أمجي والسلطة

سبع سنوات ثمرة عمل في خدمة صحافة التحقيق رغم كل المحن والتضييق من طرف سلطة مرعوبة من أنشطة تكوينية لجمعية صغيرة غير نخبوية تدعى ” أمجي “. جمعية تحاول ولو جزئيا أن ترتقي بالصحافة في ميدان البحث والتقصي بالمناهج العلمية، عوض صحافة الجرائم والمحاضر والنبش في الأعراض وكل أنواع الكذب والدجل السياسي.

جمعية عصية عن التدجين مرنة في العمل واضحة الأهداف وعلانية الشركاء” أيمس “، تؤدي ثمن الاستقلالية عن مراكز النفوذ، وبسبب دعمها لصحافة التحقيق بالمنح والجوائز والتكوينات، وتشجيع التشبيك بين الصحافيّين في المدن والقرى للرقي بالوعي العام،وليس  تضبّيع القارئ وتوجيهه حتى في التعليقات الاليكترونية بالتودد لصناع القرار.

وللتذكير، تأسست الجمعية المغربية لصحافة التحقيق في دجنبر 2008، بعد تكوين مشاركين في الصحافة الاستقصائية أكتوبر من نفس السنة، انبثق عنه لجنة تحضيرية مهدت لانتخاب مكتب وطني يوم 14 مارس 2009. ومن ذاك الوقت وهي تكابد من أجل وصل الإيداع القانوني حتى فبراير 2011، تاريخ الحصول على الوصل المؤقت والنهائي من ولاية الرباط.

ورغم كل المضايقات استمرت أمجي في مهمتها حتى الآن، رغم منع عدة أنشطة بالرباط وطنجة وفاس وتزنيت..،وأصبحت السلطة تنظر إليها كجمعية “محظورة ” لابد من حلّها أو إرهاقها على الأقل والتماطل في تسليم الوصل الجديد بدعوى البحث الإداري، وحسبهم التحقيق مهمة الشرطة فقط!، وزيادة على ذالك تتلقى أموال من الخارج لخدمة أجندات غربية تحت غطاء منظمات دولية، الغاية منها زرع الفتنة في البلد. وكأن الأموال لا تمر عن طريق بنك المغرب والأمانة العامة للحكومة (إهمال وإتلاف بعض وثائق أمجي والمطالبة بها مجددا..)، ولا تشتغل في إطار ظهير الحريات العامة ل58 كما تم تعديله سنة 2002، و تصريح وزير الداخلية السابق، أمحمد العنصر في البرلمان سنة 2013 ، ” أن أيِّ جمعية تصبح قانونية بعد مرور 60 يوما على وضع طلب التأسيس أو التجديد.. “. لا الدستور ولا التصريح حدّ من ظلم السلطة، وبدون الوصل تعترض الجمعيات رغم أنها قانونية بعد ستين يوما، مشاكل مع السلطة والقطاع الخاصة، فيما يخص الأنشطة في الأماكن العمومية والتمويل.

وتهمة خدمة أجندات أجنبية لا تنطبق على الدولة والجمعيات المحيطة، رغم الدعم الخارجي التي تحصل الدولة من المؤسسات الدولية المانحة والبلدان الخليجية، تحت ذريعة تنمية وتحديث المغرب، جاعلة من المؤسسات الوطنية المُخوصصة بقرة حلوب للوبيات الأجنبية؟

لماذا الشراكات السرية التي لا تسند على أسس لا يعرف لها كَشْفْ، أما العلنية فهي أمام كاميرات التلفزة باسم فك العزلة عن العالم القروي، ولضخ المزيد في حساب المبادرة الوطنية التي ناهز 50 مليار درهم على مدى عقد من الزمن.. في حين الدولة تتغاضى وتعرف أن المانحين الدوليّين هم أجهزة الافتحاص، بواسطة خبراء محاسبين معترف بهم دوليا والغرب قادر على ضبط أموره.  أما المال العام الداخلي، حسب علمي المتواضع، مهمة المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية وغيرها من المتدخلين. أم تريد السلطة من هذه الجمعيات المستقلة تبذير المال في أشياء تافهة للتستر عليها، كما تقوم به مع الجمعيات الوهمية وناهبي المال العام.

