تبحث عن أي شيء يروي ظمأك السياسي، ولو كان سرابا، أو ماء أجاجا يقطع الأمعاء.. تزين وجه مؤسسات بلا معنى، بطلاء ديمقراطي باهت وفاقد للصلاحية.. وتلوث بيئتنا السياسية بكل نفايات الجهل المركب، وأدخنة البلاهة المقيتة، وضوضاء الفجور السياسي الرديئة!

لك ما تشاء.. لك أن تعيد هذه الأسطوانة المشروخة ولو لقيام الساعة، بدون أن تتعلم من دروس الماضي.. لكن بعد نهاية الكرنفال حذاري أن تعود إلى عويلك وعض أصابعك حسرة وأسى.. حذاري من هروبك من نفسك وانزوائك في ركن قصي، وكفرك بساسة يسوس وسائس، ولو إلى كرنفال انتخابي قادم..

وأن تقاطع الكرنفال الانتخابي، وأنت تتعامل بطريقة تقليدية أو مطلقه، فأنت تعيد إنتاج منطق الخلاص الفردي أو الجماعي ما دام الشعار بدون مصداقية، فأخطر سلاح يواجهك هو سلاح العقليات المغلقة والعدمية، وأنياب الإيمان السياسي الأعمى، وجحيم الحلول الجاهزة..

لكنك وأنت تقاطع تمتلك نصف وعي، وللمقاطعين على المشاركين درجة، وبحاجة إلى النصف الأخر الذي يجعلك تواجه الواقع العنيد والمعقد، بدون سقوط في هاوية العزلة والهامشية، فحين تستخدم نفس العدة القديمة في مواجهة المستجدات المركبة، تتراجع القهقرى، وتتحول المواقف السياسية الى ايقونات وأوثان لا تجدي فتيلا!

ولا يكتمل الوعي السياسي الا بالمقاومة السياسية، فشعارات الماضي لم تعد مجدية، ونحن لسنا ضحايا أقدارنا السياسية، بل نحن ضحايا أفكارنا، مشكلتنا ليست مشكلة حريات ما برحنا نطالب بها، ولكننا لم نحسن يوما ممارستها، مشكلتنا أن نفكر بحرية وتنوير واستقلالية لخروج من الجحور التنظيمية السياسية الضيقة، وتدشين أولى خطوات القطب الديمقراطي الجامع والمناهض لمركب الاستبداد والفساد والتبعية، وزحزحة الثوابت المتحجرة والمعيقة، في سبيل بناء تعاقدات سياسية ومجتمعية توافقية، تحررنا من آفة احتكار المعنى والحقيقة، أو إبداء مساوئ وأخطاء بعضنا البعض وارتكاب الفضائح والكوارث.

المقاومة السياسية هي الشكل المناسب للأنظمة الاستبدادية الطفولية، أما أن تشارك او تقاطع فهي أساليب بسيطة لا تصلح لمعالجة قضايا معقدة ومركبة، فأن نبدأ أولى خطوات التغيير هو أن نغير أطر تفكيرنا المتخلفة، لأن من يغير نفسه  يستطيع ان يغير غيره ومحيطه، وأساسات التغيير الصحيح هو التفكير بصورة حية ومركبة، التفكير خارج ضيق النسق إلى رحابة الحراك والسياق، بنهج  سلوك المقاومة المدنية بحمل العامة على مقتضى الدستور الديمقراطي، والفصل بين القداسة والسياسة،  وربط المسؤولية بالمحاسبة، والدفاع عن النظام البرلماني التعاقدي، واعطاء الانتخابات معنى، بربطها بإرادة التداول على ممارسة السلطة وليس مجرد خدمتها.. وكل ذلك لا يحصل الا من خلال حوار وطني بين المكونات الديمقراطية اسلامية كانت أو علمانية لتدشين حراك ديمقراطي مقاوم، يبني تعاقدات مجتمعية وسياسية قبلية، تكون هي أساس النضال وجوهره..

حوار وطني يفضي لتفاهمات مجتمعية وسياسية لمجمل القضايا الخلافية العالقة، في إطار رؤية ايديولوجية مركبة ومرنة وجامعة، ينبثق عنها قطب ديمقراطي ممانع، ومناهض لمركب الاستبداد والفساد والتبعية، هو أساس خيار المقاومة السياسية، وكفيل بأن يقلب موازين القوى لصالح قوى التغيير، وإطفاء طابع المصداقية السياسية على أي حراك مجتمعي.. ودون ذلك ستبقى دار لقمان على حالها.

الجديدة في 21/09/2016

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.