طبعا لا بد من المحاسبة والدولة لا تشكر الجمعيات النشيطة لجلبها العملة الصعبة، والمساهمة في الاقتصاد الوطني وبالأنشطة التوعوية للتحرر من ثقافة الانغلاق والانحراف، والدفع بالمجتمع المغربي نحو مصاف الشعوب المتحضرة.

على الأرجح لو بقي في المغرب حتى نهاية السبعينات مواطنون أجانب، داخل المدارس والجمعيات والمصانع..، لا ارتقى الفكر المواطن إلى الأحسن لاحتكاكه بالقيم والممارسات الغربية، وَلا وُجِدت للشباب منافذ البروز،عكس اليوم حيث النخب القديمة متمسكة بالواجهة والكراسي.

صعب الاشتغال في مناخ غير طبيعي وكل إمكانيات الدولة مُجندة لمحاصرة الجمعيات المستقلة وأحرار المواطنين/ات،وتحريف البوصلة عن المشاكل الحقيقية للمغرب المتعلقة بالحقوق والحريات نحو أعداء وهميّين. حيث جعلت السلطة من دون أن تشعر بعض الأماكن والفنادق والمقاهي مقاطعات إدارية، وسار الشغل الشاغل لبعض المستخدمين الإبلاغ عن كل “طارئ”، حول حركات وجلسات الأعداء، إضافة إلى مخبرين/ات في جبة طلبة وإعلاميّين، لإختراق بعض النقاشات وإنجاز صور حيّة لفائدة الأجهزة لكسر أضلع المعارضين، وقلنا لابأس لا يمكن الإساءة لشخص، لأن عماد المواطنة المساواة، والأجدر أن “يتكوّن ” ويتناقش الجميع!

تجاوزت ملفات أمجي مع السلطة صفحات من التضيّيق والتنكيل والمحاكمات والتحقيقات والمنع من مغادرة التراب الوطني، كما حدث لصمد عياش،والتحقيق مع ومرية مكريم، ثم جيئ بالمعتقل من سجن الزاكي هشام منصوري من طرف الشرطة القضائية إلى الدارالبيضاء لمزيد من التعمق في التحقيقات..، ولصوص المال العام وتجار المخدرات يخرجون ويتجولون في العالم ويعودون بسلام.

إنهاجهات معروفة تعشق التحكم في القضاء وتوجيه التعليمات،كما فعلت في قضية هشام في المرة الأولى، والثانية الآن مع صمد وصديقه، ناهيك عن العديد من الصحافيين والحقوقيين. الاثنان متهمان بزعزعة ولاء المواطنين للمؤسسات مثل اسطوانة (زعزعة عقيدة مسلم)، وكأن هؤلاء غير راشدين!، والمنظمة الهولاندية (فري بريس أنليميتد) المعنية مباشرة ببرنامج “ستوري مايكر” لا تحظى بسمعة دولية ، ولا تعمل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت مظلة القانون الدولي والمواثيق العالمية، فيما يخص حرية التعبير والمواطنة والتنظيم.

لم تعد تنفع بيانات التنديد والاحتجاج مع سلطة ماضية في احتقار كل شيء، هي خائفة من “هواتف خطيرة ” في ملكية أغلبية المغاربة، وهل يلزم شهود شاركوا في التكوينات لدحض التهمة، والاتجاه صوب الهيئات الدولية لتقديم تظلمات حول جبروت السلطة، كما تفعل هي في القضايا الوطنية؟

صيف ليس مثله صيف والأيام المقبلة جديرة بالتتبع، حيث الانتخابات والتحقيقات في استهداف نشطاء الجمعيات والصحافة المستقلة، للإنفراد بالقطيع وافتراسه ولا أحد يَعلمْ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.